تركيا لا تملكُ خياراً سوى قبول كردستان السورية

رانج علاء الدين

على مدى السنوات الثلاث الأخيرة من الصراع السوري المحتدم منذ أربع أعوام، شَهِدت تركيا تزايد قوة المنطقة الكردية السورية، المحكومة ذاتياً على طول حدودها الجنوبية الشرقية، من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي ( PYD) الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني، والذي يقاتل في تركيا منذ 40 عام، هادفاً إلى الحصول على مجموعة من الحقوق السياسية والإقليمية في تركيا للشعب الكردي الذي يبلغ تعداده بين 15 إلى 20 مليون.

بعد تقارير إعلامية عديدة، تشير إلى أن تركيا تدرس اتخاذ إجراء عسكري في المنطقة الكردية السورية، لكنها تبدو بأنها رفضت الفكرة. لكن ذلك بسبب محدودية خيارات تركيا، حيثُ أنّ أنقرة لا تملك خياراً، سوى القبول بظهور كردستان سوريا “روج آفا” كما يتم تسميتها باللغة الكردية، وحزب الاتحاد الديمقراطي، من المرجح بأنهُ سيهيمن على المنطقة في السنوات القادمة.برزت أهمية حزب الاتحاد الديمقراطي على الساحة الدولية، في كانون الثاني العام الجاري، بعد طرده لمقاتلي تنظيم “داعش”، من مدينة كوباني المحاصرة. وهو الآن قوة تملك، ليس فقط جناحا عسكريا منظما ومدربا ومنضبطا، بل أيضاً منطقة حكم ذاتي قابلة للحياة داخل بلدٍ متورط في صراع مدمر.

تركيا لا تملك بديلاً عن القبول بـ كردستان سوريا، التي أصبحت ذات سيادة أكبر وتملك قوة أكبر من ذي قبل.تأثير القوى الكردية: بعد سنة من إعلان تنظيم “داعش” ما يسمى “الخلافة”، أثبت  الكرد السوريون، بأن مقاتليهم فعالين ويملكون القدرة ليس فقط على كبح التنظيم، بل أيضاً استعادة السيطرة على المناطق الواقعة تحت حكم “داعش”، وإجبار التنظيم على التراجع. على الرغم من التطورات التي غطت على الأحداث، إلا أنهُ وخلال الأسبوع الفائت، سيطرت القوات الكردية، على بلدة تبعد فقط 48 كم عن مدينة الرقة، عاصمة ما يسمى “الخلافة”.

يأتي هذا بعد أسبوع من سيطرة الكرد على مدينة تل أبيض الإستراتيجية الحدودية، وقطع طريق رئيسية للإمداد بالنسبة لتنظيم “داعش”.النجاح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، وحدات حماية الشعب (YPG) عزز القضية الكردية دولياً. حيثُ أنّ المجتمع الدولي، يعترف الآن بأن هذه المنظمة، وجنباً إلى جنب مع حزب العمال الكردستاني، هم شركاء حاسمين في الحرب ضد تنظيم “داعش”. قريباً، ربما ستجد الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، إبقاء أسم حزب العمال الكردستاني على لائحة الإرهاب الخاصة بهما عملية صعبة جداً.

تطور مثل هذا سيكون له أهمية خاصة، نظراً للاستياء الدولي من عدم رغبة تركيا وقصورها في منع مقاتلي  تنظيم “داعش”، من استخدام أراضيها للدخول إلى سوريا، وارتكاب الأعمال الوحشية. صعود الكرد في سوريا، يسبب أيضاً شيئاً شبيه بـ “الصداع” بالنسبة لتركيا، نتيجة التداخل الكبير بين السكان الكرد في كلٍ من سوريا وتركيا. تقويض استقرارها؟:أي فعل تتخذه تركيا ضد الكرد السوريين، سوف يقوض من استقرارها الداخلي، ويدعم القومية الكردية، وشرعية حزب العمال الكردستاني في الداخل، وبشكل خاص بعد الانتصار التاريخي الذي حققه حزب الشعوب الديمقراطية الكردي (HDP) في الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت مؤخراً. حزب الشعوب لديه روابط تاريخية مع حزب العمال الكردستاني، ودخل الـشعوب البرلمان التركي للمرة الأولى.

