تصعيد تركي تجاه اليونان للمقايضة مع الغرب

رؤوف بكر

 في 9 حزيران/ يونيو، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ما اعتبره تزايداً للتواجد العسكري الأميركي في اليونان، وقال إنه غير مرتبط بالنزاع الغربي مع روسيا فحسب. وفي سياق تصريحاته، ذكر أن لدى الولايات المتحدة تسع قواعد لدى جارته العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

ليست هذه المرة الأولى التي يتناول فيها أردوغان المسألة. فخلال مؤتمر صحافي عقده في نوفمبر الماضي مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، حليف الكرملين، وصف اليونان بأنها “قاعدة عسكرية أميركية”، واعتبر أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن “لا تتصرف بصدق”. وفي أبريل الماضي، استأنفت الطائرات الحربية التركية طلعاتها في المناطق المتنازع عليها مع اليونان في بحر إيجة. وبعدها بشهر، صعّد أردوغان نبرة انتقاداته بعدما ألغى اجتماع المجلس الإستراتيجي المشترك مع أثينا ورفض لقاء رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، متهماً إياه بمحاولة عرقلة صفقة بيع طائرات “إف-16” الأميركية إلى أنقرة.

بمقارنة تصريحات أردوغان في نوفمبر بتلك التي أطلقها قبل أيام، يلاحَظ أن الرئيس التركي أنقص عدد القواعد العسكرية الأميركية بواحدة، إذ إنه قال في نوفمبر إن عددها عشر. و زاد مستشاره للشؤون الخارجية مسعود حقي كاشين، عدد “القواعد الأميركية” إلى 20 في تصريحات أدلى بها في ديسمبر الماضي. وفي واقع الأمر، ليس لدى الولايات المتحدة عشر أو تسع قواعد في اليونان، بل يتمركز جيشها بشكلٍ أساسي في أربع قواعد. ولا يمكن حتى إطلاق صفة “أميركية” عليها، إذ أنها كثيراً ما تكون في خدمة “ناتو” وجنود دوله، بالإضافة إلى الجيش اليوناني بطبيعة الحال. وهذه القواعد هي:

قاعدة كريت البحرية: تستخدم الولايات المتحدة هذه القاعدة منذ العام 1969 وهي الوحيدة التي قد تسمى “أميركية” نظرياً، إذ أن التواجد الأميركي فيها دائم. وتقع 17 كيلومتراً شرق مدينة خانية في جزيرة كريت، أكبر جزر اليونان. لا يزيد عدد الجنود الأميركيين فيها عن 320. وميزتها الأساسية أنها الرصيف الوحيد في جنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط القادر على استقبال حاملات الطائرات العملاقة. والمنشأة نفسها مدمجة بقاعدة للقوات الجوية اليونانية. وسيتم توسيعها في إطار اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين اليونان و الولايات المتحدة التي أبرمت في 1990، وكانت تجدد سنوياً، فيما تم تحديث بنودها وتجديدها لخمسة أعوام في أكتوبر الماضي.

– قاعدة لاريسا الجوية: تعد ميناءً جوياً معتمداً لعدد من وحدات القوات الجوية الأميركية في أوروبا بعد إغلاق الجزء المدني من المطار في 1997. تقع قرب بحر إيجة في مدينة لاريسا، وسط اليونان، والتي توصف بأنها نقطة وصل بين العاصمة أثينا وتسالونيكي، ثاني أكبر المدن اليونانية. في 2018، استخدمها الجيش الأميركي قاعدة مؤقتة لطائرات “إم كيو-9 ريبر” من دون طيار بسبب أعمال صيانة في “قاعدة 201” في النيجر، لتكون بذلك المرة الأولى التي تشغّل فيها واشنطن “درونز” من الأراضي اليونانية. ومؤخراً، عادت “إم كيو-9 ريبر” إلى القاعدة، وهو الأمر الذي يثير حفيظة الأتراك، إذ أن “إم كيو-9 ريبر” تنافس طائرتهم من غير طيار المسماة “بيرقدار”. ولا ترغب أنقرة بالتأكيد في أن تصبح اليونان مضيفاً دائماً لهذا النوع من الأسلحة. ويجري اليونانيون مفاوضات لشراء ثلاث طائرات “إم كيو-9 ريبر” لأغراض المراقبة في شرق البحر المتوسط الذي يعتبر ساحة مواجهة قديمة مع تركيا، مع الأخذ بعين الاعتبار التوترات الحالية جرّاء الخلاف على حقوق استخراج الغاز في المنطقة. وسينفق الجيش الأميركي أكثر من 33 مليون دولار لتطوير القاعدة وتوسيعها بحسب تحديثات اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك. و تشير تقديرات في أوساط عسكرية يونانية إلى أن الولايات المتحدة تريد تهيئة البنية التحتية في “لاريسا” لتكون بديلاً محتملاً عن قاعدة إنجرليك في تركيا، العضو في “ناتو”، إنْ تدهورت العلاقات بين واشنطن وأنقرة في المستقبل، بالنظر إلى البرود النسبي الذي يعتري علاقات البلدين حالياً.

