انتخابات 2023 المصيرية في تركيا.. هل تنجح المعارضة في الإطاحة بأردوغان؟

المركزي الكردي للدراسات 

في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا المزمع تنظيمها في حزيران (يونيو) 2023، في حال عدم الذهاب إلى انتخابات مبكّرة، تكتسب استطلاعات الرأي التي تقوم بها الشركات الخاصة في البلاد أهمية خاصة بالنسبة للسياسيين وحتى الناخبين من أجل قياس المزاج الشعبي والعوامل المؤثرة على خياراتهم من جهة، وتحديد الاستراتيجيات الانتخابية من قبل الاحزاب من جهة أخرى.

وإن كان الجميع في تركيا وخارجها يتّفقون على كون الانتخابات المقبلة مصيرية بالنسبة إلى تاريخ البلاد ومستقبلها، تؤشر التناقض في السياسات والوعود المعلنة إلى الانقسام السياسي والاجتماعي الحاد الذي بات السمة الأبرز لعهد حزب العدالة والتنمية مؤخراً، ما يزيد من حساسية الفترة التحضيرية للانتخابات ويصعّد من ردود الأفعال المحتملة على نتائجها.

كما في معظم دول العالم، يشكّل الاقتصاد محرّك خيارات الناخب التركي في الانتخابات، وهي القاعدة الصلبة التي تقف عليها المعارضة التركية، التي تحاول استغلال تردي الاوضاع الاقتصادية والمالية، وتعتمد عليها في تحديد سياسات ووعود انتخابية تحاكي عواطف الناخبين المستاءين من التراجع المتسارع لجودة الحياة بالنسبة إليهم. تبدو المعارضة واثقة من قدرتها على اللعب بالورقة الاقتصادية لصالحها، والتي تعتقد بأنها كفيلة بالإطاحة بـ”العدالة والتنمية” الذي وصل إلى الحكم مشهراً الورقة ذاتها. لكن قدرة الرئيس رجب طيب أردوغان الفائقة على المناورة وحرفيّته في استخدام خطاب يمزج بين الديني والقومي في السياستين الداخلية والخارجية، وتحالفاته الاقليمية مع دول مؤثّرة على السياسة والاقتصاد التركيين، يجعل من فرضية المعارضة بخصوص “انتخابات مضمونة” خطأً استراتيجياً قد يؤدي إلى تفويتها أهم فرصة سياسية لها منذ بداية القرن.

نستعرض في هذه الورقة نتائج استطلاعات الرأي المعلنة من قبل أبرز المراكز والشركات في تركيا منذ بداية آب (اغسطس) الحالي، لننتقل لاحقاً إلى السيناريوهات الانتخابية المحتملة لكل من أحزاب السلطة والمعارضة السداسية والمعارضة في التيار الثالث في محاولة لاستخلاص صورة أقرب إلى واقع الانتخابات التركية المصيرية بالنسبة إلى البلاد وعدد من قادتها السياسيين، مثل الرئيس التركي نفسه ومنافسه الأبرز في المعارضة وشخصيات سياسية وحزبية أخرى.

ائتلاف المعارضة متقدّم على ائتلاف السلطة

أظهر مسح قامت به شركة “ماك” (MAK Araştırma[1]) تقدّم “تحالف الأمة” المعارض، الذي يضم حزبي “الشعب الجمهوري” و”الجيد”، ويحظى بتأييد العديد من الأحزاب المعارضة، على “تحالف الشعب” الحاكم، والذي يضم حزبي “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية”.

وبحسب “ماك”، يتقدّم “تحالف الأمة” بأكثر من 12 في المئة، بنسبة أصوات بلغت 47.48 في المئة، مقابل 35 في المئة “لتحالف الشعب”[2]. وذكر كولات في بيانه أنهم أجروا سبعة استطلاعات هذا العام، وأن أصوات حزب العدالة والتنمية كانت أقل من 30 في المئة.