بناء على ذلك، فإن الكرد يستخدمون نفوذهم وتأثيرهم المحلي والإقليمي ببراعة في منطقة مضطربة ومتقلبة تكافح من أجل استقرارها وإعادة تعريف نفسها. بينما تستمر تركيا في اتخاذ موقف متشدد رداً على التحركات الكردية، حيثُ يواجه كل من الرئيس التركي، والدولة التركية تطورات سريعة في المنطقة، تستمر لصالح الكرد.في المستقبل المنظور، ربما لن تقوم تركيا فقط بالكفاح ضد الدعم الدولي المتزايد للكرد، بل أيضاً الدعم الذي تمارسه الدول الغربية لبناء وتدريب الشعب الكردي في سوريا، في عملية مشابهة للنموذج الناجح الذي تحقق على يد الكرد العراقيين عام 1991، في أعقاب حرب الخليج الأولى، وبعد تأسيس منطقة حظر طيران في العراق من قبل الغرب.

مثلما تفعل اليوم فيما يتعلق بالكرد السوريين، حاولت تركيا، تقويض مشروع بناء الدولة الكردية العراقية، في تسعينيات القرن الفائت، لكن دون جدوى. نَدِمَتْ تركيا على سوء تقديرها الإستراتيجي بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما وجدت نفسها مهمشة فيما يتعلق بقدرتها على التأثير في العراق الجديد المشكل إبان سقوط صدام حسين. الاعتماد على الانقسامات الإقليمية:ربما تحاول تركيا الاعتماد على الانقسامات الإقليمية بين الكرد، مثلما فعلت تاريخياً، وبشكل خاص الانقسامات بين قيادتي حزب العمال الكردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي من جهة، والحزب الديمقراطي الكردستاني من جهة أخرى. يحكم الحزب الديمقراطي الكردستاني حالياً، إقليم كردستان العراق، وله علاقات قوية مع أردوغان، ولديه خلافات تاريخية مع حزب العمال الكردستاني.

لكن وعلى الرغم من ذلك، فإن مثل هذه الانقسامات، لم تكن مؤشراً، ولو من بعيد، بأنه من الممكن أن يستخدم الكرد أسلحتهم ضد بعضهم البعض. اتسمت العلاقات الكردية في جميع أنحاء المنطقة بالانقسامات السياسية، ولكن حتى الآن لم تكن هنالك أي إشارة تُذكر، بأن النُضج السياسي والقيادة من الممكن أن تفسح المجال أمام الصراع الداخلي.عند التحدث مع مسؤولين كبار في حزب الإتحاد الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، كان واضحاً لي بأنهم يدركون بأنهم الآن يملكون عدداً أكبر من الأعداء الذين يقاتلونهم أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في ظل انتشار المجموعات المتشددة ومجموعات أخرى تسعى إلى زوال القوى الكردية.

بالإضافة إلى ذلك، حقق الكرد نجاحات أكبر في الآونة الأخيرة، بم يكونوا يتصورها قبل ذلك في أي وقت مض. الكرد اليوم ليسوا تحت الرعاية الإقليمية كما كانوا سابقاً، كما يحمون أنفسهم من التلاعب والتأثير الخارجي. هذا هو شعور القيادة الكردية، فضلاً عن قدرتهم المكتشفة حديثاً لتشكيل المستقبل، الأمر الذي يجعل الكرد أكثر استقلالية ورقماً صعباً اليوم.الكاتب باحث زائر في جامعة كولومبيا، ومرشح لنيل درجة الدكتوراه في كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية. 

*مركز “الجزيرة” باللغة الإنكليزية. الترجمة: المركز الكردي للدراسات.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات