كردستان في الحروب الصليبية..التجارة والاستيطان والاستنزاف

حسين جمو

قام العالم الجغرافي الأندلسي، ابن جبير، بثلاث رحلات استشكافية إلى المشرق، استغرقته سنوات من الترحال، كان أهمها رحلة أخذته إلى بلاد الشام وابتدأها سنة 1183م في ذروة الحروب الصليبية. ولعلّ فرادة الأندلسي تكمن في الأجزاء التي رواها كشاهد عيان، وأسهب فيها. فإعجابه الشديد بصلاح الدين الأيوبي أكثر تماسكاً من حيث أنه أندلسي ولا يخفي تبعيته و ولاءه لدولة الموحدين الأمازيغية (جنوب الأندلس والمغرب)، غير أنه لم يمر على منجز رآه في بلاد السلطان صلاح الدين إلا وأثنى عليه وخصه بالمديح، وإذا رأى ما لا يسر يكتب ما كتبه عن مشاهداته في صعيد مصر من نهب للمسافرين: “وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه. ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه”. وحتى حين يصرح بجرأة غير معهودة أنه ” لا إسلام إلا ببلاد المغرب..وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع.. كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه الا عند الموحدين، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين” (رحلة ابن جبير – طبعة دار الهلال).

في هذه الأجواء المتداخلة بين الحماس للسلطان و التأفف من الرعيّة و التشنيع على الأمراء غير المنقادين لصلاح الدين، سجّل ابن جبير واحدة من أكثر ما أثار دهشته خلال رحلاته مشهد برع في وصفه، فقد كان خارجاً مع قافلة تجارية من دمشق إلى عكا التي كانت في أيدي الصليبيين، حيث “اختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع. واختلاف المسلمين من دمشق الى عكا كذلك. وتجار النصارى أأيضاً لا يمنع أحد منهم ولا يعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم ، وهي من الامنة على غاية. وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم ، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم ، والناس في عافية ، والدنيا لمن غلب. هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك. ولا تعترض الرعايا ولا التجار، فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلماً أو حرباً. وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه ، والله يعلي كلمة الإسلام بمنه”.

مشهد التجارة الطبيعية بين المسلمين والصليبيين، وفق قواعد وآداب يحترمها الطرفان، تداخل مع مشهد آخر، فبينما القافلة تخرج من دمشق كان قد عاد جيش صلاح الدين منتصراً من معركة حصن الكرك، فدخل دمشق آلاف السبايا ضمن غنائم الحرب، فكانت قافلة التجارة تخرج من دمشق إلى بلاد النصارى، بينما يدخل دمشق آلاف السبايا، فكتب ابن جبير: “ومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الإفرنج وسبيهم يدخل إلى بلاد المسلمين”. والعكس صحيح أيضاً، فشوارع عكا تعج بالسبايا المسلمات أيضاً.

إذا كان هذا حال التجارة والتداول بين الفريقين، وأن الأعمال والمصالح لم تنقطع وبقيت القوافل تسير ذهاباً وإياباً، لماذا لم تزدهر المدن وأحوال الناس، ولم فشلت المصالح التجارية في تهدئة الحروب؟ والأهم، لماذا تحول المسار العالمي الرئيسي للتجارة بين الشرق الآسيوي والغرب الأوروبي إلى جهة البحر الأسود طالما أن الحروب لم تقطع الطرق على القوافل؟

