القصة الكاملة… خفايا استراتيجية ترامب حيال ملف النفط السوري

كينيث آر روزين

في نهاية 2019، وعندما قال الرئيس السابق دونالد ترامب ” إن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا للحفاظ على النفط”. سارع البنتاغون لإنكار ذلك، وأوضح أن القوات الأمريكية بقيت في سوريا لهزيمة داعش بشكل كامل، حيث كان الوجود العسكري حول حقول النفط جزءاً من مهمّة التغلب على ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية، وبعد ذلك بعامين تضاءلت فلول داعش، لكنّ القوات الأمريكية بقيت موجودة وتساعد في حماية النفط.

كان الموقف الرسمي للبيت الأبيض ووزارة الخارجية والتحالف العالمي لأجل هزيمة الدولة الإسلامية في العراق وسوريا آنذاك ولا يزال حتى الآن، حيث أن الحفاظ على النفط ليس سبباً لبقاء الأمريكيين في واحدةٍ من أكثر الصراعات غدراً في العالم، وقال متحدث باسم القوات الأمريكية في التحالف :” لا تُقدّمُ المساعدة لأي شركات خاصة أو موظفين أو وكلاء يسعون لتطوير موارد في شمال شرق سوريا”. ولكن هذه ليست القصة كاملة، فقد توصّلت الولايات المتحدة إلى خطة بسيطة حتى لو كان مشكوكاً بها من الناحية الأخلاقية والقانونية وهي مساعدة شركاء أمريكا الكُرد على الاستفادة من النفط المحلي من خلال إبقائه بعيداً عن أيدي نظام الأسد أو الميليشيات الإيرانية، ثم المساعدة في تطويره وبيعه، كانت حقول النفط في الشمال الشرقي جزءً من المجموعة التي استفاد داعش من عائداته اليومية التي بلغت 1.5 مليون دولار.

بعد عقود من الادّعاءات التي أفادت بأن الإدارة الأمريكية لا تهتمُّ إلا بالشرق الأوسط بسبب نفطها، وعرف المسؤولون أنّه لا يُمكن النظر إلى الجيش الأمريكي كمسيطر على حقول النفط في الأراضي السورية ويحدد من يستفيد من ثرواتها، حيث قال العديد من المسؤولين السابقين والحاليين الأمريكيين لصحيفة ديلي بيست :” إن الولايات المتحدة سعت إلى إخفاء الخطة على الرغم ممّا قاله ترامب إنها استراتيجية نفطية تُبرر استمرار الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا، وإذا لم تستطع الولايات المتحدة سحب هذه الاتهامات رسمياً وعلناً فسيحتاجون إلى بعض المساعدة، إن شركة دلتا كريسنت انرجي التي تم تأسيسها عام 2019 ، على وشك تولّي دور مركزيّ وسريٍّ في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن هذه الشركة الصغيرة من ديلاوير والتي تملك مكاتب في تكساس، يمكن أن تصبح المكافئ الأمريكي لجيش المرتزقة الخاص بروسيا وهي مجموعة فاغنر المرتبطة بحليف الرئيس فلاديمير بوتين، وهو يفغيني بريغوزين، الذي عاقبته الولايات المتحدة الأمريكية.

تشتهر مجموعة فاغنر بالتدخل في المجالات المفيدة سياسيّاً، حيث هناك تجنب للبصمات الرسمية فيه، وقد رأى المسؤولون الأمريكيون أن هذه الشركة (مجموعة فاغنر) التي أُنشأت حديثاً، تُستخدم من أجل الخير وليس الشر، وهؤلاء المسؤولون في الإدارة الأمريكية بشمال شرق سوريا والعراق طلبوا عدم ذكر أسمائهم لمناقشة مسائل الأمن القومي.

استعرضت وكالة “ديلي بيست” ترخيص شركة دلتا كريسنت انرجي وعقدها مع الشريك النفطي المحلي.

