في العنف وسيكولوجيا المــــعـــتدي

بدر الحمري

بداية العنف سلوك لا عقلاني، لأنه – وكما ينبِّهنا مونتسكيو-  فعل العنف يتصلّ بالاستخدام غير المشروع للقوة، أو على الأقل غير القانوني لها، يقول في هذا السياق: « بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش تحت نير قوانين مدنية، فنحن مجبرون على وضع تعاقد، إذ بواسطة القانون يمكننا أن نكون ضد العنف ». وهكذا فإن العنف رديف القوة الحادة التي يستعملها المعتدي ضد المعتدى عليه، ليكون العنف عمل لمصلحة صاحبه لا لمصلحة الجميع. لكن نصير هنا أمام مفارقة أيضاً تفرض علينا مقاربة العنف من زاوية المُعْتَدَى عليه، هل يردّ هذا الاعتداء أم لا، ماذا لو دخلا كل منهما في الحوار الحجاجيِّ المؤطّر بالآداب العقلانية الأخلاقية في الأمور الخلافية، ألن تكون هناك حلول أفضل من التقتيل والتصليب والاعدامات والاغتيالات وما يترتب عن ذلك من إخفاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية وتشتيت لمشروع السلام العالمي خاصة في عالمنا المعاصر اليوم؟

التعريفات التي حُدِّدت الإنسانَ في كونه ‘كائن عاقل’ أو ‘كائن ناطق’ أو ‘كائن سياسي’ أو ‘كائن اجتماعي’ .. لم تمنع من أن يكون هناك تحديد آخر للإنسان إلى جانبها وهو أنّ الإنسان ‘كائنٌ متوحشٌ’ ؛ فقد بينت التجارب الانسانية الحديثة والمعاصرة خاصّة في السنوات الأخيرة وجاهة هذا التحديد، وهي السنوات نفسها « التي انتعشت فيها داروينية القرن التاسع عشر الاجتماعية القديمة التي كانت ترى في « الصراع في سبيل البقاء » و« البقاء للأصلح » دعماً علمياً ضخماً لفكرة المجتمع الاكتسابي أو المفترس ». والتاريخ نفسه شاهد على أنّ: الأقوياء يقتلون الضعفاء .. وبالتالي تصير إشكالات الرحمة، والعفو، والتوقير بوصفه بديلا مفهومياً للتسامح، كما طرح د. عَاصم حِفني ذات لقاء، ومفاهيم أخرى فاقدة لمعانيها الفلسفية الأخلاقية؛ فالارتقاء الطبيعي حاكم على البشرية، و « إنّ أية معرفة أعمق بالتركيب الوراثي للتغير الارتقائي تعتبر الارتقاء لا مجرد « صراع » بل الغربلة التدريجية لخزائن الجينات الوراثية إلى أنّ يكون كامل السكان أفضل تكيفاً مع شروط هذا الارتقاء »! وحتى بعد أن توقفت – أو قـُــلّلَ- من تأثير الداروينية الاجتماعية بعد أن ظهرت المسؤولية الاجتماعية فإن قضية الانسان المتوحش تعاود الانبثاق من وقت لآخر ترى في الانسان الافتراس والعدوانية، وبقي الاشكال مَن الأكثر توحشاً: الإنسان البدائي أم الإنسان الحديث؟

همّ البقاء على قيد الحياة

نحن أبناء – هذا – العصر النووي المهدِّد لكل قيم التسامح والتعايش والسلام، والعصر الرقمي- المستلب لكل قيم الجمال والخير والحرية، والعصر الصناعي المفجر لكل أشكال الأوكسيجين النقي والراحة البيولوجية لا نعدو أن نكون سوى كائنات حية – فقط – تنتمي إلى جنس الهومو Humo إلى جانب الكائنات الأخرى الجميلة التي تشاركنا همّ البقاء على قيد الحياة، ورُغم أنّ هذه الكائنات قد استسلم كثير من فصيلتها لبشاعة تقدم الإنسان الحديث، فإن الإنسان المعاصر يراوغ جرائمهُ ضدَّها ويتنصَّل من مسؤوليته عنها، بل إنه ليراوغُ من مسؤولية قتلَ أخيه الإنسان بدم باردْ أو ساخن .. لا يهم، المهم أنّ الجريمة كاملة الأركان. إنه عالم بلا خرائط، وإنسانية بلا عنوان فعلا.

