الثورة الكردية في إيران!

ستيفان شفارتس

فاجأت الاحتجاجات العنيفة التي قام بها الكرد في إيران العالم، وكان تركيز وسائل الإعلام محدودا وقليلاً، وهذا بدون أدنى شك يُفسر غياب احترام النظام الإيراني للصحافة وحرية الرأي، والتي قيّدت بمنع دخول المراسلين لنقل الأحداث في مدينة مهاباد، ذات الغالبية الكردية، والتي يبلغ عدد سكانها 280 ألفا، وتقع غرب آذربيجان. الصورة الديموغرافية للإيرانيين تكشف تنوعا اثنيا واسعا، فلا يمكن اعتبار كل الإيرانيين فرسا كما يعتقد الكثيرون، فهناك الترك والكرد والكثير من اللغات غير الفارسية والتي تتحدث بها أقليات متنوعة.

الأحداث الأخيرة في مهاباد بدأت كمشكلة مدنية تحدث غالبا(…)، حيث بدأت على خلفية مقتل المرأة الكردية البالغة من العمر 25 عاما، و التي تحمل اسم “فاريناز خوسرواني”، والتي قتلت نتيجة حادثة انتحار قفزا، أو دفعا، من الطابق الرابع في فندق (تارا)، وحسبما قيل، فإن الضحية كانت موظفة في الفندق، وأرادت أن تهرب من محاولة اغتصاب من قبل مسؤول حكومي إيراني.

أكراد مهاباد ردوا بالخروج في مظاهرات كبيرة في 8 مايو/أيار، وقادوا الاحتجاجات، كما قاموا بحرق الفندق. وحسب إفادة نشطاء محليون، فإن حوالي 25 إلى 50 محتجا، إضافة إلى 7 من أفراد الشرطة، قد أصيبوا في المواجهات، وذلك جراء هجوم قوات الشرطة حشود الغاضبين، مستخدمة الغاز المسيل للدموع والبنادق. وجراء ذلك أصيب أحد المشاركين، والذي يحمل اسم “اكان تالاج” بجروح خطيرة نتيجة إطلاق الرصاص الحي، وهو يبلغ من العمر 25 سنة، ونقل اثر ذلك إلى مشفى مخصص في مدينة أورمية. أحد المؤيدين الكرد “آرمين حسن بور”، والبالغ من العمر 19 عاما، ألقي القبض عليه ليبقى مصيره مجهولا لمدة أسبوعين.

السلطات الإيرانية حذرت بدورها المحتجين بالتعامل القاسي مع الاحتجاجات إن تواصلت، لتعود و تؤكد بأنها لم تحتجز أي شخص على خلفية الأحداث، مشككة بالسبب الحقيقي وراء موت “خوسرواني”، والذي وصفته بأنه “موت مشكوك في أسبابه”.الكثير من المدن الكردية، وخاصة سارادشت، تضامنت مع المحتجين في مهاباد، حيث هتف المئات “مهاباد ليست وحيدة”، لكن قوات الأمن هاجمت الحشود، وقتلت على الأقل ثلاثين مناضلا كرديا، كما ألقت القبض على الآخرين وسجنتهم، كما سارعت نحو المدن الكردية الإيرانية الأخرى، لتمنع توسع رقعة الاحتجاجات حيث قطعت شبكة الإنترنت في مهاباد.

وبشكل مشابه كانت أحداث أخرى، هادئة في حدتها، قد وقعت في كردستان العراق، وكذلك في روج آفا/ المنطقة الكردية المحررة، وفي كل من سوريا وفي تركيا و ألمانيا وفي “اسكندنافيا”، حيث يتواجد الكثير من الكرد الإيرانيون. كما أن هؤلاء شجعوا، وبفخر، محاربة القوات الكردية لتنظيم “داعش” في كوباني، على الحدود التركية/ السورية في شهر يناير/كانون الثاني 2015 بعد حصار دام 5 اشهر.

الدفاع الناجح عن كوباني، تم دعمه بالقصف الجوي بالتنسيق مع الولايات المتحدة والتحالف العربي ضد تنظيم “داعش”، ولكن حركة التحرير الكردية اليسارية، والتي ينتمي معظم مقاتليها الذين يقاتلون في كوباني إلى وحدات حماية الشعب (YPG)، وهي فصيل من حزب العمال الكردستاني (PKK)، والذي عٌرف في تركيا وأميركا كجماعة إرهابية.  حزب العمال الكردستاني ومؤسسه عبد الله أوجلان، والذي سار على النهج الماركسي/ اللينيني، تلقيا الدعم من اليونان، العدو التقليدي لتركيا. ومن الحزب الشيوعي في رومانيا ومؤسسه “نيكولاي تشاوشيسكو” الغريب الأطوار. فعندما سقط تشاوشيسكو، كان حزب العمال الكردستاني من بين القليلين ممن نعوه.