كما أعلنت الشركة أنها قامت بسبعة مسوحات منذ بداية العام، بمعدل مسح واحد شهرياً، حيث أظهرت جميعها تقدّم ائتلاف المعارضة على السلطة.

ووفق “ماك”، فإن حزب “العدالة والتنمية” خسر حوالى 17 في المئة من الأصوات مقارنة بانتخابات 24 حزيران (يونيو) 2018، بينما أضاف حزب “الشعب الجمهوري” نسبة 3.5 في المئة على أصواته، فيما بقيت أصوات حزب “الحركة القومية” في نسبة سبعة في المئة. كما أظهرت نتائج الشركة ارتفاعاً في شعبية الحزب “الجيد”، إذ وصلت أصواته إلى نسبة 18 في المئة. أما حزب “النصر” المتطرف ، برئاسة أوميت أوزداغ ، فحصل على نسبة تصويت تتراوح بين 1.5 و 1.7 في المئة مع امكانية ارتفاع الرقم إلى اثنين في المئة مع الناخبين المترددين.

وذكرت ماك أن حزب “الشعوب الديمقراطي” يمتلك نسبة تأييد مقدارها 10 في المئة، لكن لديه قاعدة انتخابية تبلغ نسبتها اثنين في المئة لا تعلن تأييدها الحزب علانية، لكنها تمنحه أصواتها يوم الانتخابات، إذ يتمتع حزب الشعوب الديمقراطي بأعلى نسبة من الناخبين القادرين على التنسيق والتحرّك معاً في الاستحقاقات الدستورية، وفق رأي الشركة[3].

من جهتها، أعلنت شركة “ميتروبول”[4] للإحصاءات واستطلاعات الرأي أن نتائج مسح أجرته على 2091 شخصاً بين تاريخي 11-16 تموز (يوليو) أظهرت، وبعد توزيع أصوات المترددين، أن نسبة أصوات “تحالف الأمة” 39.4 في المئة، مقابل 39.8 في المئة لتحالف الشعب[5].

وبيّنت أرقام استطلاعات الرأي تصدر حزب “العدالة والتنمية” بنسبة 33.8 في المئة يليه “الشعب الجمهوري” بـ 25 في المئة ومن ثم “الحزب الجيد” بـ 14.5 في المئة وبعده “الشعوب الديمقراطي” بـ 11.2 في المئة فيما بلغت أصوات حزب “الحركة القومية” شريك السلطة ستة في المئة فقط.

اللافت في مسح الشركة بلوغ نسبة الناخبين الذين لم يحسموا بعد الجهة المستحقة لأصواتهم، أي “المترددين”، معدل 16.5 في المئة[6].

بدورها، أعلنت شركة “رويست” لاستطلاعات الرأي، المقرّبة من المعارضة، استناداً إلى نتائج الاستطلاع الذي أجرته في حزيران (يونيو) 2022 في أربع ولايات في الجنوب الشرقي، ثبات معدّل تصويت حزب الشعوب الديمقراطي مقارنة مع نتائج انتخابات 2018، فيما ارتفع معدّل تصويت حزب الشعب الجمهوري بنحو أربع مرات[7].

ووفقاً للمسح الذي أجرته الشركة في ولايات ديار بكر وأورفا وماردين ووان في حزيران (يونيو) 2022 ورداً على سؤال “لأي حزب ستصوت اذا أجريت الانتخابات هذا الأحد؟” أظهرت النتائح انخفاض نسبة تأييد “العدالة والتنمية” لتصل إلى 23.8 في المئة، بعدما كانت 34.7 في المئة، مقابل انخفاض طفيف جداً في نسبة تصويت حزب الشعوب الديمقراطي التي هبطت من 52.4 في المئة إلى 51.3 في المئة، فيما كانت نسبة أصوات حزب الشعب الجمهوري الأكثر تغيّراً، حيث ارتفعت من 2.7 في المئة إلى 9.8 في المئة، مقابل 4.7 في المئة لحزب “الديمقراطية والتقدّم” و2.6 في المئة لحزب “المستقبل”.

أما شركة “ارتي 1” المقرّبة من المعارضة أيضاً، فأعلنت في سياق نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها في شهر تموز (يوليو) 2022 أن الفارق في الأصوات يزداد تدريجياً بين “تحالف الأمة” المعارض و”تحالف الشعب” في السلطة لصالح المعارضة التي وصلت نسبة أصواتها إلى 43.1 في المائة، مقابل 35 في المئة لصالح الائتلاف الحاكم، بتفوق بلغ 8.1 نقاط.

وفقاً للاستطلاع، حلّ حزب “العدالة والتنمية” في المرتبة الأولى ضمن لائحة الأحزاب بنسبة أصوات 29.1 في المئة، تلاه حزب “الشعب الجمهوري” بـ28.2 في المئة، وفي المرتبة الثالثة حزب “الجيد” بـ14.9 في المئة، بينما نال حزب “الشعوب الديمقراطي” ف 12.4 في المئة بينما حل حزب “الحركة القومية” في المرتبة الخامسة بنسبة 5.9 في المئة[8].

في المقابل، أظهرت نتائج استطلاعات الرأي[9] لشركة “أكسوي” تأخر “تحالف الشعب” عن المعارضة بفارق 4.8 في المئة لتبلغ نسبة التأييد 38 في المئة مقابل 42.8 في المئة لصالح “تحالف الأمة”، و47.5 في المئة عند احتساب أصوات “تحالف الأمة” مع شركائه في المعارضة السداسية في كل من أحزاب “المستقبل” و”الديمقراطية والتقدّم” و”الرفاه”.

أما على مستوى الأحزاب، بلغت نسبة أصوات “العدالة والتنمية” 29.7 في المئة، تبعه حزب “الشعب الجمهوري” بـ28.8 في المئة، فيما احتل حزب “الجيد”، الذي يشهد صعوداً لشعبيته في الفترة الأخيرة، المركز الثالث بنسبة 14 في المئة، مقابل  13.2في الاستطلاع السابق، بينما نال حزب “الشعوب الديمقراطي” 10 في المئة، مقابل 7.8 في المئة من الأصوات لحزب “الحركة القومية” الشريك في السلطة.

ووصفت الشركة في تحليلها للبيانات “الشعوب الديمقراطي” بأنه “الحزب المفتاح” في الانتخابات المقبلة، وبيضة القبان التي ستحدد الجهة الفائزة بها، إذ أن نسبة تأييد الحزب عادةً ما تكون “مقفلة” وغير قابلة للتزعزع.[10]

أوفر المرشحين الرئاسيين حظاً

وفقاً لقانون الانتخابات، تجري الانتخابات الرئيسية والبرلمانية في نفس اليوم كل خمس سنوات. يحدد يوم الاقتراع بالأحد الأخير قبل انتهاء فترة ولاية الرئيس والبرلمان. أجريت الانتخابات السابقة في 25 تموز (يونيو) 2018. وبما أن الخامس والعشرين من تموز 2023 يصادف السبت، من المفترض أن تجري الانتخابات في 18 تموز، في حال لم تذهب البلاد إلى انتخابات مبكّرة. قبل ستين يوماً من يوم التصويت، في 19 نيسان (أبريل) 2023، من المفترض أن يعلن المجلس الأعلى للانتخابات الجدول الزمني للاستحقاق.

أعلن “تحالف الشعب” الحاكم مرشّحه للانتخابات المقبلة ممثلاً بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشكل متوافق مع غالبية التوقّعات. في المقابل لا يزال “تحالف الأمة” المعارض متكتّماً بشأن اسم مرشّحه الرئاسي للانتخابات، وسط تزايد التوقّعات بتسمية زعيم حزب “الشعب الجمهوري” كمال كيليتشدار أوغلو كمرشح توافقي لا لـ”تحالف الأمة” فحسب، وإنما ممثلاً للمعارضة السداسية أيضاً.

إحدى نقاط الاتفاق الرئيسية للمعارضة السداسية هي تسمية مرشح رئاسي مشترك. على الرغم من أنه لم يتضح بعد كيف سيتم تشكيل التحالف الانتخابي، إلا أن قادة الأحزاب الستة أكدوا أنهم سيعتمدون مرّشحاً رئاسياً مشتركاً. في الحقيقة، فإن كل زعيم في المعارضة السداسية يبرز كمرشّح رئاسي محتمل. ويعد رئيس بلدية مدينة إسطنبول أكرم إمام أوغلو وورئيس بلدية العاصمة أنقرة منصور يافاش من بين أقوى المرشحين. على الرغم من أن كمال كيليجدار أوغلو قال إن كلا الاسمين يجب أن يستمرا في واجباتهما الحالية، صرّحت رئيسة حزب “الجيد” ميرال أكشنر أن كلاً من إمام أوغلو ويافاش يتطلعان إلى الترشح للرئاسة.

وزاد زعيم “الشعب الجمهوري” نشاطه السياسي في الآونة الأخيرة، حيث بات يتصرّف ليس كزعيم حزب سياسي له مرشّحيه للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإنما كمرشّح يحاول زيادة رصيده الشعبي عبر اطلاق الوعود الانتخابية بالتزامن مع رفع مستوى الانتقادات والاتهامات الموجّهة إلى السلطة وفي مقدمتها رأس الهرم الرئيس رجب طيب أردوغان.

ومن المثير للاهتمام ذلك الاقبال الجماهيري الكبير للتجمعات الانتخابية التي أقامها الحزب في عدد من الولايات والمدن التركية، تحت مسمّى “صوت الأمة” متعهداً أن تغطّي معظم الولايات التركية.

لكن أحد أهم العقبات أمام ترشّح كيليتشدار أوغلو هو انتمائه إلى الطائفة العلوية في تركيا، وهو ما اعتبره منافسه الافتراضي، أردوغان، انتقاصاً منه، ووجّه سهام انتقاداته إليه في خطاب عام.

حقيقة أن رئيسي البلديتين الحاصليْن على أعلى الأصوات في جبهة المعارضة في الاستطلاعات يعتبران مرشحين قويّين للانتخابات الرئاسية. وقد تزيد استطلاعات الرأي الضغوطات على قادة الأحزاب السياسية لترشيح يافاش أو إمام أوغلو في المستقبل، فيما أعلنت أكشنر في تصريحات سابقة أنها لا تحبذ الترشح إلى منصب الرئاسة، وأن هدفها هو رئاسة الوزراء بعد التحوّل إلى النظام البرلماني.

كما أن خلفيته السياسية وتدرّجه في صفوف حزب “الحركة القومية” قبل الانتقال إلى المعارضة الأم (الشعب الجمهوري) يعتبر من قبل العديد من المراقبين فرصة من أجل الحصول على أصوات التيار اليميني في تركيا، وبشكل خاص القومي المتطرف.

في المقابل، تبرز عقبتان رئيسيتان أمام ترشح رئيسي البلديتين. يحتّم القانون على المرشّح الرئاسي استقالته من أي منصب إداري حكومي. وبالتالي، سيكون أحدهما مجبراً على تقديم استقالته من رئاسة البلدية التي اعتبر حصول المعارضة التركية عليها بعد قرابة 25 عاماً من سيطرة “العدالة والتنمية” انتصاراً سياسياً ومعنوياً كبيراً للمعارضة. بالإضافة إلى أن استقالة أحدهما سيعني انتقال بلديته إلى يد السلطة، التي ستستغل امكانيّاتها الكبيرة في المعركة الانتخابية.

من جهة أخرى، قد يمنح ترشيح يافاش المعارضة أصوات اليمين التركي. لكن في المقابل، تتزايد مخاوف المعارضة من خسارة أصوات الكرد الذين قد يواجهون ترشيح المعارضة لشخصية قومية بالامتناع عن التصويت، وهو ما يعني فقدانها لنحو عشرة في المئة من الأصوات، وبالتالي تراجع حظوظها في إسقاط أردوغان.