صعود البندقية

إنّ الإجابة ستبقى تحت غلبة الشك على اليقين، و مجتزأة و منفرة، إذا لم تأخذ في الاعتبار دراسة دور الدول التجارية الإيطالية، تحديداً جنوة والبندقية، وإسهاماتها، في كل من الحروب الصليبية أولاً، و الخط البياني لعلاقة هذه المدن التجارية ببيزنطة التي كانت تتقلص تحت تأثير تموضع السلاجقة في الأناضول منذ معركة ملازكرد 1071م كنتيجة للتسوية غير المنجزة، رغم أنها بعيدة النظر، التي تبنتها الدولة المروانية الكردية لفتح طريق للقبائل التركية إلى الأناضول بدلاً من كردستان. و رغم التضحية المروانية التي كانت تتمثل في “التضحية بالسيادة مقابل البقاء”، فإن التخلص من مظاهر الاستيطان التركي في كردستان وأرمينيا لم يتم إلا بعد قرن كامل حين خاض صلاح الدين الأيوبي معركة لا هوادة فيها ضد السلاجقة في كافة أرجاء كردستان، وهذه خلاصة مستندة إلى وقائع دونها مؤرخون معاصرون لصلاح الدين، في مقدمتهم ابن الأثير. ولعل من الأهمية إعطاء لمحة عن كردستان عشية الحروب الصليبية قبل الانتقال إلى دور مدن البندقية و جنوة و بيزا في رسم ملامح الشرق حيث رسمت هذه الدول اللبنة الأولى للرأسمالية التجارية الحديثة العابرة للقارات من خلال تطوير فكرة الاستثمار في الأزمات. 

“تلك البلاد قد خلت”

حين بات السلاجقة جيراناً للكرد، مطلع القرن الحادي عشر، كانت الدولة المروانية أقوى إمارة كردية تحكم مناطق كردستان وأجزاء من أرمينيا وأذربيجان. في غضون سنوات قليلة وجد الكرد أنفسهم وقد باتوا جيراناً لشعب جديد (السلاجقة)، بل تعرضوا لأول محاولة غزو من قبل هؤلاء في عام 1042م بعشرة آلاف فارس، وفشلوا في المحاولة الأولى. وعلّق  ابن الأزرق الفارقي، مؤرخ الدولة المروانية، والمعاصر لعدد من أمرائها، على هذه المحاولة بالقول: “وكان هذا أول ظهور الترك بهذه الديار، ولم يكن رأوا صورهم” (ص 161). وحين اقتربت ساعة معركة ملازكرت (ملاذكرد) سنة 1071، كان السلطان السلجوقي قد زار آمد قبل توجهه للمعركة، والتقى أمير الدولة المروانية على اتفاق. لم يذكر ابن الأزرق في “تاريخ الفارقي” بنود الاتفاق، فهو قد خطّ كتابه حين انتهت الدولة المروانية وبات السلاجقة سادة كردستان. غير أن تدوينه لوقائع توزيع الغنائم، وان أهالي “ملازكرت وأخلاط”، وهما بلدتان مسلموها من الكرد ومسيحيوها من الأرمن، “و إن أهل أخلاط وملازكرت أخذوا من أموالهم ما استغنوا به إلى الآن” (ص 190)، وهذا يؤشر إلى أن الجيش كان على قسمين، الكرد والترك، وهي معركة مشتركة خاضها الطرفان كلٌ لأسبابه، لكن ثمارها الكبيرة ذهبت للسلاجقة.

الجار الجديد لم يكتفِ بما أخذه من استقطاعات، على غرار مقاطعتي أخلاط وملازكرت، و نواحٍ في ماردين والجزيرة، فوضع عينه على عاصمة كردستان، ميافارقين، ومركزها الحضري العريق “آمد”. كتب ابن الأزرق في ذلك، وكان شاهداً على الخراب حينها مستذكراً نبوءة منجّم لدى أمير الدولة المروانية نظام الدين: “.. وصلت البلاد إلى الترك، وتغيّر الولاة، واستولى عليها الظلم والخراب، وافتقر أهلها بمقدار ما قاله المنجّم، وإلى الآن لم ترجع إلى عشر ما كانت في أيام نظام الدين” (ص 205). ومما دوّنه ابن الأزرق أن وزير السلاجقة، الفارسي نظام الملك، خاطب السلطان السلجوقي ملكشاه: “تلك البلاد قد خلت، وبها من الأموال ما لا يعد ولا يحد” (ص208). وفي عام 1086، استولى ملكشاه وجنود الترك السلاجقة على ممالك الكرد قاطبة. أرسل السلطان السلجوقي إلى أمير الكرد ناصر الدولة يسأله، تهكماً أو جاداً، عما يطلبه مقابل ما خسره، فأجابه ناصر الدولة: “حربةً تقع في صدري فتخرج من ظهري” (ص 213).

البندقية وجنوة.. انقلاب تجاري

(خريطة توضح المسارات التجارية المتصلة بالدول التجارية الإيطالية في العصر الوسيط، ويميناً لوحة تمثل مساهمة البندقية في الحروب الصليبية)

بدون إغناء التحليل بما وراء الأسباب المعلنة للحروب/، فإن الخلاصة الحتمية هو أن الحرب الدينية الصليبية عطلت ودمرت التجارة العابر للحدود في شرقي المتوسط وعبر المتوسط، كلياً، على أن مثل هذه الفرضية تبقى مترنّحة بدون قراءة عميقة. فالخريطة التجارية شهدت انقلاباً متدرجاً قبل الحملة الصليبية الأولى عام 1095م واستكملت هذا التحول مع الحروب حين باتت السيادة على تجارة البحر المتوسط وموانئها تحت هيمنة الدويلات التجارية الإيطالية، بما يعني ذلك نهاية قرون من السيادة الإسلامية على المتوسط.

في خلفية هذه الحروب الصليبية، وبعد أن استولى فرسان الصليب على موانئ الساحل الشامي، كانت تتحرك جنوة وبيزا والبندقية؛ فالحرب بالنسبة لهؤلاء هي من أجل الموانئ، وهي خلاصة أوردها أيضاً المؤرخ بيتر فرانكوبان في كتابه “طريق الحرير الجديد” حيث خصّ الفصل الثامن كاملاً للحروب الصليبية. و بما أن الموانئ بحاجة إلى حركة تجارية كي تبقى ذات جدوى، فإن هذا على الأرجح ما يفسر المشهد الذي نقله ابن جبير من دخول السبايا عبر بوابة دمشق وخروج القافلة منها في الوقت نفسه. ولم يمر هذا التنافس بين الدول التجارية بدون ضحايا؛ فقد خرجت دويلة “أمالفي” مبكراً من السباق بين الثلاثة الكبار (بيزا وجنوة والبندقية) و تصادمت هذه القوى الثلاث عسكرياً بعض الأحيان في جزر البحر المتوسط، كما في حرب الأساطيل بين بيزا والبندقية في العام 1099م على سواحل جزيرة رودس. على هذا النمط، بقيت التجارة الصانع الأول للسياسات في ذروة الحروب الدينية، وامتد هذا إلى مساعي هذه الدويلات لربط موانئ شرقي المتوسط فيما كانت بيزنطة، وهي الضحية الأخرى لهذه الحروب، تقف متفرجة على ثورة السفن التي تجوب موانئ المتوسط، و تحاول بشتى الوسائل الخروج من أزمتها الاقتصادية عبر الاستفادة من التجار الإيطاليين؛ فكانت بيزنطة حين تكسب البندقية إلى جانبها تخسر بيزا وجنوة، والعكس صحيح. على أن المئة عام الأولى من الحروب الصليبية كانت فترات السلم فيها أعلى كعباً من المعارك، و لم يتغير هذا إلا مع تحرك بيزنطة ضد الهيمنة التجارية للمسيحية الغربية ابتداء من عام 1182 في الحدث الذي عرف بمذبحة اللاتين، فقد هاجم السكان، بدعم من السلطات، المستوطنات التجارية الإيطالية، وقتلوا آلاف الكاثوليك (فرانكوبان و بيداني)، ورداً على ذلك هاجم اللاتين مدينة سالونيك البيزنطية واحتلوها.

