الصفقة السرية بين الولايات المتحدة وروسيا لتخفيف الضغط عن الأسد

ستيفاني فيلون و كولام لينتش و روبي غريمر

أبرمت الولايات المتحدة اتفاقاً مع روسيا ينص على تخفيف الضغط السياسي على سوريا في الأمم المتحدة . وفي حال مُصادقة مجلس الأمن المكون من 15 دولة على هذا الاتفاق، فإن المجلس سيعقد اجتماعات أقل بشأن ملف ” الأسلحة الكيماوية” السورية، وبدلاً من ذلك، سيقوم المجلس بتكثيف جلسات منفصلة حول ملفي “الإغاثة الإنسانية” و”الانتقال السياسي” الذي فقد زخمه خلال السنوات الماضية.

يعكس المقترح، الذي لا يزال قيد التفاوض من قبل المجلس، حالة الإعياء المتناميّة داخل المجلس نتيجة لسلسلة الإجتماعات المستمرة التي يُناقش فيها الدبلوماسيون ذات الموضوع الذي يؤدي بدوره إلى تفاقم الخلافات بين القوى العظمى في مقابل تحقيق القليل من الإنجازات الملموسة.

ولكنها (الاتفاقية) أيضا تُمثل سلسلة تنازلات إضافية تقدمها الولايات المتحدة وغيرها من القوى الغربية لروسيا، التي تتولى رئاسة المجلس هذا الشهر. نشأت هذه التنازلات من أهداف السياسة الخارجية الأميركية الرئيسية: تجنب الصدام مع موسكو وضمان بقاء شريان الحياة الإنساني لنقل الإمدادات من تركيا إلى شمال غرب سوريا التي تسعى روسيا لإغلاقه.

جعل هذا المشروع من بعض الدبلوماسيين يتنفسون الصعداء بمجلس الأمن ممن ذاقوا ذرعاً من المهاترات الكلامية المتكررة بين القوى الكبرى بشأن مصير سوريا، في مقابل عدم جديتهم بإيجاد حل للصراع الذي دام عقدا من الزمن. وحسب أحد الدبلوماسيين في المجلس، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لأن الأمر يتعلق بمفاوضات دبلوماسية سرية: ” لقد كنت عضواً في المجلس منذ عام، وأصبح بإمكاني صياغة بيان كل دولة. لقد كنا نكرر ذات الموضوع 3 مرات بالشهر. يتوجب استغلال ذلك الوقت في مجلس الأمن والخروج بنتائج إيجابية وفعّالة”.

من جهة أخرى، أثارت هذه الإتفاقية موجة انتقادات بين بعض المختصين في القضية السورية الذين قالوا إن اجتماعات المجلس الروتينية تواصل الضغط على النظام السوري الذي يستمر تحدي الأعراف الدولية. وأضافوا إن قرار تقليص هذه الإجتماعات يشير إلى أن الجهود التي دامت عشر سنوات من قبل الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء مجلس الأمن للمساعدة في استقرار سوريا بدأت بالتراجع والانتكاس.  بناء على ذلك، تبدي تلك الأطراف استعدادها للتعايش مع الانتهاكات المستمرة التي يرتكبها النظام السوري بالنسبة لالتزامات وتفويضات مجلس الأمن الدولي.

وفي هذا السياق، قالت جمانة قدور وهي خبيرة بشؤون الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي وشاركت بتأسيس منظمة سوريا للإغاثة والتنمية :” لا ريب في أن هذا هو بالضبط ما تسعى إليه روسيا وإيران والأسد. حيث تريد هذه الأطراف منا استبعاد أية ضغوطات على الأدلة التي يتم تقديمها علناً حول ما يفعله النظام السوري بالمدنيين، لتجنيب إحراج موقفهم”.

في 31 كانون الثاني (يناير)، تقدمت الولايات المتحدة وروسيا بمقترح إلى أعضاء المجلس الآخرين المؤلف من 15 دولة، وهو ذات اليوم الذي تبادل فيه مبعوثا البلدين، ليندا توماس جرينفيلد وفاسيلي نيبينزيا، اتهامات لاذعة بشأن أوكرانيا. وقد قُوبلت تلك الخطة بالمعارضة بداية الأمر من قبل بعض الدول الأعضاء التي أعلنت بأنها بحاجة لوقت مطول لمناقشة تفاصيلها، بيد أنه من المتوقع أن يتم المصادقة على هذه الخطة من قبل جميع أعضاء المجلس في نهاية المطاف، مع إمكانية إضافة تعديلات طفيفة عليها.

في حديث ديمتري بوليانسكي إلى مجلة فورن بوليسي، والذي يعتبر ثاني أرفع دبلوماسي روسي لدى الأمم المتحدة، قال بأن الناس “يبالغون” في بعض الأحيان بالحديث عن أثر تلك المشادات الكلامية العلنيّة على قدرة الولايات المتحدة وروسيا في العمل معاً بشكل ناجح.

وأضاف “نتفهم كدبلوماسيين أن لكلّ منا تعليمات خاصة، والأميركيون يعانون من ضغوطات داخلية كبيرة إزاء ما يروجّون له. ولذلك فإننا لا نُشخصن الموضوع”.

غير أن هذا الاتفاق الأميركي-الروسي من شأنه تقليص الجدل في المجلس حول الأسلحة الكيماوية الموجودة لدى سوريا إلى حد كبير، والاستعاضة باجتماعات ربع سنوية بدلاً من الاجتماعات الشهرية، بالرغم من أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التابعة للأمم المتحدة ماتزال تخوض حرباً مع المسؤولين السوريين للحصول على موافقة للدخول إلى مواقع السلاح الكيماوي في سوريا.

وهذا ما دفع جورج كوبلينتز وهو مدير برنامج الدفاع البيولوجي للدراسات العليا في جامعة جورج ماسون للقول ” ليس الوقت مناسباً الآن للحد من الجهود المبذولة لمحاسبة سوريا على استخدامها للأسلحة الكيماوية في السابق وعلى استمرارها في رفض السماح للمفتّشين الدوليين بالتحقق من تدمير ترسانتها الكيماوية المتبقية”.

كما ذكر كوبلينتز الخبير ببرنامج السلاح الكيماوي السوري بأن عرقلة سوريا للمفتّشين الدوليين من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية قد زاد خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك حرمانهم من الحصول على تأشيرات وتدمير الأدلة السابقة التي تثبت وقوع هجمات كيماوية. ووفقاً للمخابرات الأمريكية، فإن سوريا استخدمت الأسلحة الكيماوية بشكل متكرر ضد شعبها، وكان آخرها في أيار (مايو) 2019، عندما أطلقت صاروخاً محمّلاً بمادة الكلور على محافظة اللاذقية.

وفي إشارة منه إلى معاهدة حظر الأسلحة الدولية التي تهدف للحد من استخدام الأسلحة الكيماوية، قال كوبلينتز “باعتبار هيئة الأمم المتحدة مسؤولة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين، من الواجب على مجلس الأمن معالجة انتهاكات سوريا لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية والعمل على تنفيذ تلك المعاهدة “.

في غضون ذلك، سعت روسيا إلى تقويض شرعية منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، حيث استضافت العديد من الاجتماعات غير الرسمية حول مقاربات مجلس الأمن، المعروفة باسم اجتماعات صيغة آريا، حيث دأبت إلى دعوة شخصيات تنتقد أو تقدم نتائج عكسية غير التي توصلت إليها منظمة حظر الأسلحة الكيماوية (و يشير اسم تلك الاجتماعات نسبة للدبلوماسي الفنزويلي دييغو آريا الذي سعى في مطلع التسعينيات للحصول على معلومات من أشخاص عاديين موجودين على الأرض فيما يتعلق بالنزاعات دون الحصول على موافقة جميع أعضاء المجلس).

كما ستقلل الاتفاقية الأمريكية الروسية عدد الإجتماعات التي يجري من خلالها مناقشة الانتقال السياسي في سوريا من اجتماع واحد شهرياً إلى اجتماع كل شهرين.  و سيتم حصر هذا الإجتماع في جلسة تتناول الأزمة الإنسانية.

ووفقاً لبعض المراقبين، فإن هذه الخطوة تُشير إلى تراجع اهتمام مجلس الأمن بالسعي إلى اتفاق لتقاسم السلطة في سوريا، والتي تبدو إستحالة تحولها إلى أمر واقع. منذ عام 2012، قام الأمناء العامون ممن تعاقبوا على رئاسة الأمم المتحدة بتعيين أشهر المسؤولين المعروفين بحنكتهم في حل المشاكل من ضمنهم الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان ووزير الخارجية الجزائري السابق الأخضر الإبراهيمي، لتشكيل حكومة ائتلافية وإنهاء الحرب الأهلية الدموية في البلاد. بيد أنهم لم يوفّقوا في مساعيهم .

وأمام هذا الواقع، أصبحت الخيارات محدودة أمام غير بيدرسون سفير النرويج السابق، الذي يشغل منصب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا منذ تشرين الأول (اكتوبر) 2018. خاصة  بعد أن أحكم بشار الأسد قبضته على السلطة بشكل تدريجي بمساعدة روسيا وإيران، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الأمل للتوصل إلى إتفاق من أجل تقاسم السلطة.

عندما واجه الاقتراح المبدئي لتقليل عدد اجتماعات مجلس الأمن بالرفض من قبل بعض الدول الأعضاء في المجلس، وافقت الولايات المتحدة وروسيا على فتح باب النقاش. ووفقاً لأحد الدبلوماسيين في مجلس الأمن، فإن التحفظات بشأن الاتفاق لا تتعلق بالمخاوف بشأن تقليص الاجتماعات في سوريا بقدر ما تتعلق بالطريقة التي تم تقديم الاقتراح باعتبارها صفقة محسومة، مما يحرم أعضاء مجلس الأمن الآخرين من إبداء رأيهم حول تحديد نوعية الإجتماعات التي ستستمر بالانعقاد.

على سبيل المثال، رأت كل من فرنسا وبريطانيا بأنه يتعين على المجلس أن يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية عقد بعض الاجتماعات، التي عادة ما تكون علنية وإن كانت خلف الكواليس، وذلك لأن المداولات الخاصة تسمح للمجلس بالمشاركة في مناقشات صريحة.

ورد متحدث باسم البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة على ذلك بالقول “إن فكرة جعل سوريا في سلم أولوياتنا هي فكرة سخيفة”. وأضاف المتحدث، الذي فضل عدم الإفصاح عن هويته، بالنظر إلى الطبيعة السرية للمفاوضات الدبلوماسية الجارية “لقد بذلنا جهوداً لإبقاء سوريا في سلم أجندات المجلس على الرغم من معارضة روسيا و آخرين لذلك. نسعى من أجل الحفاظ على تركيز المجتمع الدولي على الصراع”.

لا يعتبر هذا المقترح بين الولايات المتحدة وروسيا أول تنازل تقدمه الولايات المتحدة فيما يخص سوريا، فقد تم إبرام اتفاقية في تموز (يوليو) الماضي تقضي باستخدام لغة ضمن قرار مجلس الأمن تدعو إلى دعم المشاريع الحيوية الخاصة بالبنية التحتية والتي تشمل الماء والصرف الصحي والصحة والتعليم . وقد سبق ذلك اعتراض واشنطن على ما يعرف باسم مشاريع التعافي المبكر إلى أن تلتزم دمشق بانتقال سياسي تدعمه الأمم المتحدة.

قال المتحدث باسم الولايات المتحدة، إن بلاده تدعم منذ فترة طويلة برامج الإنعاش المبكر في سوريا، وأن التحركات الأخيرة تهدف إلى تحسين الوضع الإنساني في البلاد.