يأتينا هم البقاء لاشعورياً من غرائزنا التي ترغمنا على التفكير في هذا ‘الهم’، أي من داخلنا، ولا شك أنّ سيغموند فرويد عدَّ العدوان علامة الإنسانية في داخلها، إذ يقول: « إنّ الناس ليسوا مخلوقات ودودة وديعة .. إنّ درجة هائلة من الرغبة في العدوان يجب أن يحسب حسابها كجزء من موهبتهم الغريزية ». هل يمكنُ التغلب على ذلك بواسطة التربية أو الدين أو الاصلاح الاجتماعي أم الأمر متصل بتغيير بيولوجيا الإنسان وأسلوب حياته العاطفي الذي يميل إلى الهيمنة؟

استهلاك سيكولوجي للأنانية..

اهتدى الإنسان إلى أن يكون مُعبراً بوصفه شكلا ثقافياً متقدماً، فصار يعرّفُ بكونه ‘الكائن اللُغوي’؛ عبر عن مخاوفه أحياناً، وعن انفعالاته وحاجاته وصراعاته أحايين أخرى. وفي كل تلك التعبيرات الموجهة، والتي أصبحت فيما بعدُ خطابات، كشفت عن هواجسه النفسية وخوفه كما عبّرت النقوش المكتشفة مؤخراً في اليمن مثلا ( التي تعود إلى القرنين 6 و7 الميلادي) وعندما تبين للإنسان أنّ العنف ليس حلا مجدياً للحفاظ على حياته، أنشأ القوانين والدساتير والمواثيق الدولية وغيرها .. وأبدع جهازاً مادياً يسمى الدولة تتلخص فيه السلطة القائمة على العدالة والحرية وسائر القيم السياسية الاجتماعية، لكن الدولة هي الأخرى تصادمت مع العنف الخارجي اللامشروع، أو عنف آخر نابع منها تحاول أن تضفي عليه قِيمة الشرعية، ومع تراكم التجارب الطويلة في العلوم الانسانية والفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها، فضلا عن تجارب الحروب الطويلة بين الشعوب والقبائل هل استطاع الإنسان أن يهتديَ إلى تخليص نفسه من ميولاته التدميرية وعدوانيته المتكررة على الآخر وذاته في الآن نفسه؟ وهل نستطيع أن نقضي على العنف والعنف المضاد فعلا؟ هل غريزتنا الحقيقية هي العنف كمال قال فريدريك نيتشه؟ لماذا يزدادُ الاعتداء بشاعة في زمننا المعاصر؟ هل سبب ذلك التقنيات المتطورة في التعنيف والقتل والتدمير أم أنّ الأمر متصل بطبيعة المجتمعات وأفرادها القائمة على استهلاك سيكولوجي للأنانية والجشع والتوحش والتسلط على الآخر المختلف؟

من أجل خِطاب مُتعاف

كما أنّ المجتمع يمكنُ أن يمارس استراتيجياتِه في تعنيف أفراده وسلب كل أمل في عيشهم الآمن، سواء من خلال القوالب الثقافية الجاهزة التي تؤطر الفرد وتحدّ من إبداعه أو من خلال ثقافة المعاصرة والجديد وما يتطلبه الوقت، بل قد يتعرَّض الفردُ في سبيل الدفاع عن حريته إلى كل طرق النبذ والاحتقار والطرد والاقصاء .. وهي كلها صور من العنف الرمزي الذي يُطهى على نار هادئة ! ومع تحالف السياسة اللاأخلاقي مع السلطة المالية – خاصة منها الشركات العابرة للقارات – ألا يصبحُ إنتاجُ العنف مثل إنتاج الحليب للأطفال .. والكبار معاً؟

يقول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز Gille Deleuze  (1925-1997): « خلف الآراء المغلوطة والتعارضات المغلوطة، نلفي منظومات أكثر آنفجاراً، ومجموعات يطبعها التعارض والخلل ( مثل الأوثان الاقتصادية والتحليلية ) » ماذا نفهم من هذا الاقتباس؟

إنّ الخطابات المغالطة التي تسكنها الآراء التضليلية ليست بريئة؛ إنها نظام متفجّر من الفخاخ يعكس بنيات خِطابية قائمة على الزيف والخداع، في هذه الحالة تكون الخطابات الاقتصادية الساقطة في الأزمات والواعدة بحلول سحرية مثلا مدعاة للسخرية، وإلاّ فإنها وثنٌ وجب تحطيمُه، أو عقدة أوديبية وجب مراوغتها أو مناورتها من أجل بناء خطاب سليم سيكولوجياً بعيد كل البعد عن المناورة النفسية التي تسكن في بنياته العميقة مثل العُصاب أو الانحراف أو الذهان، والتي تستعمل بصيغ ‘نفي’ مختلفة تتجلى في الكبت أو النكران أو التعويق.

الخطاب هو مرآتنا أمام أنفسنا العميقة، أمام اللاشعور، أو بصيغة أخرى لاكانية – نسبة إلى الطبيب والفيلسوف جاك لاكان- إنّ « اللاشعور هو خطاب الآخر »؛ فما دامت اللغة هي حيّز مركبات منحلة داخل النفس فإن العلاج لا يتم إلاّ من خلال التكلم. المفارقة هنا أنّ التكلم هي عملية بين- ذاتية، بين الـــمُحَلِّل والــــمُحَلَّــلْ؛ فكل تعبير ( لغوي ) نولدُ منه، « قبل ولوجنا اللغة، نكون حيوانات غريزية ذات حاجات بيولوجية، ومتى ما انخرطنا في اللغة، بتوسط رعاتنا الأوليين، نصبح محرومين ومعتقلين بين حاجاتنا البيولوجية والمتطلبات الثقافية التي يفرضها علينا رعاتنا الأوّلون من خلال اللغة والقانون. متى ما استدخلنا هذا النظام الغريب والمعقد المسمى لغة، نبدأ بالإفصاح عن رغباتنا من خلالها » ( روبرت بشارة ). والغريب أن ما  نريدهُ دائماً ما يأتينا من الخارج، ويكون لا واعياً أيضاً، « لأننا استدخلنا نظاماً ليس فقط للتواصل بل أيضاً للأخلاق، وهذه هي طريقة عمل الكبت »!

المُعتدي من وجهة نظر تحليلُـــنَفسِية

من البدهي أن يرى الطبيب والمحلل النفسي سيغموند فرويد أنّ الميول نحو الاعتداء ليس من التعبيرات الهادئة للإنسان، فكلنا نشجب ذلك، لكن ما هي التفسيرات التحليلنفسية التي تقدمها لهذا السلوك الشاذ؟

إنّ الاعتداء عند سيغموند فرويد هو استعداد غريزي للمعتدي ناتج عن كون رؤيته للغير القريب ليس في صورة ‘مساعدة’ أو موضوع ما ‘ممكن’، بل هو ‘ إغواء’ يتجلى في جعله موضوع إشباع لاعتدائه حصراً، واستغلال من دون أي تعويض لعمله، أو استحواذ على ما يملكه، وإهانته، والتسبب له في الآلام، وتعذيبه بشدة، بل وقتله .. يستشهدُ سيغموند فرويد في هذا السياق بمقوله توماس هوبز الرائجة في الأدبيات السياسية أو الفلسفات السياسية وهي: الإنسان ذئب لأخيه الإنسان  homo homini lupus فبعد كل التجارب التاريخية المريرة والتعيسة وآخرها الحرب الكونية الثانية، هل هناك حكيم يمكنُ أن ينفي رغبة المتسلط في إراقة الدماء وتعطشه إلى مزيد من الأشلاء؟

المسألة الهامة هنا عند سيغموند فرويد أن ‘المعتدي’ لا تتوفر لديك أدوات حِكمية يقيس بها اعتداءه، بل يمكنُ أن يبدع أدوات ضدها ( أكثر هدوءاً ) تمكنه من بلوغ هدفه؛ ففي « تغييب القوى المضادة التي عادة ما تعمل على كبحه، يتجلى هذا الاعتداء بشكل تلقائي، كاشفاً داخل الإنسان عن الحيوان المتوحش، والذي تبدو فكرة صيانة نوعه البشري، فكرة غريبة عنه ».