في هذه الأجواء استثمر صلاح الدين الأيوبي التوتر، و أقام صلات مع إمبراطور بيزنطة “إسحاق الثاني”. وجلب القائد الكردي معه صفوة مقاتلي القبائل الكردية من جبال كردستان إلى سهول مصر وبلاد الشام، ولضمان بقاء هؤلاء الكرد في صفوف القتال كان تحتّم عليه تأمين موطن هؤلاء المقاتلين بحملات قادها على فترات متقطعة لترتيب الأوضاع في شهرزور وأنحاء الموصل وآمد و أخلاط. فكانت القوة القتالية الكردية كاملة قد انتقلت، للمرة الأولى في التاريخ، إلى خارج كردستان في خطوة قرأها معاصرون كرد، ومنهم عبدالله أوجلان، أنه شكل من ناحية أخرى استنزافاً مزمناً للقوة الحضارية للكرد.  

كانت بيزنطة خلال فترة الانفتاح على صلاح الدين، تحت خطر خسارة موانئها التجارية و على أبواب حصار قاس من الأوروبيين. في أولى رسائله المكتوبة إلى صلاح الدين خاطبه بود كبير :”إلى أخي سلطان مصر، صلاح الدين” (فرانكوبان – ص145).

في حصيلة الحملات الصليبية، جرى تعديل للخطط، فبعد ضربة صلاح الدين في العام 1187م، تحمس تيار أوروبي لفكرة إطلاق حملة لاحتلال مصر نفسها ثم التوغل في مدن الساحل الشامي الآيلة إلى المسلمين. لكن حدثاً مفاجئاً عدّل مسار هذه الحملة التي استغرق تجهيزها عامين بتمويل أساسي من البندقية، وهو اضطراب القسطنطينية حين كان أسطول البندقية يمر بالقرب منها حاملة آلاف الجنود لحملة مصر، فتم احتلال القسطنطينية وبدأت أحلام التجارة تأخذ منحى آخر تحت تأثير هذه الجائزة العظمى التي كانت حلماً لكل مسيحي غربي، وهو الفوز بعاصمة العالم ، القسطنطينية. الآن، كيف يمكن لتجار الحروب الصليبية الوصول إلى النبع الأساسي لثروة العالم، ما وراء القسطنطينية، آسيا، إلى طريق التجارة بين الشرق والغرب؟ لم يحدث ذلك قط. فقد أخفقت الحملة على مصر وأباد الملك العادل الأيوبي الجيش الأوروبي، وبينما كان الصليبيون الأسرى يتناقلون محتوى رسالة أطلقها أمير آسيوي مجهول أنه قادم لإنجاز ما تعثر من الحملة الصليبية، كان جيش جديد (جيش المغول) يتقدم عبر مسار التجارة الدولية وتحت حوافر أحصنتهم بات هذا الطريق الذي كان بالنسبة للصليبيين منذ حملتهم الأولى “الطريق إلى الجنة” هو “الطريق إلى الجحيم” لكل من وجد نفسه فيه، على حد تعبير فرانكوبان.

المدن والأسوار

في زمن الحروب الصليبية، صحيح أن التجارة لم تنقطع والأسواق بقيت نشطة وتدخلها منتجات من كل جديد، فإن الحواضر العمرانية شهدت مرحلة قاسية مما يمكن تسميته بـ”الاصطفاء العسكري”، فقد تعرضت حواضر عديدة للتدمير الكلي. و فيما صمدت المدن والقلاع ذات الأسوار الحصينة والجيوش القوية (دمشق، حلب، عكا، نابلس)، تحطمت المدن الصغيرة نتيجة تبادل السيطرة، مع هندسة سكانية جديدة في كل مرة، وفي بعض الحالات قتل المنتصرون سكان المدينة بالأجمع. كما فعل المسلمون بالمسيحيين في طرابلس بلبنان، سنة 1290 م، وتمت تسوية المدينة بالأرض حسب مؤرخ إسلامي عاصر تلك المرحلة (أبو الفداء الأيوبي). وكان الصليبيون قد فعلوا المثل بالسكان المسلمين والمسيحيين الشرقيين على طول الساحل السوري.

