طريقة تعامل السلطة مع بداية الأزمة السورية في 2011

محمد سيد رصاص

لم تكن السلطة السورية تتوقع أن يتكرر في سوريا ما جرى في تونس بين 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 و14 يناير/كانون الثاني 2011 ومصر بين 25 يناير/كانون الثاني و11 فبراير/شباط 2011. وهذا ما يمكن تلمّسه من تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية المنشورة في 31 يناير/كانون الثاني حينما قال: «إذا أردت أن تتحدث عن تونس ومصر فنحن خارج هذا الأمر. نحن لسنا نسخاً عن بعضنا.. لدينا ظروف أصعب مما لدى أغلب الدول العربية. ولكن على الرغم من ذلك، فإن سوريا مستقرة. لماذا؟ لأنك يجب أن تكون مرتبطاً بشكلٍ وثيق جداً بمعتقدات المواطنين. هذه هي المسألة الجوهرية. عندما يكون هناك اختلافٌ بين سياستك وبين معتقدات الناس ومصالحهم، سيصبح لديك هذا الفراغ الذي يخلق الاضطراب. إذا أردت أن تجري مقارنةً بين ما يجري في مصر وسوريا، فعليك أن تنظر من زاويةٍ مختلفة. لم سوريا مستقرة على الرغم من أن لدينا ظروفاً أكثر صعوبة؟ مصر مدعومة من الولايات المتحدة بينما نحن تحت الحظر الذي تفرضه أغلب دول العالم. وعلى الرغم من هذا، لا تجد الناس يخرجون في انتفاضة. لذلك، فالأمر لايتعلق فقط بالاحتياجات وليس فقط بالإصلاح ولكنه متعلق بالقضية والمعتقدات والعقيدة. الثورة ضد الشاه كانت انتفاضة ضد شخص يريد معارضة ما يؤمن به الشعب.. أنا لاأطيع الولايات المتحدة».

من الواضح من المقابلة أن السلطة السورية كانت مقتنعة بأنه لن يجري عندها ما حصل في تونس ومصر، وأن النار لن تصل سوريا. بُنيت هذه القناعة على أن ما جرى في البلدين المذكورين له علاقة بارتباطات الحكام بالولايات المتحدة والتي كانت ترجمتها مصرياً اتفاق التطبيع مع اسرائيل. والرئيس السوري يقدم مثلاً بعيداً هو المثل الايراني ليقول بأن الثورة الايرانية سببها الارتباط مع واشنطن وتعارض الشاه (مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي) مع معتقدات المجتمع المعادية لواشنطن واسرائيل، وأن هذا لاينطبق عليه باعتبار أنه لا يطيع الولايات المتحدة. وبالتالي، فهو مطمئن لأن برأيه أن سوريا خارج هذا السياق ما دام هناك تطابقٌ بين المجتمع والحكم في سوريا تجاه «العقيدة والمعتقدات والقضية»، وهو يقر بأن ما جرى في تونس ومصر «ثورة».

فالحل عند السلطة السورية منذ خطاب الأسد كان حلاً أمنياً لا سياسياً. واتضح ذلك من خلال طريقة التعامل مع التظاهرات وما تلاه من استخدام الجيش في حوران في أبريل/نيسان 2011، وهو ما شكّل فاتحةً لنهجٍ طُبّق في أماكن أخرى لاحقاً.

تعني وجهة نظر الرئيس السوري ضمنياً بأن أسباب الثورات أو الانتفاضات الثلاث: التونسية والمصرية والإيرانية، ليست الاحتياجات الاقتصادية ولا غياب إصلاح المؤسسات أو موضوع الحريات الديمقراطية، بل الأمر يعود للسياسة الخارجية للحكّام غير المرتبطة «بشكلٍ وثيق جداً بمعتقدات المواطنين». نُشرت المقابلة قبل 45 يوماً من اشتعال الحريق السوري الذي كان الأكثر اشتعالاً لجهة توفر الحطب الداخلي من نظرائه اليمني والليبي والتونسي والمصري. كان المؤشر الأول، وربما الحقيقي، لطريقة تعامل السلطة السورية مع الوضع بعد 18 مارس/آذار هو خطاب الأسد أمام مجلس الشعب في 30 مارس/آذار (1) الذي اعتبر خلاله ما يجري «مؤامرة كبيرة خيوطها تمتد من دولٍ بعيدة ودول قريبة ولها بعض الخيوط داخل الوطن. المؤامرة اعتمدت الخلط بين الفتنة والاصلاح والحاجات اليومية. إن ما نراه الآن هو مرحلة من مراحل لا نعرفها. هل هي مرحلة أولى؟ هل هي مراحل متقدمة؟ ولكن يهمنا شيء واحد. المرحلة الأخيرة هي أن تضعف سوريا وتتفتت.. هي أن تسقط وتزال آخر عقبة من وجه المخطط الاسرائيلي». يتحدث الأسد في الخطاب عن أن ما يجري ليس عفوياً بل منظماً بالقول إن «البنية لم نكتشفها كلها.. ظهر جزءٌ من البنية ولكنها بنية منظمة.. هناك مجموعات دعم لها أشخاص في أكثر من محافظة وفي الخارج.. وهناك مجموعات إعلام.. ومجموعات تزوير.. ومجموعات شهود العيان.. وهي مجموعات منظّمة مسبقاً». ثم يشرح بما معناه أن الإصلاح مؤجّل أو لا يكون تحت الضغط حتى ولو اعتمدت «المؤامرة» عليه أو تذرعت به. ويقول: «الإصلاح ليس صرعة موسم. فعندما يكون مجرد انعكاسٍ لموجةٍ تعيشها المنطقة، فهو مدمّر بغض النظر عن مضمونه، بل الأولوية هي المجابهة. وإذا فُرضت علينا المعركة اليوم، فأهلاً وسهلاً بها».

هنا، يمكن أن يكون هناك خيطٌ بين المقابلة مع الصحيفة الأميركية والخطاب، وهو العامل الخارجي، لجهة أن منطق السلطة السورية يقول إن سوريا تختلف عن مصر التي يرتبط حكامها بالخارج. ولذلك، حصلت هناك انتفاضةٌ. أما سوريا، فما حصل فيها مؤامرة هدفها تحويل سوريا إلى مصر فيما يخص الولايات المتحدة وإسرائيل. أي، داخلٌ يثور على الحاكم بسبب معارضة سياسته الخارجية في مصر، بينما في سوريا خارجٌ يتآمر عليها بسبب سياساتها الخارجية عبر زرع الاضطراب في داخل من أجل إرباك الحاكم ودفعه إلى تغيير سياسته بما يناسب الخارج. أي أن الوضع الداخلي ليس سبب الاضطراب في سوريا بل ذاك الخارجي المعادي. ومن المنطقي، وفقاً لتلك الرؤية، إعلان الأسد في الخطاب خوضه المعركة ضد المؤامرة والفتنة، بحسب رأيه. وبهذا، فإن المهمة الرئيسية لحل الأزمة ليس الإصلاح بل المعركة. وبعد انتهاء المعركة، يمكن التفكير بشكلٍ مختلف، بحسب ما ذكرت المستشارة الرئاسية بثينة شعبان حينما قالت: «عندما يعود الأمن والاستقرار فكل شيء يمكن ترتيبه. نحن لن نعيش في الأزمة للأبد». (2)

لذلك، فالحل عند السلطة السورية منذ خطاب الأسد كان حلاً أمنياً لا سياسياً. واتضح ذلك من خلال طريقة التعامل مع التظاهرات وما تلاه من استخدام الجيش في حوران في أبريل/نيسان 2011، وهو ما شكّل فاتحةً لنهجٍ طُبّق في أماكن أخرى لاحقاً. في تبرير ذلك أو شرحه، يمكن أن تكون شهادة نائب الرئيس السوري فاروق الشرع بالغة الأهمية حينما قال: «من أتيحت له فرصة لقاء السيد الرئيس سيسمع منه أن هذا صراع طويل.. وهو لا يخفي رغبته بحسم الأمور عسكرياً حتى تحقيق النصر النهائي. وعندها، يصبح الحوار السياسي ممكناً على أرض الواقع» (3)

