هل ستساعد تركيا في ولادة دولة كوردية مستقلة في العراق؟

جنكيز جاندار

إن المحادثات الفجائية في 14 تموز بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان وضيفه رئيس حكومة اقليم كوردستان العراق مسعود البرزاني تمثّلت بطرف منخرط في السياسات الانتخابية وطرف آخر محصور بين طموحاته من اجل الاستقلال – الهدف الملفت للكورد المشتتين بشكل رئيسي في اربع دول في الشرق الاوسط – وقيود السياسة الواقعية.

كما اعطي البارزاني رسالة ليتجنب الحوادث التي ربما تثير الاقتتال الطائفي والعرقي في العراق وانه يجب تأييد الجهود السياسية من اجل الحفاظ على السلام في البلاد “.وينظر لزيارة البارزاني غير المتوقعة الى انقرة على انها تمثل سعي البارزاني للحصول على الدعم من تركيا في طموحه للاستقلال.

فحين يلاحظ احد ما في تعليقات وسائل الاعلام الغربية  المتزايدة حول تأثير اردوغان كعامل مساعد لولادة دولة جديدة في العراق ،  فلا بدّ من الملاحظة ان زيارة البارزاني ستفسر على انها تركز على دعم تركيا من اجل اقامة كوردستان مستقلة في العراق.لكن هذا التفسير خاطىء. اذ تتجنب تركيا بحذر الادلاء بأي شيء علنيا ضد استقلال اقليم كوردستان الذي من شأنه ان يغضب البارزاني الذي اصبح الحليف الوحيد لتركيا المنعزلة جوهريا بشكل متزايد. هذه ليست فقط قضية السياسة الخارجية.ان عملية السلام مع كورد تركيا ،وهي العامل الهام في الانتخابات الرئاسية القادمة، جعلته امرا حتميا الا يقول اي شيء من شأنه ان يزعجهم. فعلى الرغم من كل هذا، ليس هناك سبب واضح لتركيا كي تتعاطف او تنسى معارضتها لفترات طويلة على اقامة دولة كوردية مستقلة داخل العراق. لكنها لا تفضل اقامة دولة كوردية مستقلة ، فتركيا- تقرأ: اردوغان – لا تتوقف عن التفكير برئيس الولايات المتحدة الامريكية باراك اوباما والرئيس الايراني حسن روحاني.

 بعد زيارة روحاني الاخيرة الى انقرة ، لفتت تعليقات من قبل مسؤول ايراني بارز ان تركيا وايران تشتركان ب”افق استراتيجي” حول اقامة دولة كوردستان في المنطقة . فكتب يافوز بايدار في تودي سزمان،:” ان رئيس الولايات المتحدة الامريكية باراك اوباما هو ضد تقسيم العراق وبروز دولة كوردية مستقلة”. كما ادّعى حسين اميرعبداللهيان وهو نائب وزير خارجية ايران لشؤون  الشرق الاوسط وافريقيا في 14تموز ان تقسيم العراق هو مخطط اسرائيلي لن تسمح ايران ابدا بحدوثه.كما قال عبد الله يان ان طهران وانقرة هما على نفس الموقف فيما يتعلق بدولة كوردية مستقلة في المنطقة.بالطبع ، البارزاني مدرك تماما لكل هذا.

فعلى الرغم من تشجّعه بعد استيلاء داعش على الموصل وسيطرة الكورد الكاملة على كركوك ، بدأت حكومة اقليم كوردستان العراق بالتعبير عن حلمها في الاستقلال ، حتى ان  البارزاني قد صرّح  بأن تركيا لن تمانع بإقامة دولة مستقلة في المنطقة.لكنه يعلم ان هذا لن يكون ابدا اولوية بالنسبة لتركيا. على العكس تماما، فهو اكثر ادراكا من اي شخص آخر في المنطقة حول الغضب والسخط التركي مع سيطرة الكورد على كركوك التي كانت تعتبر منذ زمن طويل ك “خط أحمر” لا يجب تجاوزه.كأمر واقعي ، قام البارزاني بتغيير قناعاته عن الموقف التركي تجاه الاستقلال الكوردي .فقال لصحيفة ديي ويلت الالمانية في 14تموز: ” لا اتوقع تلقي مساعدة فعالة او اعتراضا” من تركيا فيما يتعلق باقامة دولة كوردية مستقلة.

 في مقابلة تموز مع المونيتور ، قال البارزاني :” ان السياسة الكوردية ترتكز على سياقين للعمل . الاول هو العمل مع القوات الوطنية لبناء العراق، والثاني هو ممارسة حق تقرير المصير في حال فشلت الجهود لإنقاذ العراق”.فطبيعة العلاقات بين كوردستان العراق وتركيا كانت قد رسمت بشكل ملفت للنظر في كلمات في تحليل فينانسيال تايمز نيوز ومصدرها هولير :” يمكن ان تجد كوردستان منفذها الوحيد في خصمها القوي الذي  تحوّل الى شريك في الشمال ، تركيا”.قال مسؤول حكومي بارز رفض الافصاح عن اسمه:” اننا محاطون باسماك قرش. فالاستقلال يعني ربط انفسنا بتركيا ، وهو سمك القرش الاكبر في دول الجوار. اذ يقول المراقبون ان خطاب استقلال حكومة اقليم كوردستان العراق يهدف في الواقع الى فرض الضغط على بغداد من اجل عقد صفقة تسمح للكورد بالسيطرة على صادرات نفطهم وكذلك على بعض الاراضي المتنازع عليها”.