في حديثه إلى “بي بي سي التركية” مؤخّراً، أكد نائب الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي، طيب تمل، أن موقف القاعدة الحزبية والقوى المؤيدة من منصور يافاش غير ايجابي، وهو ما عبّر عنه سابقاً أحمد تورك، أحد الشخصيات المؤثرة في الحزب[11].

يُعرف المجتمع التركي بحبّه للزعماء الشعبويين بغض النظر عن السياسات التي ينتهجها هؤلاء، والتي قد تبلغ في بعض الأحيان مستويات استبدادية وتعسّفية وشوفينية. تقوم السياسات التركية على حصول المرشّحين لرئاسة الوزراء سابقاً، ورئاسة الجمهورية بعد تغيير نظام الحكم، على الموافقة الاجتماعية ضمن نظام انتخابي قائم على الديمقراطية التمثيلية.

تبني المعارضة التركية خطابها الانتخابي بانتقاد الجمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد المتّجهة نحو كارثة اقتصادية عميقة. بالمقابل يركّز حزب العدالة والتنمية في استراتيجيّته لانتخابات 2023 على ثلاثة عناوين رئيسية: إبقاء ذاكرة الأعوام العشرين السابقة حيّة لدى الناخب التركي، مواصلة التذكير بالثمن المرير الذي دفعته البلاد في فترات التحالفات، والإعلان عن الخطوات والقرارات المتّخذة من قبل الحزب بشكل علني ومباشر للجمهور. حدد الرئيس التركي استراتيجية فترة الدعاية الانتخابية وأعطى تعليمات بشأن ما يجب القيام به في فترة الشهور العشرة قبل موعد الصمت الانتخابي[12].

أما الجانب الأكثر إثارة للشكوك من قبل الناخب التركي بما يخص المرشح التوافقي للمعارضة السداسية، فهو الضغط الذي قد يتسبب به هذا التوافق على الرئيس الجديد الذي سيجد نفسه مجبراً على إرضاء ستة قادة لأحزاب مختلفة في التوجّهات والخطط، ومحاولة كل زعيم منهم إجباره على التصرف بما يتماشى مع آراء ومصالح حزبه. ما يعني أنه سيكون من الصعب جداً على الرئيس تقديم حلول مثالية للمشاكل المزمنة في البلاد.

وقد تمتد هذه المشكلة لتصل إلى التعيينات التي ينبغي على الرئيس إجراؤها للمدراء العامين أو رؤوساء الجامعات أو المجالس التعليمية والعدلية والقانونية العليا، وهو أحد واجباته الدستورية.

في الوقت ذاته، أعلن حزب “الحركة القومية”، شريك أردوغان في الحكم، استراتيجية النزول إلى الشارع بدءاً من تاريخ 9 أيلول (سيبتيمبر) القادم، حيث سيتم اطلاق الحملة الانتخابية للحزب من خلال تجمّع انتخابي في اليوم ذاته في مدينة سيواس ذات التوجّه القومي، وبمشاركة رئيس الحزب اليميني المتطرف دولت باهتشيلي[13].

سيكون موقف حزب الشعوب الديمقراطي حاسماً جداً في تحديد مرشّح المعارضة. يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي، الذي رشّح صلاح الدين دميرتاش، الرئيس المشارك السابق للحزب في آخر انتخابين رئاسيين، أن يدعم مرشّح المعارضة السداسية.

في حديثه في الاجتماع الأخير لمجموعته البرلمانية، أدلى الرئيس المشارك للحزب مدحت سنجار بتصريحات أكد فيها أنّهم منفتحون على فكرة المرشح المشترك من خلال الحوار المفتوح والتوافق عبر المفاوضات، مشيراً إلى أنه في حال “لم تنجح تلك السبل، فسنعتبر بلا شك مرشحنا الخيار الأمثل”.