وفي سياق متصل، قال أندرو تابلر، الذي عمل في سوريا خلال إدارة ترامب، إن الولايات المتحدة عارضت سابقاً برامج الإنعاش المبكر في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة لأنها اعتبرتها مقدمة لإعادة إعمار سوريا . حيث كتب تابلر “كانت الإدارة السابقة مترددة بشأن الإنعاش المبكر في المناطق التي يسيطر عليها الأسد لأنها ستمهّد الطريق نحو إعادة الإعمار قبل الحصول على أية تنازلات من الأسد أثناء المفاوضات. وعلى الرغم من إنه عمل إنساني بطبيعته، إلا إنه كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه تنازل، ومن الواضح أن الروس سعداء به”.

ومع ذلك، فإن التنازلات الأميركية أقل بكثير عن الأهداف التي وضعتها روسيا والتي تتمثل بإعادة سوريا إلى حضن المجتمع الدولي، وإقناع الجهات المانحة الغربية بضخ مليارات الدولارات على سوريا لمساعدتها في إعادة الإعمار.

كما واجهت روسيا أيضا نكسات في مساعيها لحماية سوريا من المساءلة الدولية. ففي كانون الأول (ديسمبر) 2021، باءت جهودها بالفشل ضمن لجنة ميزانية الأمم المتحدة والتي كانت تهدف إلى قطع التمويل عن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة حول سوريا، والتي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لمساعدة الدول لإجراء تحقيق في الجرائم الجسيمة التي حدثت في سوريا ومقاضاة المسؤولين عنها.

وحسب كريستيان ويناويسار، سفير ليختنشتاين لدى الأمم المتحدة، فإن هناك “توجّه للتطبيع”، لا سيما في المنطقة وداخل جامعة الدول العربية، وأن روسيا تحاول جاهدة ترجمة ذلك إلى موقف يستند إلى تقبّل سوريا داخل الأمم المتحدة بشكل أكبر.

عارضت روسيا بشدة إقامة الآلية الدولية المحايدة والمستقلة حول سوريا في عام 2016، ومنذ ذلك الحين سعت إلى منعها من الحصول على أكثر من 20 مليون دولار من التمويل سنوياً،  زاعمة أن الجمعية العامة تفتقر إلى الأساس القانوني في إنشاء مثل هذه المؤسسة، وفقاً لما قاله ويناويسر، الذي كان له دور فعّال في خلق هذه الآلية. حيث ذكر بأنه “دائماً ما كان الروس يعبّرون عن معارضتهم لهذه الآلية، بيد إنهم فشلوا في ذلك”.

وذكرت الخبيرة بشؤون الشرق الأوسط قدور بأن الأمم المتحدة تلعب دوراً محورياً في توثيق جرائم النظام السوري بحق المدنيين ولديها سجل تاريخي حافل حول ذلك، و قد يكون ذلك أمرا حاسماً بالنسبة للقضايا التي ترفع ضد مسؤولين سابقين لدى النظام السوري لمحاسبتهم على ما ارتكبوه من جرائم، ومثال عن ذلك المحكمة الألمانية التي أدانت ضابط مخابرات سوري سابق بجرائم ضد الإنسانية الشهر الماضي وحكمت عليه بالسجن المؤبد.

وقالت قدور “إن الاجتماعات والتقارير والمناقشات التي تجري في أروقة الأمم المتحدة تعتبر مهمة لمحاسبة أركان النظام السوري في المستقبل، وذلك وفقا لطبيعة جلسات الاستماع والمحاكمات التي تجري في أوروبا “.

وأوضح خبراء آخرون بأن مداولات مجلس الأمن تعكس حقيقة أن الولايات المتحدة، إلى جانب الكثير من دول العالم، تتحرك نحو أزمات أخرى. وفي المنطقة، بدأت سوريا في إعادة العلاقات الدبلوماسية التجارية مع القوى الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك البحرين والأردن والإمارات العربية المتحدة.