كانت خطة الحفاظ على النفط السوري وحمايته قيد العمل قبل أشهر من تصريح ترامب في تشرين الأول 2019، ومنعت الشركات والأفراد الأمريكيين من العمل في سوريا بأمر من وزارة الخزانة بسبب العقوبات على نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

في 8 نيسان 2020، حصلت شركة دلتا كريسنت انرجي على إعفاء من العقوبات لمدة عام بحجة تقديم المساعدة لشركة نفطية محلية في شمال شرق سوريا، وهي منطقة معروفة محلياً باسم روج آفا، يسيطر عليها الكرد المدعومون من أمريكا (قسد).

قال مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية لصحيفة ديلي بيست، طلب على عدم ذكر اسمه، لمناقشة المداولات الداخلية ” إن المسؤولين الأمريكيين قرّروا أن النفط المنتج في شمال شرق سوريا لا تعود ملكيته للأسد، الذي أُعيد انتخابه رئيساً بنسبة 95% من الأصوات الأسبوع الماضي، لأن النفط ملك للشعب وليس للحكومة”.

وفقاً لاتفاقية مشاركة الانتاج وتطبيق قوانين الشركة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، فإنه مقابل كل برميل ساعدت شركة دلتا كريسنت انرجي في تصديره خارج سوريا سوف تتلقى دولاراً واحداً.

أُسِّست شركة دلتا كريسنت انرجي من قبل السفير الأمريكي السابق في الدنمارك، جيمس بيكاين وجيم ريس وجون دورييه (وهو مسؤول تنفيذي سابق في مجال النفط)، وتبرع اثنان منهم للترشح للحزب الجمهوري، حيث كان لهؤلاء المواطنين الأمريكيين دوراً كبيراً في واحدةٍ من أصعب تحديات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أي كيفية إقامة حصن كردي سلمي مزدهر ضد الأسد.

قال مسؤول أمريكي كبير ” نحن لم نقُم بأيِّ تحوُّلٍ كبير في العراق منذ عام 2003، فنحن لم نقّم بإعادة ملئ الفراغ، لكننا حصلنا على نفس النتيجة، وإذا لم نعمل من الناحية التجارية والاقتصادية فسنخسر هذه المعركة، وهذه تُعتبر مسؤولية كبيرة تقع على عاتق هؤلاء الرجال الثلاثة.

توقفت طموحات شركة دلتا كريسنت انرجي بشكل مفاجئ، حيث قرّرت إدارة بايدن يوم الجمعة عدم تمديد ترخيص عمل شركة دلتا كريسنت انرجي.

قال بعض المسؤولين:” إن شركة دلتا كريسنت انرجي كانت خطة للولايات المتحدة في سوريا، ومن غير الواضح إذا ما كان هناك خطة للنشر، حيث أن قرار إلغاء ترخيص الشركة سيمنح شركات النفط والغاز الروسية الفرص للانتقال إليها “.

إذاً ما الخطأ الذي حدث؟

توجد مصافي نفط غير كاملة ومتناثرة بين القرى على الطريق بين رميلان ومدينة القامشلي المجاورة، حيث تصاعدت أعمدة الدخان في جميع الاتجاهات في هذه المنطقة السورية التي تضم ثلاثة أرباع احتياطيات البلاد من النفط، وتوجد هناك بركٌ سوداء ورطبة على الأرض، يتوجّه إليها العمال على الدراجات النارية حاملين عبوات تحتوي على المنتج مباشرة من المصافي.

الرميلان هي مدينة مشهورة بهيمنة النفط عليها، وتمتلك شركة دلتا مكاتب وعشرة موظفين وأيضاً مشاريع سكنية جديدة قيد الإنشاء، حيث ستأوي عمال النفط المستقبليين بالقرب من المكاتب الموجودة على مشارف سلسلة من حقول النفط، وتديرها شركة نفط الجزيرة ( الشريك المحلي لشركة دلتا كريسنت انرجي).

قال مسؤول أمريكي سابق لصحيفة ديلي بيست, عندما سافر إلى روج آفا في أوائل شهر آذار ليكتشف مدى التقدم الذي وصلت إليه الشركة :” في المرة الأولى التي تحدثتُ فيها مع مؤسّسي الشركة عن التقدم الذي حقّقوه أواخر شباط, كانوا قد قاموا بتهريب عيّنات النفط من سوريا لأن قدرات الاختبار لم تكُن متوفرة في البلاد”. وأضاف:” كان الهدف الخاص بشركة دلتا كريسنت انرجي هو مساعدة الشركاء المحليين ليصبحوا مستقلين مادياً،وانتزاع السيطرة على قطاع النفط في البلاد من الأسد، وهذا سيساعد في تحقيق أهداف أمننا القومي”. 