ما دام هذا الاعتداء موجوداً بوصفه ميلا غريزياً يحتلُ مكانته الخاصة في ( الإنسان/ المعتدي ) فإنّنا ماضون إلى استهلاك الكراهية بطرق مختلفة وبمستويات جنونية اتجاه بعضنا البعض، الشيء الذي ينجم عنه تهديد مستمر بتفكيك الحضارة وفشل مشروع السلام الدائم وطحن للضعفاء والمستضعفين.

العنف وإشكالات الحلول ‘الناجحة’: الحوار نموذجاً

كيف يمكن لأطراف مختلفة حول مصالح محددة أن تتجنب العنف؟

ترى الفيلسوفة الألمانية حنا آرندت  Hannah arendt (1906-1975) أن مسالك المحاججات بين الأطراف المختلفة حول مصالح معينة لا يمكنُ أن تتميز أبداً بنزعتها العقلانية. ومن المؤسف – تقول أرندت – أن «  الآمال التي عقدت على وجود المتنورين .. يعرفون مصالحهم بالمعنى الحرفي للتعبير .. إن التجربة مضافة إلى شيء من أعمال الفكر، تعلمنا، على العكس من هذا، أن تنوُّرَ المرء يقف على الدوام ضد طبيعته كصاحب مصلحة » لكن كيف يمكنُ أن نرفض العنف في هذه الحالة أو حتى أن نعطيه معنى كونياً يؤسس للسلام والتعايش والتسامح؟

إنّ ما نجده عند حنا آرندت في تصورها لمفهوم العنف لا يختلف كثيراً عن ما نراه اليوم من فوضى في استعمال الأدوات العنيفة، سواء منها الرمزية أو المادية، لذلك يبدو « من غير الواقعي ومن غير العقلاني أن تتوقع من الناس، الذين لا يملكون أدنى تصور لما هو الشأن العام respublics  أن يتصرفوا بشكل غير عنيف، أو أن يتحاججوا بصورة عقلانية بالنسبة إلى ما يخص مصالحهم ». وفي النهاية يعود ذلك السؤال الملح بوصفه باحثا عن الحلول الناجحة: الحوار أم العنف؟

يطرح الفيلسوف الألماني الفرنسي إريك فايل (1904-1972) في سياق تفكيك إشكال الحوار والعنف السؤال الآتي: ما الذي يجب توفره ليوجد حوار؟ ويرى أنّ سياق المتحاورين يفرض اختيار من منهما على صواب أو على خطأ، لكن التناقض في الخطاب يعدُّ الخطأ الوحيد ضد الخصم، رغم عدم إفحامه بعد. ويضيف إريك فايل إلى السؤال السابق السؤال الآتي: لماذا يقبلُ الإنسان وضعاً يمكنُ أن يفحم فيه؟ أما جوابه فقد صاغه على الشكل الآتي: « إنه يقبل ذلك الوضع لأن الحل الآخر الوحيد هو العنف، إذا استثنينا، كما فعلنا ذلك، الصمت والامتناع عن التواصل مع جميع الناس: فحين لا نتبنى نفس الرأي، يجب التوصل إلى اتفاق أو اللجوء إلى الصراع ». يبني إريك فايل هذا التصور في كتابه ‘منطق الفلسفة’ الذي عدَّ فيه العنف هو الآخر بالنسبة إلى الحقيقة وليس الخطأ؛ أي أن رفض الحقيقة وغياب التماسك الداخلي للخطاب المفكك يمكن لهما أن يساهما في العنف، فتبقى بذلك عملية التفلسف مقاومة لللامنطق أو اللاتماسك والتناقض الحاصل في الخطابات وغياب المعنى، بل أكثر من ذلك إنّ العنف بما هو مشكلة فلسفية فإن حله يسير في تطابق تام مع اللغة، لأنه ليس مشكلا عند سائر الكائنات، بل هو كذلك عند الإنسان فقط، لأنه كائن يتكلم، يجد في المناقشة والحوار شيء من المعنى.