قاعدة ستيفانوفيكيو الجوية: مقر “لواء الطيران في الجيش الأول” اليوناني وتبعد عن قاعدة لاريسا نحو 40 كيلومتراً. تتواجد فيها قوات أميركية تابعة لـ”لواء الفرسان الجوي الأول” و”لواء الطيران القتالي الأول” و”عملية عزم الأطلسي”. ينفذ الجيشان اليوناني والأميركي عمليات تدريب واستطلاع دورية بالطائرات المروحية انطلاقاً من القاعدة. وستطالها أعمال التوسعة تطبيقاً لاتفاقية التعاون الدفاعي المشترك الموقعة قبل شهور، وإن كان استخدام الجيش الأميركي لها بدأ مع تجديد الاتفاقية في 2019 إبان ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

قاعدة ألكساندروبوليس البحرية (ثكنة يانولي): تبعد عن نهر إيفروس الذي يفصل الحدود التركية-اليونانية قرابة 15 كيلومتراً وتنتشر فيها دبابات وعربات مصفّحة وطائرات مروحية أميركية. وألكساندروبوليس هي عاصمة منطقة إفروس التي تنتشر فيها معسكرات عديدة للجيش اليوناني. وبحسب الاتفاقية، سيستخدم الجيش الأميركي ثكنة يانولي وسيتم توسعتها مع ميناء ألكساندروبوليس كذلك. تنظر واشنطن إليها باهتمام بالغ، إذ ترى فيها طريقاً بديلاً لنقل قواتها إلى البلقان وشرق أوروبا في حال سدت منافذ البحر الأسود في وجهها. كما توفر للولايات المتحدة حضوراً قوياً في شرق المتوسط الذي يشهد توترات على خلفية ملكية حقول الغاز بينما يسعى الغرب إلى تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.

وبذلك، يظهر أن أردوغان خلط عبر التصريحات غير الدقيقة التي أطلقها بخصوص “القواعد التسع” بين أن تكون القاعدة أميركية، أو مدارة أميركياً على الأقل، وبين أن يُسمح للجنود الأميركيين بالانتشار أو الاستفادة من القواعد والنقاط والثكنات العسكرية اليونانية، وهذا بالضبط ما نصّت عليه الاتفافية المحدثّة بين اليونان والولايات المتحدة. فبموجب بنودها، بإمكان الجنود الأميركيين استخدام ثكنة غورغولاس في مدينة فولوس الساحلية (220 كيلومتراً جنوب تسالونيكي) وميدان الرماية في ليتوتشورو (58 كيلومتراً عن لاريسا) بالتناوب. كما تستخدم واشنطن مؤقتاً قاعدة إيسكيري للإنذار المبكر، منشأة سلاميس البحرية، وقواعد كاستيلي وكالاماتا وأندرافيدا الجوية، مع حق الانتشار في مناطق أخرى إن دعت الحاجة وبموافقة اليونانيين. وتتواجد القوات الأميركية أيضاً في قاعدتي سيدس وهيلينيكون الجويتين قرب تسالونيكي وأثينا. وهذا يعني أن لا وجود لعشر أو تسع قواعد أميركية في اليونان، بل مجرد اتفاقية عسكرية تسمح لقوات دولة حليفة بالوصول إلى المنشآت العسكرية الخاضعة لسلطة الجيش اليوناني.

ويبدو أن الرئيس التركي يسعى، من خلال إثارة ضجة فيما يخص التواجد العسكري الأميركي في اليونان، إلى فتح باب المقايضات على طريقة تجّار بازار اسطنبول التي تولى منصب عمدتها بين 1994 و1998. ويرى أردوغان أن استراتيجية الابتزاز السياسي تؤتي أكلها بالشكل المطلوب. فمنذ صفقة اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي في 2016 وإطلاق يده في شمال سوريا والسماح له باستثمار نزاع ناغورني كاراباخ، فضلاً عن هرولة السويد لإرضائه لكي يرفع الفيتو عن انضمامها إلى “ناتو”، لا تنفك القوى الكبرى تقدّم الهدايا السياسية إلى الرئيس التركي. ولعل من بين أهداف التهويل التركي الأخير الحصول على تنازلات بشأن غير ملف، كاستخراج الغاز في شرق المتوسط أو منح أنقرة الضوء الأخضر لإقامة ما تسميه “المنطقة الآمنة” في سوريا وشن عملية عسكرية فيها لقضم المزيد من الأراضي، خاصةً في ظل الحرب في أوكرانيا “وحاجة” الغرب لموقف تركي أكثر قرباً لمقاربته للنزاع.