عواقب الحرب أوكرانيا في تمتد إلى سوريا واللاعبين الدوليين فيها

منى يعقوبيان

يتردد صدى الغزو الروسي لأوكرانيا على بُعد آلاف الكيلومترات في سوريا. أدى الغزو الروسي إلى تحويل اهتمام موسكو إلى كييف وسحب العديد عدد من قواتها من سوريا إلى أوكرانيا، الأمر الذي يعرض الهدوء النسبي الذي ساد في سوريا منذ مارس/آذار 2020 ويقوض المصالح الأميركية. لذا، يجب على واشنطن على الأقل أن يكون لديها خطة للاضطراب الذي يمكن أن يحدث.

عملياً لا تنسحب روسيا من سوريا، لكنها اضطرت إلى تعزيز قواتها في أوكرانيا وسحب بعض قوات مجموعة «فاغنر» ومغادرة بعض المناطق في جنوب غرب وشرق سوريا. كما جندت موسكو أيضاً مجموعة من الجنرالات المعروفين بوحشيتهم في سوريا من أجل الحرب في أوكرانيا، ما قلل من خبرة روسيا في سوريا مع ظهور تحدياتٍ جديدة على الأرض. كما أعادت روسيا نشر نظام دفاع جوي من طراز S-300 ومقره سوريا في أوكرانيا وقد تضطر إلى سحب أصولٍ عسكرية إضافية.

في حين أن التحول التكتيكي في البصمة العسكرية الروسية في سوريا صغير نسبياً، فإن إعادة ترتيب ديناميكيات القوة على الأرض أكثر أهم بكثير. على مدى الأشهر العشرة الماضية، هناك ثلاثة تحولات استراتيجية تمتلك القدرة على إعادة مشهد الصراع في سوريا وخارجها: تركيا المتمكنة التي لديها أوراق ضغطٍ تسيطر من خلالها روسيا، إيران الانتهازية التي تستغل ما يحصل على الأرض وبذات الوقت تعمّق العلاقات الاستراتيجية مع روسيا، وإسرائيل المتخطبة التي تبحر في توازنٍ غير مستقر بين مصالحها في سوريا ودعمها لأوكرانيا والغرب. حتى الآن، تبدو واشنطن غير مستعدة للتحديات المحتملة والمتمثلة في مواجهة فلول تنظيم داعش، وتخفيف التوترات مع تركيا، واحتواء أنشطة إيران الإقليمية، والالتزام بتعهداتها في الحفاظ على أمن إسرائيل.
في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، يجب على الولايات المتحدة أن تتوقع ديناميكيات القوة المتغيرة في الصراع السوري. وهذا يعني التخطيط لاحتمال عمل تركيا وروسيا والنظام معاً لطرد القوات الأميركية من شمال شرق سوريا، فضلاً عن احتمال اندلاع اشتباكات بين إسرائيل وإيران داخل سوريا.

مخططات تركيا

ناور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ الغزو الروسي من خلال تسليح أوكرانيا بطائرات من دون طيار من جهة، وتوفير ملاذٍ آمن للشركات والمواطنين الروس، والاستفادة من عضوية تركيا في حلف الناتو لإعاقة انضمام السويد وفنلندا، الأمر الذي حول ديناميكية القوة مع روسيا لصالح أنقرة، ووضع الأخيرة كوسيطٍ بين روسيا والغرب. تسعى تركيا بوضوح للتأكيد على هذه الميزة في سوريا، إذ اتهم أردوغان عناصر كردية بارتكاب هجومٍ في 13 نوفمبر/تشرين الثاني في اسطنبول، وكثّف التهديدات بشن توغلٍ آخر في شمال شرق سوريا وسط ضرباتٍ مكثفة من الغارات الجوية والطائرات المسيرة. حتى الآن، تمكنت روسيا من كبح جماح الطموحات التركية، لكن هل ستستطيع الاستمرار بذلك؟
في الأشهر الأولى من الغزو الروسي، استفادت موسكو من نفوذها لدى أنقرة لثني أردوغان عن شن توغلٍ آخر في شمال شرق سوريا على الرغم من تهديدات الرئيس التركي المتزايدة. ومع ذلك، وفقاً لمناقشاتٍ خاصة مع محللين روس مقيمين في موسكو، ومع تحول ديناميكيات القوة وتصاعد الضغط التركي، ورد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على السماح لتركيا بمزيدٍ من الحرية لشن ضرباتٍ بطائرات من دون طيار في مناطق في شمال شرق سوريا محمية بالدفاعات الجوية الروسية، واستهداف القوات الكردية بكثافةٍ أكبر.
ومع الانتخابات التركية المقرر إجراؤها في يونيو/حزيران 2023، يمكن توقع أن يضغط أردوغان على مطالبه بقوةٍ أكبر. تتزايد المخاوف من أن أنقرة ستستغل نفوذها المتزايد لدى روسيا للضغط من أجل انسحابٍ كردي قسري من المناطق القريبة من الحدود التركية أو القيام بغزوٍ محدود في حالة فشل ذلك. إن نفوذ روسيا الأساسي على تركيا الآن اقتصاديٌ فقط. وإذا اعتقد أردوغان أن فوزه في الانتخابات المقبلة يعتمد على توغلٍ سوري آخر، فمن غير المرجح أن تمنع روسيا الهجوم.
في الواقع، قد تكون رغبة روسيا في تهدئة مخاوف تركيا في سوريا أحد العوامل في قرارها قبل أسبوع بعدم الاعتراض على تجديد معبر الأمم المتحدة الحدودي الإنساني في باب الهوى في شمال غرب سوريا. بالنسبة إلى أنقرة، كان تجديد المعبر أولوية، ومن شأن عرقلة روسيا لذلك أن يضر بالعلاقات الثنائية. في الآونة الأخيرة، اقترح أردوغان عقد اجتماعٍ ثلاثي بين تركيا وروسيا وسوريا لمناقشة المخاوف الأمنية التركية وربما العمل على تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، وهي خطوة أخرى تستهدف الكرد في شمال شرق سوريا. تشير قمة 28 ديسمبر/ كانون الأول التاريخية بين وزراء دفاع تركيا وسوريا وروسيا، الأولى منذ الصراع في سوريا، إلى تعميق الرغبة نحو التطبيع. يمكن لهذه التحركات مجتمعةً أن تنبئ بتحولٍ جذري في مشهد الصراع السوري يهدد في نهاية المطاف قابلية الشراكة الأميركية- الكردية ومهمتها في مكافحة تنظيم داعش. يجب على الولايات المتحدة تكثيف الجهود الدبلوماسية مع تركيا بهدف تهدئة التوترات التركية- الكردية في شمال سوريا والعراق كون أن هذا الأمر يهدد المصالح الحيوية للأمن القومي للولايات المتحدة. كذلك يجب على واشنطن أن تسعى إلى تنشيط الحوار بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، وإلا ستواجه واشنطن جهداً ثلاثياً روسياً وتركياً وسورياً للقضاء على الكرد والضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا.