تحت تأثير الغزوات الخارجية المتتالية، من حروب المغول وتدفق القبائل التركية إلى إيران والأناضول والعراق، والحروب الصليبية، وفوق كل هذا الحروب الأهلية الإسلامية بين الطوائف، أعادت الخريطة السكانية تشكيل نفسها، من مظاهر هذه الدينامية الذاتية للديمغرافيا، عودة الحياة إلى مناطق جبلية وصحراوية بعيدة عن حزام المدن والتجارة. اعتصم المنهزمون بالمناطق الجبلية التي أصبحت مزدحمة بالمتوارين على طول الساحل السوري وجبال كردستان وقزوين، “فكان الناس يرغبون في سكنى الجبال العالية الصعبة المسالك، و قدم إلى جبل لبنان في ذلك الحين خلق كثير” (محمد كرد علي – خطط الشام).

على الرغم من أن بلاد شرقي المتوسط غنية بالمنافذ البحرية والملاحة النهرية وطرق القوافل، فقد تحولت إلى بلاد حبيسة شبه مع اتخاذ التجارة الدولية مسارات بديلة، وفي بعض الحالات كانت البلاد تأكل نفسها. ففي الحملة الصليبية الأولى (1096م)، اتبع زعيم السلاجقة في الأناضول، قليج أرسلان، طريقة وحشية للانتقام من جيوش أوروبا التي غزت بلاده وكانت في طريقها إلى سوريا، فجمع بقايا جيشه وأحرق كل ما يمكن أن يصلح للطعام في طريق تقدم الصليبيين إلى سوريا، فلم تبق أي مزروعات أو كروم أو حبوب للسكان على مسافة أيام. ويتفاخر مؤرخون يؤيدون طريقة هذا الأمير السلجوقي بهذا الأسلوب، وكان التأثير المباشر لهذا الإجراء الانتقامي أن ابتليت البلاد بمجاعة بين السكان الذين لم يحركوا ساكناً أمام وحشية الجيوش المتحاربة.

لم تتوقف التجارة كلياً زمن الحروب الصليبية المتأخرة، نهاية القرن الثالث عشر، لكن حدث انزياح في المسار التجاري، فكان تجار جنوة والبندقية يتجاوزون التجارة الإقليمية بأخرى دولية للاستفادة من فارق الأسعار بالحد الأقصى، وكما مرّ آنفاً، نجحت الدويلات الإيطالية لفترات زمنية متقطعة في الحصول على امتياز طريق البحر الأسود من بيزنطة.

في كتابها “البندقية بوابة الشرق” تحلل المؤرخة ماريا بيا بيداني، دور البندقية في مرحلة الصدامات الكبرى بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، فهذه الدولة التجارية شاركت في الحروب الصليبية بشكل متقطع، و وفق حسابات عبرت عنها بيداني بقولها: “لم تتحرك البندقية لمساندة الصليبيين إلا عندما أصبح واضحاً أن فرص الربح تتجاوز التأثير السلبي المحتمل على التجارة الدولية – ص 59” سواء مع الدولة البينزنطية أو الأسواق الإسلامية. وتقاسم تجار البندقية وجنوة السيطرة على عوائد مدن كاملة، مثل القدس ويافا وحيفا وعكا.