وفي هذا السياق، قالت ديما موسى وهي عضو في اللجنة الدستورية السورية “يبدو أن سوريا لم تعد ضمن أولويات واشنطن، في ظل تركيز الولايات المتحدة بشكل أكبر الآن على المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني والقضية الأوكرانية. لقد مر أكثر من عام منذ تولي إدارة بايدن السلطة، ولا تزال السياسة المتعلقة بسوريا قيد المراجعة، ولا يوجد مسؤول رفيع المستوى حتى الآن في الملف السوري، أي أنه لا يوجد مبعوث أمريكي لسوريا “.

وأضافت موسى لمجلة فورين بوليسي إن ” توجّه مجلس الأمن نحو تقليص عدد الاجتماعات بشأن سوريا هو انعكاس للواقع، أي المأزق الذي وصل إليه الملف على المستوى الدولي، وهو ما يساهم في التوقّف التام للعملية السياسية السورية . لكن تقليص عدد الاجتماعات ليس بالأمر الجيد، فهو يعني بقاء سوريا قضية ثانوية، وبالتالي إطالة أمد الأزمة ومعاناة السوريين”.

يقول آخرون إن الولايات المتحدة تركز اهتمامها ببساطة على المناطق التي يمكن أن تحدث تغييرات فيها.

من ناحية أخرى، تقول منى يعقوبيان وهي مستشارة رفيعة المستوى مختصة بالشأن السوري والشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى معهد السلام الأميركي ” إن ذلك يعكس ما يحدث على الأرض”، مشيرة إلى أن ” المحادثات التي جرت بوساطة الأمم المتحدة حول الانتقال السياسي في سوريا لم تسفر عما كان متوقعاً منها، الساسة الأمريكيون يبذلون جهودهم حيث توجد مشكلة حقيقية وفرصة أكبر للنجاح، وهنالك بصيص أمل في احتمال إحراز تقدم على الصعيد الإنساني. دعونا نواجه الأمور كما هي، حيث إنني لا أرَى أن محادثات جنيف قد حققت اي شيء يذكر، ألا تتفقون معي؟ إذاً لماذا نهدر وقتنا على شيء عبثي؟”.

 منذ أن وصل الرئيس جو بايدن إلى سدة الحكم، تغيّرت سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، حيث بدأت تستثمر رأسمالها السياسي في تعزيز العلاقات مع حلفائها في الخليج، كما سعت لإبرام اتفاق مع إيران من أجل العودة للاتفاق النووي التاريخي الذي تم توقيعه في عام 2015.

أثار عدم اهتمام الإدارة الأمريكية بسوريا غضب حلفاء بايدن في مجلس الشيوخ الأمريكي. حيث قام كبار المشرّعين الأمريكيين في وقت سابق من هذا الشهر بتوجيه رسالة إلى بايدن يحثونه فيها على التركيز على الشأن السوري. ووقع على تلك الرسالة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ورئيس لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس النواب عن الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى توقيع نظيريهما من الحزب الجمهوري.

وقد حذرت تلك الرسالة من أن الجهود التي بذلتها الإدارة الأميركية في سوريا حتى الآن، بما في ذلك تأمين تجديد تفويض الأمم المتحدة لإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود “تقتصر فقط على معالجة أعراض الصراع الأساسي، و لذلك سيكون مصيرها الفشل في نهاية المطاف في ظل عدم وجود استراتيجية دبلوماسية أوسع لإيجاد حل للحرب الأهلية التي امتدت لعقد من الزمن”. كما وجّهت تلك الرسالة توبيخاً رسمياً نادراً للسياسة الخارجية التي انتهجتها الإدارة الحالية، وذلك من قبل بعض أهم حلفاء الرئيس من الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ.

قال مسؤولون إن إدارة بايدن ليس لديها خطط لتعيين مبعوث خاص لسوريا، تاركين بريت ماكغورك، الذي تتمثل أولوياته في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية والذي يشرف على سياسة الإدارة لإبعاد الولايات المتحدة عن الحروب الأبدية، المسؤول عن السياسة الأمريكية في سوريا.

