التطبيع السوري التركي المحتمل ودور اللاعبين الدوليين

تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن لقاء مع نظيره السوري بشار الأسد بوساطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سعى جاهداً منذ أعوام من أجل تحقيق مصالحة تركية روسية. يبدو أن نهاية اللعبة أقرب من أي وقتٍ مضى، مدفوعةً باستثمار أردوغان الفرصة نتيجة حرب أوكرانيا وحاجة موسكو لأنقرة.
قدم أردوغان أكثر التصريحات تفاؤلاً حتى الآن بشأن احتمالات المصالحة مع الأسد قائلاً: «بصفتنا روسيا وتركيا وسوريا، أطلقنا عملية من خلال اجتماع رؤساء استخباراتنا ووزراء دفاعنا في موسكو. وبعد ذلك، إن شاء الله، سنجمع وزراء خارجيتنا معاً بشكل ثلاثي. بعد ذلك، واعتماداً على التطورات، سوف نجتمع معاً كقادة».
في هذه الأثناء، تراقب المعارضة السورية ما يحدث عن كثب، حيث حذر وزير الدفاع التركي خلوصي أكار جماعات المعارضة المدعومة من تركيا في سوريا من «الاستفزازات» التي قد تزعج تقاربأ محتملاً بين سوريا وتركيا. بالمقابل، أكد أكار للمعارضة أن أنقرة لن تتخلى عنها، في وقتٍ خرجت احتجاجات ضد التقارب المحتمل في محافظتي حلب وإدلب رداً على اللقاءات السورية التركية.

على كل الجبهات للفوز في الانتخابات

كما هو الحال دائماً، كان أردوغان صريحاً بشأن أولويته القصوى في سوريا، وهي القضاء على قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية والأحزاب المحلية المرتبطة بها، حزب الاتحاد الديمقراطي وجبهة حماية الشعب. قد يسبق هذا التطبيع الذي يشار إليه عملية عسكرية تركية في شمال شرق سوريا الذي تم التمهيد لها منذ فترة طويلة بذريعة «سد الفجوات» في الحزام الأمني التركي على عمق 30 كيلومتراً في عمق سوريا.
على الصعيد الداخلي، ترتبط مصالح أردوغان في سوريا بأولوياته السياسية والاقتصادية المحلية. ستجري الانتخابات في يونيو/حزيران. لكن الموعد قد يكون أقرب بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. تستضيف تركيا ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ سوري، وهو ما يمثل عبئاً على الاقتصاد.
وفي وقتٍ لا يزال التضخم في البلاد مرتفعاً، تتنافس الحكومة التركية والمعارضة على ورقة التطبيع مع سوريا باعتبارها ورقة رابحة للفوز في الانتخابات، إذ قال حزب الشعوب الديمقراطي المعارض إنه سيعيد العلاقات مع الجانب السوري كما كانت في السابق.
سعى بوتين إلى الوساطة بين الأسد وأردوغان كوسيلةٍ لتحقيق الاستقرار في سوريا من جهة، ومواجهة النفوذ الأميركي والإيراني من جهةٍ أخرى. عملياً، أنقذ الدعم الروسي والإيراني لسوريا عام 2015 حكومة الأسد من الانهيار. يمكن أن يشير بوتين إلى سوريا على أنها نجاح عسكري ودبلوماسي كبير. منذ عام 2016، قام بوتين بالعمل على ما يسمى بـ«مجموعة أستانا» لروسيا وإيران وتركيا لإدارة مصالحهم المتباينة في سوريا ليحل محل النفوذ الغربي ويقوض العملية السياسية بوساطة الأمم المتحدة. لكن مع تعثر بوتين الآن في أوكرانيا، بات أردوغان صاحب اليد العليا كشريكٍ ووسيط لموسكو.