اوجلان اعتقل عام 1999 في مقر للسفارة اليونانية، ومنذ ذلك الحين تخلى اوجلان عن إيديولوجيته السابقة ليضيف إليه نزعة تطوعية وتحررية اكثر وبما يتناسب مع التاريخ والتقاليد الكردية. كما أصبحت النساء مناضلات حقيقيات في صفوف “البيشمركة”، هذه الكلمة التي تعني “الذين يواجهون الموت”. ففي تركيا وسوريا قيل أن تنظيم “داعش” خاف من “القتل على يد النساء”. تركيا، من جانبها، لن تتخلى عن موقفها المعادي للكرد المطالبين بالحكم الذاتي، فعندما هاجم “داعش” الكرد في كوباني، قام الجيش التركي بوضع الدبابات على الحدود مع سوريا.

فتركيا قامت بدعم “داعش”، حيث اعتبرت أن الهوية الكردية اكثر خطورة من “داعش” بالنسبة إليها.الكرد العراقيون، وفي ظل حظر الطيران، الذي فرٌض من قبل الولايات المتحدة في ظل قيادة جورج بوش الأب عام 1991، راضون عن أوضاعهم، فقد استطاعوا تأسيس برلمان ديمقراطي، وإقامة حكومة إقليم كردستان (KRG)، حيث بدأ تطور اقتصادي مهم. ومنذ سقوط صدام حسين في عام 2003 لم يفقد أي عنصر من عناصر قوات “البيشمركة” حياته.

حتى الآن يحاول بعض الأجانب نسج الأوهام حول الكرد، فالكرد يعيشون متسامحين في ظل اختلافات دينية، فهناك السنة والشيعة، كما هناك حركات مثل الصوفية وأهل الحق في إيران، والذين يسمون بالشبك في العراق، حيث يتم إستهدافهم بالإبادة الجماعية من قبل “داعش”. بالطبع العديد من الكرد اليساريين المتطرفين ملحدون.لا زالت حكومة إقليم كردستان تملك مشاكل جدية، حيث هناك فساد سياسي واجتماعي مثل “ختان النساء”، بصورة بشعة تفرض على النساء الصغيرات، كما أن الإيديولوجيا اليسارية طغت على النضال الكردي كما هو الحال لدى وحدات حماية الشعب (YPG)، أما حزب الكومالا، والذي يتبنى ما يشبه التروتسكية، فهذا الحزب الصغير انضم إلى الحزب الديمقراطية الكردستاني ـ إيران (PDK-Iran)، والذي ظهر كحزب حليف للسوفييت في منتصف الأربعينات، وتطوّر منذ ذلك الحين نحو الديمقراطية الاجتماعية.

فقد عقدت الكومالا الاجتماعات من اجل مهاباد، وأدعى أن الفتاة كانت على علاقة رومانسية مع المعتدي عليها، وبأنها كانت تعمل كمحاسبة في الفندق، و ليست كوصيفة، وبأنها هوجمت من قبل مفتش الفندق وهو من أورمية، لذلك كانت جريحة وثيابها ممزقة.عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطية الكردستاني ـ إيران عمر بالكي وفي حديث مع قناة (روداو) أفاد بأن القوات الإيرانية رفضت أوامر قمع المواطنين، كما صرح بأن “عناصر قوات الأمن الإيرانية المسلحة ينبغي أن تتذكر بأنها جزء من الوطن، ولذلك عليها ألا تكون صامتة عندما يحدث شيء من هذا القبيل لشعبهم … لا يجب عليهم أن يقفوا إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد شعبهم … يجب عليهم حماية الشعب”.التاريخ يعيد نفس.

فالنضال الأفغاني القومي ضد روسيا قد تحول ضد جهاد الغرب بعد أن سحبت روسيا قواتها وسقطت الدمى الستالينية، فاليسارية المتطرفة الكردية ربما قد أصبحت الطليعة التي تسعى إلى السيادة على أرضها القديمة.

موقع (The World Post) الأميركي. الترجمة : عبد الرحمن داوود. خاص بالمركز الكردي للدراسات.