خلال يوم بارد وعاصف من شهر آذار حوالي الساعة 2 بعد الظهر، كان هناك مجموعة من الرجال ينتظرون في المصافي للحصول على النفط الخام وتحميلها في الشاحنات, وكانوا يقومون ببعض الإصلاحات الخفيفة للمحركات وهم يدخنون السجائر، وكانت هذه المصافي تُعالج حوالي 22طناً من النفط يومياً, لكن عندما سألتُ عن نموِّ معدلات الإنتاج خلال العام الماضي, قال ماهر جمعة:” لا توجد بوادر تحسُّن على الإطلاق, كان الأمر نفسه حتى عدد الشاحنات لم يتغير، ولا تزايد أو تراجع في الصناعة المحلية، إن ثلاثين ساعةً من العمل كل أسبوع لاتزال تُدرُّ 11 دولاراً لكل رجل في الشهر”.

لقد كان واضحاً أن موظفي دلتا كريسنت انرجي متحمّسين للوصول إلى الخطوة التالية، وقالوا إنهم على وشك اتمام العقود مع المصدّرين, والشركة تنتظر ترخيصاً لاستيراد أجهزة مراقبة آبار النفط الرقمية والتي ستصل إلى روج آفا في منتصف نيسان.

لقد كان مؤسسو الشركة يأملون في عبور الشاحنات الحاملة للنفط الخام المحلّي إلى إقليم كردستان العراق قريباً، وكانوا يخططون للاحتفال في أربيل عاصمة كردستان العراق، بمجرد أن تتحرك الشاحنات.

أخبر دوريير ديلي بيست أن الشركة حصلت على عقود بنحو 2 مليار دولار لبيع نفط روج آفا إلى مُشترين دوليين، لكنّ المديرين التنفيذيين في صناعة النفط الإقليمي قالوا إن ذلك غير ممكن.

شنّ المسؤولون الأمريكيون حملة علاقات عامة يقولون فيها، إن القوات الامريكية لم تكن موجودة في شمال شرق سوريا من أجل النفط، وما يقرب من 900 جندي أمريكي مازالوا موجودين في سوريا اليوم, لضمان الهزيمة الدائمة لداعش، وقال متحدث باسم الوزارة الخارجية لصحيفة ديلي بيست :” إن هذا حلٌّ سياسيٌّ لا رجوع فيه للصراع السوري وإزالة جميع القوى المدعومة من إيران”.

قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى لصحيفة ديلي بيست ” إن الولايات المتحدة درّبت قوات سوريا الديمقراطية لمهمة حماية الحقول التي تعمل فيها شركة دلتا كريسنت انرجي”. ويتألف فريق البنية التحتية النفطية كما هو معروف بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين من 200 جندي من قوات سوريا الديمقراطية، حيث يقومون بدوريات مشتركة مع القوات الأمريكية لزيارة المنشآت النفطية من ثلاث إلى خمس مرات في الأسبوع لتقييم الأوضاع فيها.

أدّى هذا الدعم العسكري إلى إعادة بعض الثقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، بعد انسحاب ترامب المفاجئ عام 2019, والذي أدّى لمقتل 100 شخص خلال الغزو التركي، وسمح أيضاً للكرد بالتقدم نحو الاكتفاء الذاتي المالي، وتعزيز قدراتهم للدفاع عن أراضيهم من خلال توفير أجهزة أمنية إضافية تتضمن جهاز سياسي وجيش داخلي أقوى, لكنه لم يساعد إدارة روج آفا في التوقف على الاعتماد على نظام الحكومة السورية لإدخال مصادر جديدة للإيرادات.

قال مسؤولان في شركة دلتا كريسنت انرجي لـ صحيفة ديلي بيست، إنهم يُحرزونَ تقدُّماً، لكنّ الحكومة الأمريكية لم تدعمهم من خلال الضغط على القادة الإقليميين في البلدان المجاورة للعمل معهم.