وفي هذا السياق، رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية التطرق إلى الخطوة الأمريكية للحد من عدد اجتماعات الأمم المتحدة بشأن سوريا أو عدم تعيين مبعوث لسوريا. وقال المتحدث، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لأنه يتكلم عن مناقشات دبلوماسية حساسة، إن حل الصراع في سوريا ومعالجة الاحتياجات الإنسانية للسكان سيبقيان في سلم أولويات الولايات المتحدة، كما أن الولايات المتحدة لم تقم برفع أية عقوبات عن الحكومة السورية وهي تضغط من أجل محاسبة النظام السوري.

وأضاف المتحدث ” نحن ندعم الجهود الدولية التي تهدف إلى محاسبة الأسد، بما في ذلك الاعتراف بالدور المهم للجنة التحقيق  والآلية الدولية المحايدة  والمستقلة”.

وأشاد بايدن يوم الخميس بمقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في غارة نفذتها قوات العمليات الخاصة الأمريكية، قائلاً إنها ” أنقذت العالم من تهديد إرهابي كبير”. أسفرت الغارة أيضاً عن مقتل العديد من المدنيين، على الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين قالوا إن المطلوب بالعملية، أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، هو الذي تسبب بمقتل المدنيين بعد أن فجر نفسه عبر حزام ناسف عند اقتراب القوات الأمريكية منه.

تعثّرت جهود الولايات المتحدة لرسم المستقبل السياسي لسوريا إلى حد كبير، مما دفع إدارة بايدن لتكريس طاقتها لتخفيف العبء الإنساني عن البلاد . جعلت الإدارة استعادة شحنات المساعدات عبر الحدود أولوية قصوى في السياسة الخارجية وحافظت على وجود حوالي 900 جندي أمريكي في شمال و شرق سوريا لمساعدة القوات الكردية في عمليات مكافحة الإرهاب.

أنشأت الأمم المتحدة معابر حدودية مع الأراضي السورية التي تسيطر عليها قوات المعارضة وذلك مع تركيا والأردن والعراق في تموز (يوليو) 2014، مما وفر شريان حياة لملايين السوريين المحرومين من ممرات المساعدات التي تسيطر عليها الحكومة في دمشق، وتقويض ممارسة الحكومة السورية المتمثلة في تجويع السكان المناوئين لها.

وقد شجبت الحكومة السورية هذه الممارسة باعتبارها انتهاكاً للسيادة السورية، وأصرت على أن الحكومة يجب أن تدير إيصال المساعدات إلى السكان في جميع أنحاء سوريا. كما زعمت دمشق أن قنوات المساعدة قد ساعدت الجماعات الإرهابية التي وجدت ملاذاً في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك تنظيمي القاعدة وداعش.

تبنت روسيا قضية سوريا في مجلس الأمن، وضغطت لسنوات لإغلاق المعابر الحدودية، بحجة أن سوريا لديها القدرة على إيصال المساعدات عبر خطوط القتال في البلاد، وهو ادّعاء شكّك فيه مجلس الأمن الدولي.

نجحت روسيا بالفعل في إنهاء تفويض الأمم المتحدة باستخدام المعابر الحدودية في الأردن والعراق، والتي كانت حيوية في إيصال الإمدادات الطبية إلى شمال وشرق سوريا، فيما تركت معبراً واحداً مع تركيا وهو معبر باب الهوى لتقديم المساعدات الغذائية الأساسية لأكثر من 3 ملايين شخص.

في أواخر آذار (مارس) 2021، استغل وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين أول ظهور له أمام مجلس الأمن لحشد الدعم لمواصلة برنامج الإغاثة عبر الحدود وحث على إعادة فتح اثنين على الأقل من المعابر المغلقة إلى سوريا من تركيا والعراق.

بعد أول اجتماع قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حزيران (يونيو) 2021، أوضح بايدن أن استعداد روسيا للإبقاء على ممر المساعدات مفتوحاً سيشكل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على العمل بشكل بناء مع روسيا بشأن سوريا.