برزت تعقيدات داعش في هذه المرحلة . وهي الرهائن الاتراك المأخوذين من القنصلية في الموصل و بهذا اصبحت داعش الاولوية في محادثات اردوغان والبارزاني.  فحين يشكك حزب العمال الكوردستاني بالصلة بين داعش وتركيا وعندما كانت الحركة الكوردية قد صرحت بالتحدي ب ” لنا او داعش ” كان لابدّ من مناقشة قضية داعش من قبل اردوغان والبارزاني”. فالمنطق يملي على اردوغان ان يتحالف بنفسه وبشدة مع صديقه المقرّب البارزاني ضد داعش . مع ذلك ، وبخصوص بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ، فالمنطق ربما يعلّق ويؤخر لبعض الوقت. لقد تمتعت داعش بإخفاء الدعم التركي قبلا في تعاملها مع الكورد السوريين لمنع حزب الاتحاد الديمقراطي وهو فرع حزب العمال الكوردستاني ، من الهيمنة على المناطق ذات الاغلبية الكوردية في شمال سوريا التي تقع على الحدود التركية.  في 12 تموز ، صرحت منظومة المجتمع المدني وهي مجموعة تابعة لحزب العمال الكوردستاني، عن تحذير قوي لحزب اردوغان حزب العدالة والتنمية . ونقلت وكالة فرات نيوز انها قرأت: ” على حزب العدالة والتنمية ان يتخلى عن ” سياسة القردة الثلاثة”.ان عملية السلام في شمال تركيا ( ذات الاغلبية الكوردية ) ودعم داعش في روجافا (المناطق الكوردية في شمال سوريا) لا يمكنهما التماشي معا، اذ يجب ان يدعم حزب العدالة والتنمية إما داعش او يحترم روح عملية السلام . وإلا فإن امتداد الثورة من روجافا الى الشمال او العكس سوف يكون لا بدّ منها.ولا يمكن لأية قوة ان توقف ذلك”. لجأت منظومة المجتمع المدني وحزب العمال الكوردستاني الى المنطق على انه  افضل للتعامل كنظرية مؤامرة تدعم الصلة المباشرة بين حكومة اردوغان وداعش.وفقا لوكالة فرات ، اضاف التحذير:” تعبر عصابات داعش الحدود التركية العراقية وتقوم بمهاجمة شعبنا. وهناك خطة خطيرة وشريرة قيد التطبيق .فداعش قد عقدت اتفاقية مع حزب العدالة والتنمية .  والاستيلاء على كوباني (عين العرب)و القضاء على ثورة روجافا هو الاستراتيجية المشتركة لكلا الجانبين. ان اساس هكذا اتفاق هو تحرير موظفي القنصلية التركية …فالهجوم ضد ثورة روجافا وكوباني يتم تنظيمه من قبل حزب العدالة والتنمية”. وقد تصاعدت هجمات داعش في شمال سوريا ، مستهدفة مدينة كوباني الحدودية السورية ، ومقعدا واحدا من الكانتونات الكوردية الثلاثة حيث مارس الكورد الحكم الذاتي لبعض الوقت. لقد اصبح الدفاع عن كوباني ، وهي بلدة تقع على مدى الحدود من مقاطعة سوروج التركية في محافظة اورفا، النقطة الجوهرية للحركة السياسية الكوردية في تركيا.

فبعد دعوة زعيم حزب العمال الكوردستاني عبد الله اوجلان ل” التحرك والتجنيد العسكري من اجل دعم كوباني ” ،يحتشد كورد تركيا الآن بأعداد كبيرة في سوروج. بالاضافة الى الاعتبارات الايديولوجية في منطقة الصراع الطائفي ، فتركيا لها يد مرتبطة مع داعش. ولا يمكن توقّع تدخل انقرة في تعاون علني و قوي مع البارزاني ضدها . وبقيامها بذلك  ستعمل حقا من اجل الاستقلال الكوردي الذي لا تريده تركيا. فالقضية الاساسية هي حول شمال سوريا. اذ ان هذان الذين يحاربان هناك ، داعش والكورد، هما خصوم للبارزاني لكنهما طرفان في عملية السلام التركية. هناك خيارات صعبة بالنسبة لكل الاطراف الملمّة ، وقد اصبحت الاشياء حتى اكثر تعقيدا خاصة بعد زيارة البارزاني لانقرة.

المصدر: Al-Monitor

ترجمة: شيرين داوود (المركز الكردي للدراسات)