قال كاين ” كانت هناك ولاتزال تجارة قوية للنفط وغير خاضعة للعقوبات عبر الحدود السورية، لكنّ شعوب المنطقة لم تتمكّن من الحصول على سعر عادل لنفطهم لأنه لم يكُن قانونياً”. وأضاف ” عندما وصلتُ إلى المنطقة كانت هذه التجارة الغير قانونية لاتزال مزدهرة, وهناك دعم أمريكي كبير لشركة دلتا كريسنت انرجي، حيث تجعل من المستحيل أن تقوم الشركة بمهمتها في تقديم المشورة والمساعدة, كان لدى وزارة الخارجية آمال كبيرة في إنشاء طريق من الحركة الحرة للأشخاص والبضائع، والمساعدة في توفير مصافي النفط المتنقلة والمعدات، لكنهم فشلوا “.

منذ كانون الثاني, تحاول شركة دلتا كريسنت انرجي فتح معبرٍ حدوديٍّ إضافيٍّ بين العراق وسوريا، من خلال بلدة تل كوجر ” اليعربية ” لكنها فشلت، بدأ المسؤولون في قوات سوريا الديمقراطية وإدارة بايدن بالتراجع عن إيمانهم بهذه الشركة, وخلال ذلك قام نظام الأسد بشنِّ حملة دعائية ناجحة في إقناع السوريين أن الأمريكيين موجودين هناك لسرقة نفط الشعب، وهناك القليل من الشعب في سوريا، وحتى بين الحلفاء الأمريكيين يصدقون أن الولايات المتحدة كانت موجودة من أجل المساعدة أو تقديم الدعم أو أنها لن ترتكب خيانة أخرى.

في منتصف أيار، ومع اقتراب تمديد الترخيص من نهايته, شعر ريس بالقلق من عدم منح الشركة ترخيصاً جديداً، وخاف من أن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن شركة دلتا كريسنت انرجي جزءٌ من عهد ترامب و يجب زوالها.

من هم دلتا كريسنت انرجي؟  

قبل خمس سنوات، عَلِمَ السفير كاين، وهو أحد مؤسسي شركة دلتا كريسنت انرجي، أن صهره تعرض لهجوم إرهابي في مطار بروكسل ببلجيكا، لذا سافر مع ابنته كاميرون لمساعدتها في العثور على زوجها، ولجأ إلى شركة اتصالات كان قد أسسها كدبلوماسي محترف، واتصل بـ”جيم ريس” عندما تبيّن أن تنظيم الدولة الإسلامية تبنى الهجوم، وأنهم كانوا خمسة انتحاريين استهدفوا المطار ومترو الأنفاق، في ذلك الوقت، كان ريس يمتلك شركة تايغر سوان، التي تعاقدت مع وزارة الدفاع لإزالة الألغام الأرضية بالقرب من الرقة، وقام بإرسال بعض المتعاقدين العسكريين السابقين إلى بلجيكا لتقديم المساعدة، و عرفوا على الفور أن اثنين من المهاجمين قد نجا من القصف، وأن صهر كاين المدعو ألكسندر بينكزوفسكي قد مات على الفور، وأيضاً 31 شخصاً أخر في سلسلة الهجمات ذلك اليوم.

بقي كاين متورطاً في القضية، وأدلى بشهادته لاحقاً عند محاكمة المهاجمين الناجين. بعد عامين، اجتمع ريس وكاين مرة أخرى في مطعم في رالي بولاية نورث كارولينا، وناقشا مشروعاً جديداً، وفي غضون أشهر وخلال شهر كانون الأول، وصل الرجلان إلى روج آفا يبحثانِ عن فُرصٍ تجارية محتملة في منطقة شمال سوريا التي دمرتها الحرب، وعندما أصدر ترامب قراراً بإعلان انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، كان على حلفائهم الكرد الدفاع عن أنفسهم ضد الأسد وأردوغان، وكان الرجلان بالمنطقة في ذلك الوقت، حيث تأثّر كاين بهذه الخيانة لدرجة أنه نشر مقالاً في صحيفة واشنطن بوست يطلب من ترامب إعادة النظر في قراره.

قال ريس لصحيفة ديلي بيست، إنه وأثناء تواجده في مقرّ قوات سوريا الديمقراطية في عين عيسى، اقترح على القائد مظلوم عبدي فكرة إنشاء شركة نفطية، ويُعتبر أنه وُضِعَ في هذا العالم لمساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، سواءً في الخارج أو في الولايات المتحدة.

قال لاهور طالباني، رئيس المخابرات الذي قدّم المسؤولين الأمريكيين إلى قوات سوريا الديمقراطية لأول مرة، لصحيفة ديلي بيست:” إن مهمة حماية حقول النفط كانت قيد العمل منذ فترة طويلة كحجة لبقاء القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا”.

وقبل الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية، قال طالباني لصحيفة ديلي بيست خلال اجتماع في مكتبه بالسليمانية في كردستان العراق :” لقد تحدث مظلوم عبدي عن هذا الأمر مع وزارة الخارجية, وتواصل معنا قبل ذلك، وأيضاً سألتُ وزارة الدفاع عمّا إذا كان بإمكاننا مساعدتهم في تقديم مصفاة لتكرير النفط إلى حين جلب بعض الشركات إلى هناك”.إن الطالباني زعيمٌ مشاركٌ لثاني أكبر حزب سياسي في كردستان العراق، ولعب جهاز استخباراته دوراً رئيسيًّاً في عملية اغتيال قاسم سليماني بواسطة ضربة طائرة بدون طيار في كانون الثاني 2020, وفقاً للتقرير الأخير في لـ ياهو نيوز، مع أن طالباني أنكر تورُّطه لكنه بقي محافظاً على علاقة وثيقة مع المصالح الأمريكية.

والآن شركة دلتا كريسنت انرجي وجدت نفسها عالقةً بين حكومات أجنبية معادية، ونظام سوري منتقم وقوات محلية ، هل خطة استخدام شركة نفط صغيرة تعتبر فرصة لتحقيق الاستقرار في المنطقة؟

ما تَوضَّح، هو لا أحدَ في سوريا يُصدّق أن للأمريكيين استراتيجية طويلة المدى، حيث قال مسؤول أمريكي مُضطّلع على الأمور في المنطقة :” إن حالة الشك هذه  خلقت لعبة من الغموض بين جميع الأطراف”. وأشار إلى أنه تم استغلال هذا الشك من قبل القوات الإيرانية والروسية للقيام بالأعمال في سوريا بشكل حاسم.

في معارضة مباشرة للمصالح الأمريكية، قامت روسيا بالعمل على حماية سوق النفط للنظام السوري، وفقاً لما قاله أشخاص يعملون في قطاع النفط في روج آفا، وقامت روسيا بذلك من خلال توفير الدعم الأمني واللوجستي لحسام قاطرجي (عراب تجارة النفط والقمح للنظام السوري مع تنظيم الدولة الإسلامية).

تتبّعت صحيفة ديلي بيست أحد سائقي شاحنات النفط التابعة لقاطرجي، وقال إن قاطرجي استخدم شاحنتين (واحدة للقمح وواحدة للنفط)، أي أنّه كان هناك أشخاص غير الأسد يستفيدون من نفط روج آفا، كان طريقه في السابق من القامشلي ودير الزور إلى مناطق النظام، لكنه الآن يتّجه غرباً من روج آفا إلى مناطق أخرى يسيطر عليها النظام، أي أنه ابتعد عن القوات الروسية والإيرانية.

قال مسؤولون أمريكيون، إنه إذا لم يتم قطع رسمي للتجارة بين الشمال الشرقي والنظام في دمشق، ستبقى روج آفا خاضعة للأسد، ولا يمكن لقوات سوريا الديمقراطية الاعتماد على الولايات المتحدة.

وفقاً لمراقب مضطّلع على الصراعات والمشاريع الدولية في المنطقة :” إن مركز الثقل تحوّل من بناء منطقة أمنية إلى بناء اقتصاد، حيث لا تزال روج آفا تعتمد على مهندسي النظام وقدراتهم على تكرير النفط والغاز، وهي تجارة لا تشمل تبادل الأموال”. وعندما سُئِلَ هذا المراقب عن إمكانية تحقيق أهداف شركة دلتا كريسنت انرجي، أجابَ أنها سلسلة من المواقف المستحيلة”.