في العام 1120، انضمت البندقية كلياً إلى الحملة الصليبية، و حولت سفنها التجارية المتبقية في القسطنطينية إلى الساحل الشامي الصليبي، فحصلت على امتيازات جديدة على قاعدة أنه في كل مدينة يفتحها الصليبيون سيكون للبنادقة حياً خاصاً بهم (مستوطنة تجارية). وأخيراً، في العام 1125م، عاد الأسطول البندقي إلى الوطن محملاً بالغنائم. ولمدة ثلاث سنوات واصلت سفنها هجر ميناء القسطنيطينة مما أضر بالمصالح اليونانية أيضاً. وبعد اختبار القوة هذا قرر الامبراطور البيزنطي إعادة الامتيازات الممنوحة سابقاً للبندقية في سبيل إقناعها بالعودة إلى القسطنطينية. إلا أن قراراً خطيراً اتخذته بينزنطة عام 1170سيتسبب بتطور تجاري كبير في مسارات نقل البضائع.  فقد اعترفت لدولتي بيزا وجنوة بما لم تعترف به أبداً لسفن البندقية، وهو تصريح بالتجارة في البحر الأسود (بيدابي – ص 63)، و قبضت على تجار البندقية و أودعتهم السجون. أمام هذا الخسارة، لم تلجأ البندقية إلى الانتقام، فكان التوقع أن تعود إلى الساحل الشامي للاستفادة من مزايا الصليبيين، أعداء بيزنطة، لكن ما قامت به البندقية أنها نشطت علاقتها مع أسواق المسلمين عبر حركة تبادل السلع في المدن الواقعة تحت السيطرة الصليبية مثل عكا (ص 63). لاحقاً، أخذت العلاقة بين الجانبين منحى حاداً، فقد سيطرت البندقية على عاصمة بيزننطة وشكلت حكومة فيها عرفت باسم “Latin Empire” بدءاً من عام 1204 كما هو موضع في الخريطة أدناه. 

وكانت القسطنطينية على وشك أن تصبح عاصمة البندقية الجديدة لولا تدخل المجلس الأعلى للبندقية الذي خشي أن تصبح “فينيسيا” كما كانت أول عهدها، قرية لصيادي الأسماك.

الاستيطان والعمران

في بعض مراحل التاريخ كان الوصول إلى ما وراء وسط آسيا عن طريق مسار البحر الأسود أكثر أمناً بالنسبة للتجار الأوروبيين، وكان هذا من سوء حظ بعض المحطات التجارية في شرقي المتوسط، فقد أصبحت المنطقة الممتدة عبر أرمينيا وكردستان وشمالي بلاد الشام، مهجورة وغارقة في الفقر، كذلك الحال في الأناضول التي تحولت في مراحل قصيرة، لكن في غاية القسوة، إلى “جيوش بلا مجتمعات” تركت أثرها الكبير في تأخير استيطان الشعوب الوافدة حديثاً، مثل القبائل التركية، في المدن، وبقيت ردحاً من الزمن شعوباً عسكرية بالكامل، ولعل هذا ما ساهم بشكل إيجابي في إبقاء السكان الأصليين في المدن والقرى الزراعية المتلاشية في الأناضول بدون مزاحمة من الوافدين الجدد، وبقيت صفة الترحال ، أو عدم الإقامة في المدن، صفة ملازمة للقبائل التركية حتى وقت متأخر في زمن دولة الأق قوينلو التركمانية في دياربكر (1469 – 1502)، فقد حكمت هذه القبيلة منطقة كردستان بضع عقود، ومنحت امتيازات لتجار البندقية في دياربكر، بدون أن تشكل مدناً لسكانها التركمان. وكانت البندقية ترى في دياربكر، بعاصمتها التاريخية الحصينة آمد، الفك الشرقي من الكماشة لمحاصرة التوسع العثماني المبكر، حيث أن العلاقات توترت ودخل الطرفان عدة حروب عقب استيلاء محمد الفاتح على القسطنطينية عام 1453م، فعقدت البندقية تحالفاً مع أوزون حسن، زعيم الآق قوينلو في دياربكر، لكن الأخير كان خائر القوى وسرعان ما انهارت سلالته. 