زار السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، توماس جرينفيلد، مقاطعة هاتاي الحدودية التركية في حزيران (يونيو) الماضي للتأكيد على أهمية ضمان الولايات المتحدة استمرار إيصال المساعدات لملايين المدنيين السوريين الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. بيد أن تلك المحادثات تسلط الضوء على العملية المتعبة في كثير من الأحيان للتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا.

في الصيف الماضي، سعت الولايات المتحدة إلى ضمان إعادة فتح معبر تل كوجر ( اليعربية) مع العراق، مستشهدة بتحذيرات الأمم المتحدة من أن المساعدة لا تصل إلى المدنيين في الوقت الذي ارتفعت حالات الإصابة بفيروس كوفيد 19. في غضون ذلك، كانت روسيا تسعى إلى إغلاق المعبر الأخير المتبقي ألا وهو معبر باب الهوى مع تركيا.

في نهاية المطاف، اتفق الطرفان على عقد تسوية، بإصدار القرار رقم 2585، الذي أبقى المعبر مع تركيا مفتوحاً لمدة عام على أقل تقدير.

لكن الطبيعة السرية للمحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا أزعجت الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن، الذين شعروا بأنهم مستبعدون من المناقشات.

يقول روبرت تشاب وهو محلل سياسي يعمل لدى مجلس الأمن ” إن الصفقات التي جرت في الكواليس بين الولايات المتحدة وروسيا للتوصل إلى القرار رقم 2585 قد أزعجت بعض كبار الدبلوماسيين، كما شعر بقية الأعضاء بأنهم مستبعدون، حيث بنفس اليوم أعلنت كل من فرنسا والصين عن عدم رضاهما عن بعض جوانب ذلك الاتفاق، وحسب اعتقادي، فإن انضمام المملكة المتحدة إليهما كان لرغبتها بأن تكون مشاركة في المحادثات النهائية بين الطرفين بشكل أكبر”.

في النهاية، تمكنت الولايات المتحدة من إبرام اتفاق مع روسيا للسماح باستمرار وصول المساعدات الإنسانية على الأقل إلى شمال غرب سوريا. بيد أن ذلك تحقق في مقابل ثمن دفعته واشنطن.

عارضت الولايات المتحدة في السابق تقديم مثل هذه التنازلات، إلى حين أن تظهر الحكومة السورية استعدادها لتبني انتقال سياسي حقيقي.

ولكن في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، وسّعت وزارة الخزانة الأمريكية التفويض الممنوح للجمعيات الخيرية ومنظمات الإغاثة الدولية للمشاركة في الأنشطة التي كانت تخضع سابقاً لعقوبات الولايات المتحدة، بما في ذلك الأنشطة الإنسانية التي تلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية والمشاريع التربوية والديمقراطية والمحافظة على الثقافة، وبرامج التنمية غير الربحية التي تعود بالنفع المباشر على الشعب السوري. كما ستسمح قوانين العقوبات المفروضة على سوريا بعد تعديلها لبعض الجهات المستثمرة غير الربحية بالعمل في سوريا، فضلاً عن بيع النفط بغرض الاستخدام المحلي.

وعلق على ذلك المتحدث باسم البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة بأن عمل وزارة الخزانة “ليس له علاقة بدعم روسيا” لقرار الأمم المتحدة عبر الحدود، بل تم تنفيذه ” كجزء من جهد شامل لتقليل تأثير العقوبات على المدنيين الأبرياء”. وأضاف المتحدث أن إجراء الخزانة وسّع ببساطة “بعض الأنشطة غير الربحية” التي تدعم الأنشطة الإنسانية والديمقراطية وأنشطة أخرى.

في غضون ذلك، أشادت روسيا بهذه الخطوة. حيث قال الدبلوماسي الروسي بوليانسكي لمجلة فورين بوليسي ” إن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، ونحن نقدّر ذلك. كما إنه لا يغير من قواعد اللعبة، بالطبع، لا يزال الطريق طويلاً لنقطعه فيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة تجاه سوريا. لكنها بالتأكيد خطوة في الاتجاه الصحيح”.

المصدر: فورين بوليسي

ترجمة: المركز الكردي للدراسات