وفقاً لمسؤول في حكومة إقليم كردستان: “الملايين والملايين من الدولارات يتم جنيها يومياً على تلك الحدود”.

بصرفِ النظر عن القوة المعادية لأمريكا مثل روسيا وإيران، فَشِلَ الحلفاء المحتملونَ أيضاً في المساعدة بتحقيق خطة النفط طويلة المدى.

سعت شركة دلتا كريسنت انرجي للتوسط في تحقيق اتفاق جديد بين المناطق الكردية المجاورة،  لكنّ رئيس حكومة إقليم كردستان في شمال العراق رفض إعادة التفاوض بشأن تجارتها الغير مشروعة مع روج آفا، حيث كان منصور البرزاني شقيق رئيس الوزراء وابن عم رئيس الإقليم يعمل على تقويض عمليات شركة دلتا كريسنت انرجي بحسب أحاديث لم يسبِق نشرها.

بحسب مطّلعين على المفاوضات، وعند قرب نهاية عام 2020 ، قامت مصفاة “لاناز” التي يسيطر عليها البرزاني بزيادة قدراتها على تكرير المزيد من النفط ذي النوعية الرديئة القادم من روج آفا، ودفعت حوالي 19 دولاراً للبرميل، وضمّته لخط الأنابيب المتجه إلى تركيا، وعندما طلب برزاني الحصول على 70% من إيرادات نفط روج آفا، رفض مسؤولو شركة دلتا كريسنت انرجي ذلك، قال مسؤول في حكومة إقليم كردستان لصحيفة ديلي بيست:” يتم جني الملايين والملايين من الدولارات على تلك الحدود يومياً “.

تحوّلت حكومة إقليم كردستان إلى حكومة استبدادية في السنوات الأخيرة، ففي آب 2019 عندما كانت وزارة الخارجية تسعى لمساعدة تكرير النفط في روج آفا، رُفعت دعوة قضائية في محاكم العدل الملكيّة في لندن ضد حكومة إقليم كردستان ووزير الموارد الطبيعية آشتي هورامي، بتهمة وقوع حملة مضايقات، لذا تأخر منح التراخيص التشغيلية لشركة ديناستي بتروليوم الواقعة في كردستان العراق.

قالت شركة ديناستي بتروليوم، إنها رفضت دفع الرشاوى التي طلبها المسؤولون في حكومة إقليم كردستان، ولم يستجب مكتب البرزاني وهورامي لطلباتهم المتعددة للتعليق.

تحدث الرئيس التنفيذي لشركة ديناستي بتروليوم لصحيفة ديلي بيست في اجتماعهم على شُرفةٍ تُطِلُّ على السليمانية، وهو منظر لامتداد جبلي مُحاطٌ بجبال زاغروس والحدود العراقية مع إيران، (حيث تم تجهيز الفناء بكوخ وبوابة يديرها رجل مسلح ببندقية كلاشينكوف)، وفي يوم الاجتماع، كان هيوا قرماني ينتظر بثقة الأخبار حول نتيجة الدعوة، فقد كانت هناك سابقة لنتيجة إيجابية ضد حكومة إقليم كردستان، وأضاف الرئيس التنفيذي أنه لم تكن احباطاته تكمن في الحكومة الإقليمية، على الرغم من اعتقاده أن حكومة إقليم كردستان لعبت دوراً في إعاقة شركة دلتا كريسنت انرجي والاستثمارات الدولية المحتملة في كردستان العراق وسوريا، وشعر أنه أصيب بالإحباط أكثر بسبب التقلبات الأمريكية.

قال القرماني:” نحو مستعدون للدخول في استثمارات الكهرباء ومصفاة النفط والاتصالات وكل شيء، لكننا بحاجة إلى التأكد من أن الولايات المتحدة ستبقى صامدة”. اعتقدَ القرماني أن شركة دلتا كريسنت انرجي ستكون قادرة على الدخول في استثمارات رأسمالية جديدة وستكسر الاحتكارات الإقليمية، لكنّ ما اكتشفه في الواقع كان انفصالاً كبيراً بين أهداف شركة دلتا كريسنت وما واصلت الولايات المتحدة أقوالها علناً، وقال:” لا يوجد بيان واضح من أمريكا حول مستقبل هذه المنطقة، فهناك دائماً مخاطرة، والخطر كبير جداً”.