اللاعبون الدوليون

سعى بوتين أيضاً إلى منع سوريا من أن تصبح ساحة معركةٍ شاملة بين القوات الإيرانية ووكلائها في سوريا وإسرائيل. نشر موقع «مونيتور» معلوماتٍ خلال قمة هلسنكي 2018 ولقاء بوتين والرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب بشأن خطط الرئيس السابق لتهدئة التوترات بين إسرائيل وإيران في سوريا. لم يذهب هذا الأمر أبعد من ذلك حينها ومن غير المرجح أن يذهب إلى أي مكانٍ الآن. قصفت إسرائيل مطار دمشق الدولي الأسبوع الماضي، فيما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن إسرائيل «ستتخذ إجراءاتٍ صارمة لمنع التمركز العسكري الإيراني في سوريا وأماكن أخرى».
أما الإمارات ودول عربية أخرى، فهي لا تريد التنازل عن سوريا لإيران، كما لا تريد أن ترى سوريا تعود إلى دولةٍ فاشلة أو فاشلة وخطيرة بسبب الوجود الإيراني، بعد أكثر من عقدٍ من الحرب الأهلية والعقوبات. وقام وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الأسبوع الماضي بزيارته الثانية إلى سوريا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021، في مؤشرٍ على تطبيع بطيء لعلاقات دمشق مع العالم العربي، وهو ما تعارضه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن.
وفي هذا السياق، من غير المحتمل أن تتغير سياسة الولايات المتحدة تجاه دمشق التي تتضمن دعم وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء سوريا، وتعزيز المساءلة عن انتهاكات الحكومة السورية لحقوق الإنسان، وتأطير علاقاتها مع الدول عبر فرض العقوبات على كل من يتعامل معها، وأيضاً دعم العملية السياسية للأمم المتحدة ومنع عودة ظهور تنظيم داعش، الذي تصنف الولايات المتحدة أنشطته على أنها تمردٌ «منخفض المستوى». تحتفظ وزارة الدفاع الأميركية بحوالى 800 جندي في سوريا يعملون مع قوات سوريا الديمقراطية. ومن خلالهم، قصفت الميليشيات المدعومة من إيران التي تقوض بشكلٍ منتظم مهمة ومصالح الولايات المتحدة في سوريا.

مواكبة أميركية

تعتبر الولايات المتحدة أن تنظيم داعش لا يزال نشطاً في سوريا. ومن غير المرجح أن تسحب قواتها، على الأقل في الوقت الحالي، لا سيما أن التدخل الأميركي في سوريا يعود بالفائدة على الجانب الأميركي، في وقتٍ تسيطر واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية على مناطق تشمل حقول النفط والموارد الرئيسية الأخرى.
قد يدعو بعض أعضاء الكونغرس الولايات المتحدة إلى تطبيق المزيد من العقوبات بموجب قانون قيصر. ومع ذلك، فإن العقوبات لا تفعل شيئاً يذكر لتقويض الأسد وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تعرض سوريا لمزيدٍ من خطر انهيار الدولة، خاصةً أن لدى الولايات المتحدة أولويات أخرى، بما في ذلك روسيا وأوكرانيا، ما يؤثر على سوريا سلباً.
تشعر كل من موسكو وطهران بأنهما قد حققتا هدفهما في سوريا المتمثل في بقاء الأسد في السلطة. لكنهما بنفس الوقت مشتتتان. روسيا بسبب حرب أوكرانيا، وإيران بسبب التوتر الداخلي والاحتجاجات المستمرة في البلاد منذ أشهر على خلفية مقتل الشابة مهسا أميني على يد قوات الشرطة. فرضت الولايات المتحدة قبل أيام عقوباتٍ على موردي الطائرات من دون طيار الإيرانية لدعمهم القوات الروسية في أوكرانيا.
خلاصة الكلام: التطبيع السوري التركي يحتاج الكثير من الوقت، ولا يزال هناك خطر اندلاع صراع عسكري من خلال توغلٍ عسكري تركي في الشمال، أو هجوم سوري على إدلب التي تسيطر عليها المعارضة. يشير التقاء الدول ذات الأصول العسكرية والوكلاء في سوريا، الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، إلى أن الوضع يمكن أن يتصاعد في أي وقت، أو يتطور إلى صراعٍ إقليمي محدود. وقد يؤدي استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا إلى هجومٍ أميركي كما حدث في عامي 2017 و2018.

المصدر:المونيتور