من المتوقع أن يؤيد حزب الشعوب الديمقراطي ترشيح إمام أوغلو أو كيليتشدار أوغلو، ويحجب ثقته عن أي مرشّح آخر ذاهباً إلى مرشّحه الخاص بالتوافق مع مكوّنات “التحالف من أجل الديمقراطية”[14]. والتحالف من أجل الديمقراطية هو التيار الثالث في تركيا إلى جانب تحالفي السلطة والمعارضة، وتأسس بقيادة حزب الشعوب الديمقراطي. يضم التحالف ستة أحزاب سياسية إلى جانبه هي “حزب العمال” و”حزب الحركة العمالية” و”اتحاد الجمعيات الاشتراكية” و”مراكز المجتمع” و”حزب العمال التركي” و”حزب الحرية الاجتماعية”، وجميعها أحزاب وحركات يسارية.

ودميرتاش هو الرئيس المشارك السابق لثالث أكبر حزب في البرلمان ويقبع في السجن منذ 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أي منذ ما يقارب ست سنوات، بلائحة اتّهامات ضده مكوّنة من آلاف الصفحات، وعشرات ملفّات القضايا، و5130 تهمة، منها 38 حكمها السجن المؤبّد، وعشرات آلاف السنوات من السجن، شأنه شأن المتّهمين الآخرين في قضية كوباني.

مؤخراً دعا دميرتاش المعارضة السداسية إلى التفكير والعمل على كسر القواعد التقليدية من أجل إنجاز التحول الديمقراطي الدائم والسلام الاجتماعي. وفي رسالة إلى الصحافيين والفنانين وقادة الرأي، وفي مقالاته لموقع “T24” وصحيفة “دوفار”، وفي مقابلة أجراها في منتصف تموز (يوليو) الماضي مع مراد سابونجو، استمر دميرتاش في رسم ملامح رؤيته للانتخابات الرئاسية القادمة.

وفي مقالة في “دوفار” بتاريخ 27 تموز (يوليو) 2022 قدم دميرتاش اقتراحاً يغير مسار الحوارات بشأن مرشّح المعارضة التوافقي حينما قال إنه “قبل سؤال من هو المرشح المشترك، من الضروري طرح سؤال ماذا يعني المرشح المشترك؟”، شارحاً أن “المرشح المشترك ليس شخصاً، بل تفاهم، إنه المتحدث باسم العقل الجمعي، والعاكس للوعي الموحد. هو صورة ظلية لـ 85 مليون شخص”.

يرى دميرتاش، ومن خلفه فئة كبيرة من أعضاء ومناصري حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات المصيرية لعام 2023 وحاجة المعارضة لأصوات الحزب الصلبة، فرصة لإبرام عقد سياسي اجتماعي طويل الأمد يضمن الحد الأدنى من الأسس الديمقراطية والحريات التي شهدت تراجعاً كبيراً خلال العقد الأخير من حكم “العدالة والتنمية” بشكل خاص. لذا، يرى دميرتاش أن “الهدف المشترك للمرشح ليس نسبة الـ 50+1 الكفيلة بالفوز، بل 80+1 في المئة، لأن الهدف ليس فقط الفوز في الانتخابات، وإنما إدارة العملية الانتقالية بأقوى شرعية اجتماعية، بمشاركة جميع ديناميكيات المجتمع”.

يُعتبر سيناريو إغلاق ثالث أكبر الأحزاب السياسية في البرلمان التركي من أكثر السيناريوهات رعباً بالنسبة إلى الحياة الديمقراطية في البلاد، وهو احتمال يزداد بقوة بالتزامن مع صعود اليمين التركي الذي يحاول تمكين قاعدته الشعبية على أساس خطاب الكراهية ضد الأقليات الموجودة في تركيا، والوافدة إليها في نفس الوقت.

بالنظر إلى تجربة “الشعوب الديمقراطي” الطويلة مع حالات الاعتقال والاغلاق، لن يكون مفاجئاً وجود خطط بديلة لدى قادته. كما أن عدم الإعلان عنها في وقت مبكّر لن يكون مستغرباً، لكنه يفتح باب التكهّنات بشأن ماهيتها. المطّلع على قانون الانتخابات المعدّل، والمفصّل على قياس السلطة التركية الحالية، يدرك العقبات التي حاول مشرّعو السلطة خلقها أمام أي مشاركة لـ”الشعوب الديمقراطي” في الحياة السياسية بعد إغلاق الحزب. لكن التحالف الكبير الذي يقوده الحزب الفتي مع شركائه اليساريين يمهّد الطريق أمام الوصول إلى البرلمان تحت مسمّى أياً من هذه الأحزاب. أما السيناريو الأكثر بروزاً، سيكون إنشاء شراكة مع حزب “الديمقراطية والتقدّم” الذي يرأسه الوزير السابق في حكومة العدالة والتنمية علي باباجان.

شهدت العلاقات بين الحزبين مؤخراً تطوراً ملحوظاً، حيث وجد “الشعوب الديقمراطي” رسائل باباجان وحزبه مجدية ومختلفة عن الخطاب التقليدي للأحزاب التركية التقليدية بخصوص الموضوعات الرئيسية مثل الحريات وحقوق الإنسان والعدالة وحرية التعليم باللغة الأم وغيرها.

 

خلاصة

تدخل تركيا انتخابات العام المقبل في ظل أسوأ فترة تشهدها البلاد لجهة تراجع سلطة القانون وتقويض عمل المؤسسات الديمقراطية والتضييق على الحريات، وفي ظل ظروف اقتصادية سيئة للغاية، أدت إلى استحواذ الهمّ المعيشي والحياة اليومية الحصة الأكبر من التوجّهات السياسية والوعود الانتخابية، ودفعت بالحريات والديمقراطية إلى مستويات متأخرة من قبل أغلب الأحزاب السياسية.

وعلى الرغم من شعور الناخب التركي بعجز الحكومة في إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية، إلا أن هذا الحكم المسبق غدا سارياً أيضاً على معظم الأحزاب السياسية الأخرى في حالة أشبه بانعدام الثقة بالمؤسسة السياسية التركية، بغض النظر عن الحزب السياسي أو السلطة والمعارضة.

وفي حال فوز المعارضة بالرئاسة، سيتعين على الرئيس الجديد أن يتعامل مع فترة صعبة بعد الانتخابات وتحت ضغط المعارضة الجديدة التي تمتلك سنوات طويلة من الخبرة في إدارة البلاد ومؤثرة في الجهاز البيروقراطي.

يخشى الناخب التركي من أن ينتهج المرشح الرئاسي للمعارضة السداسية سياسة غير فاعلة أو يتبنّى سياسة “اللاسياسة” في محاولة لتحقيق الحد الأدنى من المصالح المشتركة للأحزاب، في ظل صعوبة إقامة توازن بين الفاعلين الستة، الذين أوصلوه إلى الحكم. هذه الشكوك تشكّل ورقة رابحة بالنسبة إلى أردوغان الذي يمكن أن يثير مثل هذه المواضيع علناً في التجمعات الانتخابية مع اقتراب موعد الاستحقاق الدستوري.

يعتبر حزب “الشعوب الديمقراطي” الحزب المفتاحي في الانتخابات القادمة. ويبدي إصراره على عدم حصر المناقشات السياسية مع أحزاب المعارضة بالمرشح الرئاسي وعدد المقاعد البرلمانية ونوع الدعم المتبادل، ليتجاوز ذلك إلى ملفات وتفاصيل تتعلق بمستقبل البلاد ورؤية السلطة الجديدة للسياسات الداخلية والخارجية ومواضيع مثل الحقوق الفردية والسياسية والحرّيات وآلية العمل الديمقراطي، وصولاً إلى علاقات أنقرة الاقليمية والدولية. ويزيد ذلك  صعوبة إمكانية الوصول إلى تفاهمات مشتركة ويعزز سيناريو خوض الحزب الانتخابات الرئاسية بمرشح مستقل يمثل “المعارضة السباعية” المشكّلة من الأحزاب والجهات اليسارية الكردية لينافس كلاً من أردوغان ومرشّح “المعارضة السداسية”.

وعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي يتمتّع بها يافاش، إلا أن الخشية من فقدان أصوات الكرد واليسار بشكل عام، ومخاوف خروج ثاني أكبر البلديات في البلاد من يد المعارضة يمكن أن تحول دون ترشيحه من قبل المعارضة كرئيس توافقي.

تشير معظم استطلاعات الرأي إلى تقدّم المعارضة التركية على السلطة في الانتخابات الرئاسية بحكم تحالفاتها القائمة على أرضية مواجهة السلطة بشكل رئيسي، بالتزامن مع محاولتها جذب المزاج الشعبي المستاء من السياسات الاقتصادية للسلطة بشكل خاص، ما يعني أن أي خطوات من قبل السلطة الحالية في مسار تحسين الواقع الاقتصادي أو توسيع التحالفات السياسية قد يؤدي إلى تغيّر الصورة الحالية لاستطلاعات الرأي، وهو ما يلغي ضمانة فوز المعارضة في الانتخابات المقبلة.

 

مصادر: 

[1] شركة استطلاعات رأي واستشارات مقرّبة من الحكومة التركية لصاحبها “محمد علي كولات”

[2] موقع “Habere Buradan Bak” الاخباري التركي مقال بعنوان “تم الاعلان عن آخر استطلاع رأي ما هي نسبة أصوات كمال كيليتشدار أوغلو” تاريخ 3-8-2022

[3] موقع “T24” الاخباري خبر بعنوان “استطلاع ماك: 13 نقطة بين السلطة والمعارضة” 4-8-2022

[4] شركة استطلاعات رأي عريقة عرفت سابقاً بقربها من العدالة والتنمية إلى أن نشب خلاف بينهما بسبب استطلاع للرأي نشرته الشركة عام 2012 أظهر تراجع أصوات العدالة والتنمية.

[5] صحيفة “جمهورييت” خبر بعنوان “ميتروبول أعلنت نتائج احصائها الأخير” بتاريخ 4-8-2022

[6] صحيفة “بير غون” خبر بعنوان “ميتروبول شاركت نتائج احصائها الأخير” تاريخ 4-8-2022

[7] موقع “ميدياسكوب” خبر بعنوان “استطلاع رويست: الشعب الجمهوري رفع معدل أصواته في جنوب شرق تركيا بنحو 4 أصعاف” تاريخ 30/7/2022

[8] موقع “كرونوس” الاخباري خبر بعنوان “آخر استطلاع انتخابي: المعارضة زادت الفارق ووصلت نسبتها إلى 43%” تاريخ 29/7/2022

[9] أحد أكثر شركات استطلاع الرأي في تركيا دقة خلال السنوات الماضية

[10] موقع “سون داكيكة” الإخباري خبر بعنوان “المعارضة تتفوق على السلطة في استطلاعات الرأي الأخيرة بنسبة 4.8 في المائة” تاريخ 3-8-2022

[11] بي بي سي التركية مقال بعنوان “إذا فرضوا علينا الاختيار بين أردوغان ومرشّح مشابه يمكن أن نذهب إلى ترشيح منافس يمثّلنا” تاريخ 3-6-2022

[12] موقع صحيفة “يني عصر” خبر بعنوان “بالفيديو: استراتيجية العدالة والتنمية الثلاثية للانتخابات” تاريخ 29-7-2022

[13] موقع قناة “ان تي في” التركية خبر بعنوان “الحركة القومية سينزل إلى الميدان من أجل الانتخابات في أيلول القادم” تاريخ 3-8-2022

[14] موقع ميدياسكوب مقال بعنوان “هل الأحزاب مستعدة للانتخابات؟” تاريخ 18-6-2022