مع ترسيخ المماليك سلطتهم على شرقي المتوسط بعد الأيوبيين، كانت المدن الكردية قد استقرت على معادلة تضرب بتأثيرها حتى اليوم. فقد نجت هذه المنطقة من الاستيطان التركي الحديث عبر مرحلتين، الدولة المروانية ثم الأيوبية، كما أن من النتائج الاجتماعية لحقبة هاتين الدولتين، ومن دون أن يكون ذلك موثقاً في تدوينات المؤرخين إنما أمكن ملاحظته، هو توقف موجة التعريب التلقائية والمستمرة باتجاه كردستان، و تقلص الوجود العربي القديم الذي لم ينقطع منذ الاستيلاء الإسلامي المبكر في كردستان، ولم يعد اعتيادياً منذ ما بعد الحقبة الأيوبية العثور على أعلام وتراجم لشخصيات قيادية عربية تقيم في الحواضر الكردية التقليدية، على عكس المراحل السابقة حين كانت همذان، وهي أقدم الحواضر المدنية الكردية في التاريخ، مستقراً لآلاف العرب الوافدين حتى نهاية القرن العاشر الميلادي. والنتيجة الثالثة أن الدولة الأيوبية أعادت ربط آمد و بدليس و أرزروم بالتجارة الدولية عبر حلب والموصل و أصفهان، وأنجزت شبكة تجارية نشطة أنعشت مراكزها بعضها البعض، ويمكن اعتبار تاريخ الارتباط التجاري العضوي بين كردستان وحلب من تاريخ العلاقة الراسخة التي أنشأتها الدولة المروانية مع الدولة الحمدانية في حلب، ثم توحيدهما تحت راية دولة واحدة في الفترة الأيوبية، وهذا ما ينعكس في التراث الكردي إلى اليوم فحلب هي بمثابة عاصمة العالم بالنسبة لكردستان.

7 قرون من الفراغ

خلال قرنين من الحروب الصليبية فإن المدن التي كانت ذات قيمة، كما ذكر آنفاً، هي التي لها أسوار منيعة، مثل حلب ودمشق والموصل وآمد، أما المدن ذات التحصينات المتواضعة فإنها اندثرت مع مرور الزمن رغم ازدهار بعضها، وتعد مدينة رأس العين/ سري كانيه، التي كانت أغنى المدن بالمياه في المنطقة قاطبة، الواقعة تحت الاحتلال التركي والفصائل السورية العاملة لدى أنقرة في الوقت الحالي، نموذجاً للتأثير الذي لعبه كل من الافتقار للتحصين والخروج من مسار التجارة، فأصبحت خراباً ولم تعد للحياة إلا مطلع القرن العشرين، وعلى شكل قرية سكنها اللاجئون الشركس، مثلها مثل منبج في سوريا التي كانت مركزاً حضرياً وتجارياً كبيراً في العصور الوسطى، ولم تعد للحياة إلا بعد إسكان السلطات العثمانية لاجئين أرناؤوط (من ألبانيا) مطلع القرن العشرين.

في المنطقة الممتدة بين سوريا والعراق، تحديداً التي استولى عليها تنظيم داعش مؤخراً (ديرالزور- تدمر – الأنبار)، اختفت الحواضر التي كانت مزدهرة قبل الإسلام وحتى العصر العباسي، وبلغت فترة الفراغ العمراني بين اختفائها وعودتها نحو سبعة قرون متواصلة. والمدينة الناجية من هذا التراجع كانت الموصل، التي ساعدها سورها المنيع ووقوعها على خط البريد بين بغداد والقسطنطينية في الفترة العثمانية، في مدها بقوة تجديد تحميها من الفناء كما في مثال صمودها أمام حملة نادر شاه أفشار في القرن الثامن عشر. ولتوضيح شكل الفناء في الشرق، تكفي الإشارة إلى أن مدن شهرزور التي كانت حتى القرن الثالث عشر بمثابة عاصمة الكرد في المنطقة التي يطلق عليها اليوم إقليم كردستان العراق، اندثرت ولا يعرف إلى اليوم مواقع هذه المدن التي كانت مزدهرة وتحدث عنها بإسهاب الجغرافيون المسلمون في العصر الوسيط.