ويشرح الباحث أرون لوند هذه الدوافع القول: «حافظ الأسد وبشار، كلاهما يملكان حذراً كبيراً تجاه الظهور بمظهر الذي يتراجع أمام النار. وهما تعلما من التاريخ أن يحفرا ويصمدا ويصعّدا المقاومة. وهما يرفضان أن يشعرا العدو بأنهما خائفين. على مايبدو أن هناك شعوراً ما داخل النظام بأن الاعتراف بالضعف والخطأ يعني فقدان السيطرة على جدول الأعمال، وأن هذا سيكون مقتلاً للنظام على المدى البعيد» (4)

على الأرجح، أن هناك دوافع أخرى، منها إحساس السلطة السورية بأن الدخول في حوارٍ سياسي مع المعارضين من أجل تسويةٍ سياسية سيجعلها في وضعٍ ضعيف في حسابات موازين القوى بعد أن تحولت الأزمة السورية من داخلية إلى إقليمية مع بدء اصطفاف الأتراك والقطريين والسعوديين ضد السلطة في النصف الأول من أغسطس/آب 2011 بالضد من الموقف الإيراني، ومن ثم إلى دولية في الشهر ذاته مع مطالبة الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيس السوري بالتنحي في 18 أغسطس/آب 2011 واصطفاف موسكو وبكين مع السلطة من خلال الفيتو المزدوج في مجلس الأمن ضد قرارٍ يتعلق بالوضع في سوريا في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2011.

يبدو أن هذا هو السبب في تعامل السلطة التسويفي (على الرغم من قبولها الرسمي بهما) مع مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة السورية في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وبيان جنيف1 في 30 يونيو/حزيران 2012. ويظهر أن ما أشار إليه الشرع لا تعوزه الدقّة، وكذلك تصريحات شعبان، لجهة الحسم العسكري- الأمني ضد المعارضة على نسق ما جرى في أحداث يونيو/حزيران 1979- فبراير/شباط 1982. ومن ثم، التفكير في حوارٍ سياسي مع المعارضين من موقع قوة في ضوء التوازنات الجديدة بعد الحسم العسكري. أو لربما ترك الأمور من دون تسويةٍ سياسية أو مصالحة كما فعلت السلطة بعد انتصارها الأمني- العسكري على المسلحين الإسلاميين مطلع الثمانينات، إذ لم تتجه بعد هذا الانتصار إلى مبادراتٍ سياسية تنفتح خلالها على المعارضة بشقيها الإسلامي والديمقراطي، بل اكتفت بالإطمئنان إلى أن سوريا أصبحت «مملكة للصمت» إلى أن انفجرت الأوضاع من جديد بعد 29 عاماً. والفارق أن ما جرى منذ 12 عاماً حتى اليوم يشي بأن السلطة السورية لم تستطع تكرار انتصار الثمانينات، كما أن المعارضة لم تتمكن من إسقاط النظام أو خلق تسوية معه. بل وصلت الأزمة السورية إلى عمر 12 عاماً في وضع استعصاءٍ بعد أن تحولت منذ النصف الثاني من 2011 إلى أزمةٍ مركّبة دولية- إقليمية- داخلية.

هوامش –
(1)https:\\www.voltairnet.org\article173297.html
(2)أنطوني شديد: «سوريا تعلن أنها تملك اليد العليا بوجه الانتفاضة»، صحيفة «نيويورك تايمز»، 9\5\2011
(3)مقابلة مع فاروق الشرع أجراها ابراهيم الأمين، صحيفة «الأخبار»، 17\12\2012
(4)أرون لوند: «أشباح حماة»، المعهد الدولي الليبرالي السويدي، (نسخة ب د ف،45 صفحة، النص باللغة الانكليزية)، ص 18
www.yumpu.com\en\document\view\392550

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد