أزمة تايوان.. هل انتهت صلاحية رؤية كيسنجر الصينية؟

حسين جمو

حين قررت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي زيارة تايوان ضمن جولتها الآسيوية، كان بدهياً توقع أن تتسبب الزيارة بأزمة خطيرة قد تصل حد الصدام العسكري المباشر. والأرجح أن هذا السيناريو ارتسم في أذهان العديد من صناع السياسة في واشنطن. وبما أن الزيارة مضت على الرغم من المخاطر المتوقعة، لا يبدو مستبعداً، والحال كذلك، أن التشويش على استراتيجية الصين، التي تتسم بالهدوء والبطء والثبات، على رأس الأهداف العميقة للولايات المتحدة. قبيل زيارة بيلوسي بساعات، حددت بكين أهدافاً عالية في حال تمت الزيارة، والأرجح أن التهديد بـ”الرد العسكري” خطأ تكتيكي في الخطاب الصيني أعطى مفعولاً عكسياً لصورة الصين الحازمة. وسجل هذا في رصيد الولايات المتحدة كدولة وجدت فرصة لتأكيد زعامتها المطلقة للنظام العالمي وفي المكان الأوضح الذي تتعرض فيه لتهديد هذه المكانة: على أبواب الصين. على الرغم من أن الرد الصيني كان دون “السقف العالي” الذي أوحت به في البداية، إلا أن إجراءاتها أخذت منحى تصاعدياً لترسم سيناريو أولياً لمحاصرة تايوان وعزلها تجارياً، وهو ما سيكون مدمراً للجزيرة المعروفة بمنتجات الصناعات التكنولوجية. بعد زيارتها، أكدت رئيسة مجلس النواب الأميركي في طوكيو، المحطة الأخيرة في جولتها الآسيوية، أن الولايات المتحدة “لن تسمح” للصين عزل تايوان. وتعتبر الصين الجزيرة، التي تتمتع بحكم ذاتي ويبلغ عدد سكانها 23 مليون نسمة، جزءاً من أراضيها. وردت على الزيارة بتدريبات عسكرية واسعة غير مسبوقة حول الجزيرة، لا سيما إطلاق صواريخ بالستية كان يمكن أن يسقط بعضها في المنطقة. ولم تعلق بيلوسي على المناروات بشكل مباشر لكنها أكدت أن السياسيين الأميركيين يجب أن يتمكنوا من السفر إلى تايوان بحرية. وقالت المسؤولة الأميركية في مؤتمر صحافي في طوكيو إنهم “قد يحاولون عزل تايوان عن الزيارات أو المشاركة في أماكن أخرى، لكنهم لن يعزلوا تايوان عبر منعنا من السفر إلى هناك”. ووصفت بيلوسي تايوان بأنها “واحدة من أكثر الدول حرية في العالم”، مؤكدة أنها “فخورة” بعملها على كشف مصادر القلق المتعلقة بالصين القارية، من الانتهاكات التجارية المفترضة إلى انتشار الأسلحة وتجاوزات حقوق الإنسان.

بايدن يدشن التوتر

في أيار/مايو، أثار الرئيس الأميركي جو بايدن، غضب بكين أيضاً خلال زيارته اليابان، عندما قال إن القوات الأميركية ستدافع عن تايوان عسكرياً إذا حاولت الصين السيطرة عليها بالقوة. لكن بايدن والمسؤولين المرافقين له أصروا في ذلك الوقت على أن نهجهم المتبع منذ عقود تجاه تايبيه لم يتغير. فمنذ 1979، تعترف واشنطن بحكومة صينية واحدة فقط هي حكومة بكين بينما تواصل تقديم الدعم إلى السلطات التايوانية، لا سيما عبر بيعها كميات كبيرة من الأسلحة. لكن الصفقة، التي تمت حينها برعاية وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، كانت ذات بعد سياسي ضمن توازنات الحرب الباردة، حيث قطعت الطريق أمام أي تحسن نوعي للعلاقات غير المستقرة أساساً بين الاتحاد السوفييتي والصين. واُعتبر هذا الانفتاح الأميركي على الصين بداية طريق التعافي الاقتصادي الذي تشهده بكين حالياً ولفكرة تغذية الاشتراكية بالرأسمالية. وتتعلق زيارة بيلوسي بقانون العلاقات مع تايوان الذي صوت عليه الكونغرس في 1979 ويحكم العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان، وكذلك السياسة بين الولايات المتحدة والصين وبكل التشريعات والاتفاقات التي أرست طبيعة العلاقة بينهما. ومنذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، تحسبت الولايات المتحدة من سيناريو غزو الصين لتايوان، وشكلت هذه المخاوف دافعاً كبيراً للولايات المتحدة لإسناد أوكرانيا عسكرياً والتضييق على الروس بكافة الوسائل، لأن من شأن نجاح موسكو أن يشرع الباب أمام بكين أيضاً لتكرار النموذج ذاته من التدخل العسكري في تايوان. وارتأت واشنطن أن الوقت مناسب لتسجيل النقاط على أبواب بكين في ظل التقديرات العسكرية الأميركية، وآخرها ما عبر عنه رئيس هيئة الأركان الأميركية الجنرال مارك ميلي من أنه “ليس هناك أي إشارات أو تحذيرات من أي شيء وشيك حالياً” لغزو تايوان. ويتفق المحللون على نطاق واسع بأنه على الرغم من خطواتها العدائية، إلا أن بكين لا ترغب في الدخول في نزاع عسكري مع الولايات المتحدة وحلفائها بشأن تايوان، على الأقل حالياً. وقال الاستاذ المساعد في قسم العلوم السياسية التابع لجامعة “سان يات-سين الوطنية” في تايوان تيتوس تشين إن “آخر ما يريده (الرئيس الصيني) شي (جينبينغ) هو اندلاع حرب بالخطأ”.

حسابات واشنطن وموسكو

وبما أن الصين ليست في وارد فتح جبهة حرب جديدة، على المدى المنظور، فإن اللافت التشجيع الضمني أو الرغبة الضمنية في كل من واشنطن وموسكو في أن تباشر بكين فتح هذه الجبهة المؤجلة في شرق آسيا. وليس من المستبعد أن الديمقراطيين في واشنطن يسعون إلى تحقيق مكاسب خارجية استعداداً للانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في ظل تراجع شعبية بايدن على خلفية الوضع الاقتصادي والتضخم الكبير. وأعلن البيت الأبيض الخميس (5 آب/أغسطس) أن مجموعة من السفن الحربية الأميركية بقيادة حاملة الطائرات “يو إس إس رونالد ريغان” ستبقى في منطقة تايوان في أعقاب إطلاق الصين صواريخ بالستية في المنطقة. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جون كيربي: “لن نتراجع عن العمل في بحار وسماء غرب المحيط الهادئ بما يتفق مع القانون الدولي، كما فعلنا منذ عقود، في دعم تايوان والدفاع عن منطقة محيطين هندي وهادئ حرة ومفتوحة”. وأصدرت موسكو سلسلة بيانات خلال اليومين الماضيين للتعبير عن تأييدها لكل خطوة تتخذها الصين لحماية وحدتها وسيادتها. ووصف وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف تحالف موسكو مع بكين بأنه دعامة للقانون الدولي، وأن محاولات واشنطن إظهار هيمنتها على أماكن جديدة في العالم ستفشل.

مأزق ياباني

ويلقي التوتر بثقله على علاقات اليابان والصين. واستدعت وزارة الخارجية الصينية السفير الياباني لديها بعدما أثار غضبها انتقاد اليابان لمناورات صينية حول تايوان في إطار بيان لمجموعة الدول الصناعية السبع. كما تقدّمت اليابان باحتجاج دبلوماسي رسمي ضد بكين جرّاء سقوط خمسة من الصواريخ في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة إليها.

وقال الأستاذ في جامعة ميكاي والزميل الكبير في معهد اليابان للشؤون الدولية تيتسو كوتاني إن التدريبات الصينية يمكن أن تمنح الجمهور الياباني رؤية “أكثر واقعية” لقدرة طوكيو الدفاعية مقارنة ببكين التي عززت قوتها العسكرية بشكل ثابت. وصرح لوكالة فرانس برس في تقرير أن “التدريبات العسكرية الأخيرة أظهرت أن ما يحدث في أوكرانيا يمكن أن يحدث في آسيا”.

ممر التجارة.. الأسوأ لم يأتِ بعد

أعلنت بكين أنها أوقفت التعاون مع الولايات المتحدة في عدد من المجالات، بما في ذلك الحوار بين كبار القادة العسكريين ومحادثات المناخ. كما قالت وزارة الخارجية الصينية إنها علقت التعاون مع واشنطن في منع الجريمة عبر الحدود وتهريب المخدرات وإعادة المهاجرين غير الشرعيين، من بين ثمانية إجراءات محددة. وفي بيان صدر بعد وقت قصير من مغادرة بيلوسي اليابان، أعلنت الصين أيضاً إلغاء اجتماع ثنائي مزمع بشأن آلية للأمن العسكري البحري. ومن المتوقع، بمستوى التوتر الحالي، أن يتأثر الاقتصاد العالمي سلباً وتتفاقم الصعوبات بسبب التداعيات المستقبلية، والإجراءات اللاحقة التي قد تتخذها الصين بعد انتهاء المناورات. وتجري المناورات في منطقة تعد من أكثر طرق الشحن نشاطاً في العالم، وتستخدم في توريد أشباه الموصلات والمعدات الإلكترونية المنتَجة في مصانع في شرق آسيا. وقال المحلل البارز المتخصص بالتجارة العالمية لدى “وحدة الاستخبارات” التابعة لمجموعة “ذي إيكونوميست” نك مارو في مذكرة لوكالة فرانس برس إن “إغلاق طرق النقل هذه، وإن كان بشكل مؤقت، ينطوي على عواقب، ليس لتايوان فحسب، بل أيضاً لحركة التجارة المرتبطة باليابان وكوريا الجنوبية”. وبالفعل، أعلنت تايوان أن المناورات ستعطّل 18 طريقاً دولياً يمر عبر منطقة بيانات الرحلات التابعة إليها، بينما أفادت عدة شركات طيران دولية بأنها ستحوّل مسار رحلات جوية. وكشف محللون وأصحاب سفن، في رصدٍ أجرته وكالة رويترز، أنه على الرغم من أن موانئ تايوان تعمل كالمعتاد، فإن بعض سفن الشحن وناقلات النفط تعيد توجيه مسارها حول الجزيرة لتجنب مواجهة مع الجيش الصيني، ما يطيل أمد رحلاتها بنحو نصف يوم. وتلقي هذه التطورات الضوء على التأثير العميق الذي يمكن أن يحدثه نزاع متعلق بتايوان على التجارة العالمية، نظراً لأن مضيق تايوان الذي يبلغ عرضه 180 كيلومتراً، وممر شحن آخر إلى الشرق من الجزيرة، هما ممران رئيسيان للسفن التي تنقل البضائع من شرق آسيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

هل انتهت رؤية كيسنجر؟

من التجارة إلى الانتشار العسكري، هناك أزمة جديدة ما زالت في مهدها في ساحة شرق آسيا. وقد تكون مقدمة لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية وفق المنظور الأميركي. حين قام الرئيس ريتشار نيكسون بزيارة الصين عام 1972، وفق رؤية كيسنجر السياسية، كانت الفكرة هي دعم قوة آسيوية ومنحها إمكانيات التطور والتوسع كجدار إضافي في وجه الاتحاد السوفييتي، من دون ان يتطلب ذلك ارتباطاً عسكرياً بين واشنطن وبكين. استمر النهج الأميركي في تحييد الصين عن روسيا حتى اليوم. لكن ربما تشكل زيارة بيلوسي، في حال لم تكن الزيارة تأتي ضمن حسابات ضيقة الأفق متعلقة بالوضع الداخلي في الولايات المتحدة، علامةً على تحولٍ كبير في أن تسلك واشنطن ما كانت تتفاداه على الدوام، وهو عدم مواجهة الصين وروسيا في وقتٍ واحد. وهو عبء ستكون له تبعات حاسمة على الداخل الأميركي، في ظل زيادة الضغط على الجيش الذي يواجه بالفعل نقصاً في الأفراد. كما أنه سيمثل عبئاً لم يعد يرغب الشعب الأميركي في تحمله. أما كيسنجر نفسه، صاحب رؤية الانفتاح على الصين والتركيز على الاتحاد السوفييتي، لم يعد مقتنعاً بطروحاته السابقة تجاه البلدين الخصمين.