إيران تستغل الفرص

تعاونت روسيا مع إيران في سوريا. وفي ذات الوقت، سعت إلى تقليص نفوذ طهران على الأرض في المناطق الحساسة وتقليل دور القوات المدعومة من إيران في الهياكل الأمنية الرسمية لسوريا. واليوم مع تضاؤل قدرات روسيا في سوريا، قد تكون التكتيكات الإيرانية في ازدياد. يؤكد المحللون الروس أن طهران سعت إلى استغلال الانسحاب الروسي المحدود من مناطق معينة في سوريا، متطلعةً إلى ملء الفراغات الأمنية التي تحصل، لا سيما في جنوب غرب سوريا، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية لإسرائيل. ويتهم الإسرائيليون إيران أيضاً باستخدام المطارات السورية بشكلٍ متزايد لنقل أسلحةٍ متطورة إلى حزب الله، حليفها اللبناني. في دليلٍ على التفاعل المعقّد بين اللاعبين الخارجيين في الصراع السوري، في أوقات التوتر المتصاعد بشكلٍ خاص مع إسرائيل، غضّت موسكو الطرف عن هذه التجاوزات الإيرانية. تشير المناقشات الخاصة مع المحللين الروس إلى أن هذا الأمر كان محاولة متعمدة لمعاقبة إسرائيل على دعمها أوكرانيا.

كما قامت روسيا وإيران بتعميق العلاقات الاستراتيجية بما يتجاوز تعاونهما في سوريا. إذ زودت إيران موسكو طائراتٍ من دون طيار في حربها مع أوكرانيا بما يطور شراكة دفاعية بين البلدين غير مسبوقة. أيضاً، يتشارك البلدان في مواجهة الغرب والتعاون في التهرب من العقوبات والسعي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية وتعميق القرابة الإيديولوجية من خلال معارضتهما النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. يشكّل هذا التحالف الاستراتيجي الناشئ بين روسيا وإيران تهديداً كبيراً لمصالح الولايات المتحدة. لكن على الرغم من ذلك، ستظل علاقات موسكو مع إيران مقيّدة إلى حدٍ ما برغبة روسيا في تعميق العلاقات مع السعودية والخليج بالتوازي مع إدارة علاقاتها مع إسرائيل وتركيا.
لا تزال الولايات المتحدة تبحث عن استراتيجيةٍ طويلة المدى تتصدى للتهديد الذي يشكله التعاون الأمني الروسي- الإيراني المتعمق، بما في ذلك الطائرات من دون طيار والصواريخ الباليستية وحتى الأسلحة الاستراتيجية. مع الفشل المحتمل للاتفاق النووي الإيراني وشبح التعاون الدفاعي الروسي- الإيراني العميق، ينبغي الآن معالجة تهديد إيران للقوات الأميركية في سوريا والعراق، وكذلك التهديد الذي تشكله العناصر الإيرانية في سوريا على إسرائيل. يمكن أن تشكل جهود القيادة المركزية الأميركية المضادة للمسيرات ذات القدرات العالية والمتطورة نقطة انطلاقٍ مهمة ضد هذا التهديد المتطور.

إسرائيل متخبطة

أحدث الغزو الروسي لأوكرانيا شرخاً بين روسيا وإسرائيل. أثارت التوترات بين البلدين التي بدأت في ظل إدارة رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت واستمرت طوال إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لبيد، ديناميكية عسكرية تصعيدية في سوريا. على الرغم من الجهود الإسرائيلية لتبني موقفٍ متوازن من الحرب في أوكرانيا، إلا أن موقف تل أبيب من الحرب أثار غضب موسكو. أطلقت القوات الروسية صواريخ S-300 على طائراتٍ إسرائيلية في المجال الجوي السوري في مايو/أيار 2022. وأشارت الخطوة الروسية إلى أن روسيا يمكن أن تعطّل إجراءات التنسيق بين روسيا وإسرائيل في سوريا. وفي ردٍ روسي آخر غير مسبوق، هددت موسكو بإغلاق وكالة الهجرة اليهودية في روسيا.

من جانبها، شعرت إسرائيل بأنها مضطرة للرد على تكتيكات إيران الانتهازية في سوريا في ضوء تراخي سيطرة روسيا بعض الشيء في الفترة الأخيرة، فانخرطت في هجماتٍ أكثر جرأة للإشارة إلى تصميمها على حماية مصالحها الأمنية مع استغلال قدرات روسيا المتضائلة. شنّت إسرائيل سلسلة ضرباتٍ غير مسبوقة على مدى الأشهر الستة الماضية استهدفت مطاري دمشق وحلب أدت لتعطيلهما مؤقتاً، بما في ذلك الضربة الأخيرة مطلع العام الجاري على مطار دمشق والتي أسفرت عن مقتل جنديين سوريين. كما قصفت إسرائيل مواقع متعددة على طول الساحل السوري، وهي منطقة حساسة بشكل خاص لنظام الأسد.
قد تؤدي عودة بنيامين نتانياهو كرئيسٍ للوزراء إلى تهدئة التوترات بين روسيا وإسرائيل، بالنظر إلى علاقاته الشخصية المتينة مع بوتين. تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي الجديد مؤخراً مع نظيره الروسي، وتعهد بامتناع إسرائيل عن إدانة روسيا علناً. لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أعربت عن قلقها المتزايد بشأن تعميق التعاون العسكري بين موسكو وطهران، ما يشكل تحدياً كبيراً. علاوة على ذلك، تواجه إسرائيل ضغوطاً متواصلة لتوفير أنظمة دفاع جوي إن لم يكن لأوكرانيا فلدول حلف الناتو المجاورة، وهي خطوة قد تؤدي إلى انتقامٍ روسي ضد إسرائيل في سوريا.
تلعب الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في ضمان عدم تحول التوترات الروسية- الإسرائيلية في سوريا إلى بؤرة اشتعالٍ خطيرة. إذا استسلمت إسرائيل للضغط الغربي لتزويد أوكرانيا أو إحدى دول حلف الناتو بأنظمة دفاعٍ جوي، قد تتخذ روسيا مرةً أخرى موقفاً أكثر عدوانية ضد إسرائيل في سوريا. وبالمثل، فإن التعاون الدفاعي والأمني المتنامي بين روسيا وإيران يمكن أن يؤدي أيضاً إلى ردٍ إسرائيلي قوي هناك، خاصةً إذا اختارت روسيا الاستمرار في السماح لإيران بالقيام بعملٍ يُعتبر تهديداً لإسرائيل.
بينما تركز روسيا اهتمامها ومواردها على أوكرانيا، يمكن أن تتأزم الأوضاع في سوريا من جديدٍ مع تداعيات كبيرة على مصالح الأمن القومي الأميركي والاستقرار الإقليمي. تحسباً لهذه التغييرات، يجب على واشنطن أن تضع دمشق ضمن أولويات الأمن القومي للولايات المتحدة. وبشكلٍ أدق، يجب على الولايات المتحدة إطلاق مراجعةٍ جديدة لاستراتيجية سوريا في ضوء ديناميكيات الصراع المتغيرة، وأن تعزز مشاركتها الدبلوماسية والأمنية، وتعيّن مبعوثاً خاصاً لسوريا يمكنه التعامل مع العديد من التحديات الناشئة عن المشهد المتغير للصراع.
يجب أن يستكشف هذا المبعوث الجديد كيف يمكن للولايات المتحدة حشد رأس مالها الدبلوماسي لمعالجة التوترات المتصاعدة حيثما أمكن، وإعطاء الأولوية للصراع التركي- الكردي، وكيفية تعزيز الترتيبات الأمنية للاستعداد لتحول الديناميكيات على الأرض. في نهاية المطاف، ينبغي على الولايات المتحدة تشكيل بنيةٍ أمنية إقليمية جديدة مع دخول المنطقة مرحلة حرجة تتميز بالتعاون المتزايد بين روسيا وإيران إلى جانب انهيار الاتفاق النووي الإيراني.

المصدر:مركز تكساس لمراجعة الأمن القومي