روس وأتراك

محمد سيد رصاص

هناك حروبٌ بلغت رقم الاثني عشر حرباً بين روسيا والدولة العثمانية في الزمن الفاصل بين القرنين السادس عشر والعشرون. ووجدت الدولة الروسية، بعد تأسيسها من قبل إيفان الرهيب في 1547 وهو الذي اعتبر العاصمة موسكو بمثابة «روما الثالثة» بعد «روما الثانية» أي القسطنطينية، نفسها في صدامٍ تلقائي مع العثمانيين، بما أن إيفان الرهيب اعتبر موسكو عاصمة العالم الأرثوذكسي الذي أسقط السلطان محمد الفاتح عاصمته السابقة.

كما أن مجالات التوسع الجغرافي الروسي في السواحل الشمالية للبحر الأسود وفي القفقاس جعلت الدولتين في صدامٍ خلال القرن الثامن عشر ثم أضيف البلقان كميدانٍ للصراع في القرن التاسع عشر مع حمل الروس راية السلافية. وعندما اجتمعت الدول الثلاث: بريطانيا وفرنسا وروسيا في 1915 على مخطط تقاسم تركة الدولة العثمانية، كانت اسطنبول والبوسفور والدردنيل من حصة الروس الذين ما لبثوا أن انسحبوا بعد 1917. حاول فلاديمير لينين تعديل مسار أربعة قرونٍ خلت من الصدام حينما فتح خطاً تقاربياً بين 1921-1922 مع مصطفى كمال (أتاتورك) الذي دخل حينها في صدامٍ مسلح مع القوى المحتلة للأناضول واسطنبول وسواحل تركيا الحالية على بحر إيجة. ولكن معاهدة لوزان التي عقدها مصطفى كمال مع تلك القوى المحتلة عام1923 وتم من خلالها انشاء الدولة التركية جعلت أنقرة في مسارٍ بعيد عن موسكو على الرغم من محاولات جوزيف ستالين اللاحقة للتقارب مع أتاتورك. وإذا كانت تركيا اتخذت موقف الحياد في الحرب العالمية الثانية جرّاء الفاتورة التي دفعتها لتحالفها مع الألمان في الحرب العالمية الأولى ومخاوفها من أن الانخراط مع الغرب سيجعل ستالين في وضعٍ ملائم لالتهام تركيا بعد معاهدته مع برلين في 1939، فإن انخراطها ضد الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة وانضمامها إلى حلف الناتو في 1952 كان على الأرجح مساراً يعبّر عن استمرارية تناقضية ترسم العلاقة بين الطرفين منذ أربعة قرون.

لم تقد نهاية الحرب الباردة إلى تقارباتٍ روسية-تركية، بل وجدت أنقرة نفسها في تنافسٍ مع موسكو على التركة السوفيتية لجمهورياته الإسلامية (أذربيجان- تركمانستان- أوزبكستان– كازاخستان- قرغيزستان) التي تنتمي خمسٌ منها لغوياً إلى العائلة اللغوية التركية ويعتبرها الطورانيون الأتراك جزءاً من العالم القومي التركي الذي يمدوه من السواحل التركية على بحر إيجة وحتى تركستان الصينية. وحاولت أنقرة طوال ربع قرن أعقب تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 بناء نفوذٍ اقتصادي يربط تلك الجمهوريات بها من خلال أنابيب النفط والغاز التي تصلها عبر تركيا بالقارة الأوروبية، إضافةً لمحاولة إقامة جامعة تركية على طراز جامعة الدول العربية تجعل تلك البلدان على ارتباطٍ بالمركز التركي تماماً كما فكر المصريون في الأربعينيات عند انشاء الجامعة العربية. كما أن وصول رجب طيب أردوغان وحزبه للسلطة في أنقرة عام 2002 تلاقى مع مشاريع أميركية لاستخدام تلاميذ حسن البنا من قبل واشنطن ليس فقط ضد زعيم تنظيم القاعدة حينها أسامة بن لادن بل أيضاً ضد الروس والايرانيين، وهو ما أثار الارتباك في موسكو، إذ أن هناك عشرات ملايين المسلمين في الاتحاد الروسي. وبين 2011 و2013 حينما طبقت المشاريع الأميركية في تونس والقاهرة، كان لأردوغان دوراً وثيقاً مع إدارة الرئيس الأميركي حينها باراك أوباما.

