زيارة بايدن إلى المملكة العربية السعودية جوهرها روسيا

بريان بينيت

خلال حملته الانتخابية، تحدّث الرئيس بايدن بحزم عن المملكة العربية السعودية، وأشار إلى ضرورة معاملتها على أنها منبوذة بعد مقتل المعارض السعودي والصحفي في واشنطن بوست جمال خاشقجي. وكان من أوائل أعماله كرئيس رفع السرية عن تقرير مكتب مدير المخابرات الوطنية الذي قال بأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وافق على تصفية خاشقجي.

لكن، السياسة الواقعية طغت على تركيزه في حملته الانتخابية على حقوق الإنسان مع أول زيارة له إلى الشرق الأوسط  كرئيس. توصل البيت الأبيض إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى حليفتها القديمة السعودية إلى جانبها لانجاح جهودها في معاقبة موسكو اقتصادياً على خلفية حربها الوحشية في أوكرانيا، وهي التي تستعد لحقبة جديدة من المواجهة مع روسيا. قال مستشار كبير سابق لسياسة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية هارون ديفيد ميلر: “الغزو الروسي لأوكرانيا أعطى هذه الرحلة تركيزاً أكبر على المنافسة بين القوى العظمى”.

سيتعين على بايدن أن يحد من غروره لكي يكون مقبولاً في الشرق الأوسط. يزور الرئيس السادس والأربعون جدة بعد إسرائيل والضفة الغربية، وسيحضر اجتماعاً لدول الخليج ومن المتوقع أن يعقد اجتماعات ثنائية مع بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية. سيسلط اللقاء الضوء على استعداد بايدن لوضع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في أولوية سجل حقوق الإنسان السيئ للمملكة.

حتى مع بدء تأثير العقوبات على الاقتصاد الروسي، ترى الولايات المتحدة دولاً في جميع أنحاء العالم تتحوط في رهاناتها. على سبيل المثال، تواصل إسرائيل الحفاظ على علاقاتها المفتوحة مع روسيا على أمل إدارة التهديدات الأمنية من سوريا، حيث تمتلك روسيا قاعدة عسكرية، وتميل إلى العلاقات طويلة الأمد بين الإسرائيليين واليهود الروس. من جانبها، ترى المملكة العربية السعودية أن علاقتها مع روسيا الغنية بالنفط وسيلة للمساعدة في التأثير على أسواق الطاقة العالمية، التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي إلى حد كبير.

هناك اهتمامات مشتركة مماثلة تلعب دوراً في جميع أنحاء العالم. يقول ميلر: “من بين الدول العشر الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، انخرطت دولة واحدة فقط في صفقة شاملة ضد روسيا وهي دولتنا”. هذا هو السبب في أن زيارة بايدن هي جزء من جهد أوسع من قبل الولايات المتحدة لدعم ما يسميه اللاجئون داخل الجناح الغربي “القوى الوسطى”، تلك الدول التي يمكن استدراجها إلى الجانب الروسي لأن الصراع في أوكرانيا يعيد تسخين المنافسة بين موسكو وواشنطن. وقال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان للصحفيين قبل مغادرة بايدن في رحلته: “على وجه التحديد لأن العالم أصبح أكثر تنافسية من الناحية الجيوسياسية، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تظل منخرطة بشكل مكثّف في الشرق الأوسط”.

الولايات المتحدة لديها التفوّق في معظم أنحاء الشرق الأوسط. العلاقة السعودية الروسية ليست بعمق العلاقة بين الرياض والولايات المتحدة، والذي تعود إلى عقود بعد أن استولى آل سعود على السلطة في شبه الجزيرة في أوائل القرن العشرين. كانت علاقة موسكو بالرياض متوترة في أعقاب غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979 والجهود السعودية والأمريكية لدعم المجاهدين المقاتلين الذين يقاومون الاحتلال الروسي. لم يتم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والمملكة العربية السعودية حتى عام 1992.

لكن الولايات المتحدة لا يمكن أن تأخذ المملكة العربية السعودية كأمر مسلّم به. اقتربت روسيا والسعودية من بعضهما البعض في عام 2016، عندما أقنع القادة السعوديون روسيا بالانضمام إلى نسخة موسّعة من منظمة البلدان المصدّرة للنفط التي تعرف باسم أوبك بلس. كان الدافع جزئياً لتلك الشراكة المريحة هو الإحباط السعودي من رؤية الولايات المتحدة تطوّر تقنيات التكسير واستخراج الصخر الزيتي التي عززت إنتاج النفط الأمريكي.

اتّفقت مجموعة منتجي النفط التي تقودها السعودية في حزيران (يونيو)على زيادة مبيعات النفط لكن الإنتاج تأخر حتى الآن عن سقف الأهداف المعلنة. ستستغرق أي زيادة في إنتاج النفط من المنطقة شهوراً حتى يكون لها تأثيراً على أسعار الغاز المرتفعة في الولايات المتحدة، وهي مسؤولية سياسية كبيرة أمام بايدن لخوض انتخابات التجديد النصفي.

بمرور الوقت، يبدو أن السعوديين أصبحوا يعتبرون الولايات المتحدة “شريكاً أقل ثقة”، ما خلق فرصة لروسيا، كما يقول يوجين رومر، مدير برنامج روسيا وأوراسيا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي وضابط سابق في المخابرات الوطنية لروسيا وأوراسيا في مجلس المخابرات القومي الأمريكي، إن “روسيا والمملكة العربية السعودية تشتركان في نفور مشترك من أن تطرح الولايات المتحدة حقوق الإنسان كقضية سياسية رئيسية”. يضيف رومر إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “سعيد بتعبئة بعضاً من الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة. ليس لدى بوتين الكثير ليقدّمه للسعوديين على المدى الطويل. لكنه يشعر بأنه يمارس اللعب على المسرح الكبير مرة أخرى”.

لأكثر من عقدين، عملت الولايات المتحدة على دمج روسيا في الاقتصاد العالمي على أساس فكرة أن مصالح روسيا ستبدأ في التوافق أكثر مع المصالح الاقتصادية الأمريكية والأوروبية. لكن بوتين أظهر بغزواته المتكررة لأوكرانيا أنه غير راغب في التراجع عن طموحاته. وأصبحت علاقات روسيا بالاقتصاد العالمي الآن أحد أصولها الاستراتيجية، حيث تواجه الولايات المتحدة وأوروبا صعوبة عزل الاقتصاد الروسي البالغ 1.7 تريليون دولار دون الإضرار بالاقتصادات الأوروبية والأمريكية.

تنظر كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة إلى إيران على أنها تهديد، وهو مصدر قلق قد يجادل أيضاً ضد وضع حقوق الإنسان على رأس قائمة أولويات واشنطن مع الرياض. يعتبر برادلي بومان، وهو ضابط سابق في الجيش وخبير في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أنه من غير المنطق ألا يزور بايدن المملكة العربية السعودية.

وتراقب الولايات المتحدة أيضاً طموحات الصين العالمية المتزايدة. يقول بومان: “نحن نعلم أن روسيا لم تغادر الشرق الأوسط أبداً، ونعلم أن الصين نشطة هناك، على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي”. تم إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارجية في جيبوتي بالقرب من قاعدة عسكرية أمريكية هناك.

أوضح بومان أنه إذا كانت الولايات المتحدة ستزاحم في “منافسة القوى العظمى” في الشرق الأوسط، فعليها أن تميل إلى علاقتها مع البلدان هناك، قائلاً “هذا لا يعني أننا بحاجة بالضرورة إلى مئات ومئات الآلاف من القوات هناك. ولكن إذا لم تحافظ الولايات المتحدة على بعض علاقاتها العسكرية هناك، فإن الصينيين والروس سيكونون من بين أولئك الذين يلوّحون لنا بسعادة عندما نغادر الشرق الأوسط”.

ويشرح بومان بأن الرئيس بايدن يوّد رؤية انتاج المزيد من الطاقة في أوبك بشكل عام والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص لمحاولة خفض أسعار الغاز، “ولكن إذا كنت تنتقد الرياض باستمرار وتتحدث باستمرار عن الرغبة في مغادرة الشرق الأوسط والتركيز على محور آخر، فإن طلبك بضخ لمزيد من النفط قد لا يتم تلبيته بالنحو الذي تريده”.

بعد مغادرة بايدن، سيزور بوتين المنطقة الأسبوع المقبل. ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي في طهران بقادة إيران وتركيا، في وقت تشعر فيه إدارة بايدن بالقلق من بيع إيران لطائرات بدون طيار لروسيا لاستخدامها في ساحة المعركة في أوكرانيا.

المصدر:التايم