قال طالباني عندما رأى قيمة ما حاولت شركة دلتا كريسنت انرجي القيام به:” لو لم يبقَ الأمريكيون من أجل النفط، لخسروا كل شيء”، لكن نظرته مُبالغٌ بها بشكل متزايد.

يقول المقربون من قيادة قوات سوريا الديمقراطية ” إن مظلوم عبدي ومُساعديه يُحذّرونَ أنفسهم من الاعتماد على الدعم الأمريكي بشكل كبير، وشركة دلتا كريسنت انرجي بشكل خاص، حيث لا يزالون غير متأكدين فيما إذا كان أيٌّ منهما يمكن أن يساعدهم في تحقيق المزيد من الاستقلال عن نظام الأسد”. وبالنسبة للقطاع الخاص، فقد أعربوا عن احباطهم من أن الولايات المتحدة ستمنح اعفاءً من العقوبات لشركة أمريكية وليس لروج آفا ككُل.

ناقش المسؤولون الأمريكيون في العاصمة واشنطن، أن الأسد لم يَعُد يتمتّع بالسلطة الأخلاقية في السيطرة على روج آفا، مع أن نظامه استعاد الكثير من الأراضي التي كان قد فقدها في الحملة المستمرة بقتل وتشويه الآلاف.

إن حدود الدولة السورية تخضع لسيطرة دول ومجموعات مختلفة، لكن في داخل الدولة السورية أصبح السكان موالون للنظام السوري سواءٌ باختيارهم أم لا، حتى داخل منطقة روج آفا الكردية، حيث يتوقع الكثيرون عودة النظام.

كيف تُخطط إدارة بايدن لوضع نفسها في سوريا، وهل ستدعم مبادرة اقتصادية أخرى مثل شركة دلتا كريسنت انرجي، كل ذلك لا يزال غير واضحاً.

لا يستفيد الشعب من النفط

قال شعبان سليمان من قرية “كوندكه سعيد” لصحيفة ديلي بيست:” أعتقد أن الهيئة الحاكمة الحالية في روج آفا ستساعد الشعب عندما يُطردُ الأسد، لكنهم جعلوا الأمور أسوء” على حد قوله، مضيفاً:” النفط لا يُفيد الشعب، لا يهمُّ مَن يأتي أو مَن يذهب، كل من يُطعمُني مُرحَّبٌ به هنا، ولا تزال الكثير من المنتجات النفطية تُرسل إلى المناطق التي يسيطر عليه النظام”.

قال أحمد سعيد البالغ من العمر 46 عاماً، وهو مُصلّح مدافئ تعمل على الديزل في القامشلي:” إن المزيد من التدخل الأمريكي سيُضرُّ أكثر مما ينفع، سوف يضخّون النفط ويسرقونه وسط هذه المجاعة، ولن يعملوا لمصلحة البلاد، فالأمريكيون هنا منذ سنوات، ولم يتغير شيء، وذهاب الأمريكيين إلى مكانٍ ما يعني العمل من أجل مصالحهم الخاصة وليس من أجل مصالح الشعب”. وأضاف سعيد مُلقياً اللومَ على استمرار العقوبات على الاقتصاد الفاشل في البلاد، وأشار إلى احتشاد الناس عند مدخل مِنحة برنامج الغذاء العالمي للأمم المتحدة، وقال :” أنتم الأمريكيون إذا بقيتم تُطاردوننا فمن المستحيل أن نرتاح، فماذا استفاد الشعب العراقي من وجودكم غير الدمار، وماذا استفاد الشعب اليمني أو أي دولة أخرى في العالم منكم ؟”.

قام سعيد بتدليك يديه الملطّختين بالدُّهن، وقال: ” إنهم جميعاً يغزون بلادنا، البلد يجب أن يكون مُلكاً لشعبها”.