انقلبت الأمور في صيف 2013 حينما تخلّت واشنطن عن زواجها القصير مع الإسلام الاصولي بطبعته الإخوانية وعادت إلى أسلوبها القديم في الاعتماد على الأنظمة العسكرية العربية. وكان أول مؤشرات ذلك دعمها انقلاب عبدالفتاح السيسي على الإسلاميين في القاهرة، ما أدخل واشنطن وأنقرة في تباعدٍ وصدام. وهناك مؤشراتٍ على ضلوعٍ أميركي في محاولة الانقلاب العسكرية التركية الفاشلة التي جرت ضد أردوغان في 2016، وهو أمر قاله مسؤولون أتراك صراحةً. بعد أسابيع، التقى أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في موسكو ورسِمت تقاربات ما زالت مستمرة حتى الآن، كان أولها مشروع خط أنبوب الغاز الروسي عبر البحر الأسود حتى الساحل التركي شمال اسطنبول ومن هناك إلى أوروبا. ثم تلاقت موسكو وأنقرة في الملف السوري، إذ أخذ الأتراك خط جرابلس- الباب- إعزاز عام 2016 ومنطقة عفرين ومدينتها في 2018 وخط تل أبيض- رأس العين (سري كانيه) بعدها بعام، مقابل تسهيل اخلاء المسلحين الإسلاميين المعارضين من شرق مدينة حلب ومناطق الغوطة وحوران وشمال حمص، إضافةً إلى انخراط تركيا في مساري أستانة وسوتشي بما يخص الملف السوري مع روسيا وايران والابتعاد عن المقاربات الأميركية.

يمكن هنا اعتبار تاريخ 2016 مساراً جديداً للعلاقة بين الروس والأتراك يختلف عن مسار خمسة قرون بدأت في 1547. يبدو من المتانة بحيث لا تهزه أو تهدمه الخلافات التركية- الروسية في ملف الأزمة الليبية حيث تدعم موسكو اللواء خليفة حفتر في الشرق فيما تدعم أنقرة الإسلاميين في الغرب الليبي، ولا خلافاتهما في الصراع الأذربيجاني- الأرمني حيث تدعم أنقرة باكو فيما تؤيد موسكو يريفان. ويلاحظ هنا أن الصدام الذي مثلته الحرب الأوكرانية بين موسكو وواشنطن، وهو صِدامٌ يصل لمستوى صدامهما في الحرب الباردة 1947-1989، زاد من تقارب موسكو وأنقرة وباعد بين الأخيرة وواشنطن. ويمكن استخدام مسطرة عشرة أشهر ونصف من تلك الحرب لقياس المسافتين الجديدتين بين أردوغان وكلٍ من الكرملين والبيت الأبيض. يتوجب هنا دراسة هذه العلاقة بين بوتين وأردوغان وفحصها. فما عرضه الرئيس الروسي قبل ثلاثة شهور من تحويل تركيا إلى المركز الوحيد لتوزيع الغاز الروسي إلى أوروبا، مع الاستغناء عن خطوط أنابيب الغاز المارة عبر أوكرانيا أوالمارة عبر بحر البلطيق، يوحي بثقةٍ روسية من أن العلاقة مع أنقرة هي بالغة المتانة. وهو عرضٌ مغري يسيل له لعاب الأتراك ويجذبهم لروسيا. كما يدرك الكرملين أن إقامة هذا الخط ستجعل تركيا في مدارٍ استقطابي بعيداً عن مدار حلف الناتو أو سيجعل وجودها هناك مزعزعاً وموضعاً للشكوك الغربية الأميركية-الأوروبية. كما أن هذا الخط سيدفع تركيا إلى عدم التفكير مستقبلاً (كما فكرت وقطر عام 2009 بممرٍ لخط الغاز القطري عبر سوريا إلى تركيا ومنه إلى أوروبا) في أن تكون ممراً لخطوط أنابيب غازٍ من قطر أومن ايران يمكن أن تكون بديلاً فعلياً عن الغاز الروسي للأوروبيين. فيما لا تشكل خطوط أنابيب الغاز الآتية من أذربيجان أو تلك المزمع إقامتها من تركمانستان، وكلاهما عبر تركيا إلى القارة الأوروبية، بديلاً كافياً للغاز الروسي كما الغاز القطري أو الايراني. ليس غريباً، والحال كذلك، أن يفكر بوتين في استقطاب أنقرة نحو معسكرٍ بدأ يتشكل، خاصةً مع توترٍ دفع باتفاقيات حلف الناتو مع الاتحاد الأوروبي والاتفاقيات التي بين واشنطن وطوكيو تركز على التحدي”الذي تمثله الصين. بين موسكو وبكين، معسكرٌ أصبحت ايران العضو الثالث فيه على ما يبدو مع ابتعاد طهران عن إحياء الاتفاق النووي. وتدل المؤشرات على أن بوتين يفكر في جعل أردوغان رابع عضو في هذا المعسكر. وبالتالي، هدم جدارٍ كبير في بناء حلف الناتو. من هذا المنطلق، يجب التفكير في تقاربات موسكو وأنقرة الأخيرة تجاه الموضوع السوري، الذي أصبح جزئية صغيرة في الكتلة الكلية لحجم العلاقات بين الروس والأتراك.