من المسألة الشرقية إلى الناتو.. كيف أصبحت «أرضروم» ساحة للصراع الدولي؟

حسين جمو
حتى مطلع القرن التاسع عشر، أو النصف الأول منه، بين 1800 – 1850، كانت منطقة كردستان العثمانية خارج السياسات الدولية. لا سياسات دولية خاصة لتمريرها في هذه المنطقة، عدا توغلات روسية مرحلية كانت تصل إلى أطراف أرضروم (أرض الروم). ونتيجة السياسات الروسية، ظهر في العلاقات الدولية وعالم الاستخبارات والسياسة اسم مدينة جديدة هي أرضروم، فتأسست قنصليات أجنبية في هذه المدينة. ومنها، كان يتم رسم السياسات الخاصة بكردستان وأرمينيا. وللعلم، فإن أرضروم اليوم هي مركز العمليات الاستخباراتية لحلف شمال الأطلسي في تركيا.
في واحدة من مآثره الوطينة، رافق الشاعر ألكسندر بوشكين الجيش الروسي بقيادة الجنرال الشهير باسكيفيتش في حملةٍ عسكرية لاحتلال أرضروم عام 1829. دوّن بوشكين وقائع رحلته، ومنها لقاءه مجموعةً من الإيزيديين الموالين للروس، وقال إن عددهم على خط الحملة الروسية 300 عائلة يقطنون قرب سفح جبل آرارات. وتعد سردية بوشكين لوقائع الحملة أفضل تقريرٍ ميداني يمكن العثور عليه بخصوص احتلال روسيا لأرضروم واستسلام الجيش العثماني. ولم يكن وصفه للمدينة يشي بأي رقيٍ مدني أو تجاري هناك، إذ كانت ممراً للبضائع، لكن لم يكن بإمكان أهلها شراء أي شيء من هذه البضائع المتكدسة في الخانات. ويلفت إلى مسألة سيكون لها دور لاحقاً في تشكيل هوية المدينة، وهي النظرة السلبية لسكان أرضروم تجاه إسطنبول، إذ كانت المدينة تتعرض لحملةٍ روسية تلو أخرى، وتفقد قسماً من سكانها في كل مرة. فحين يستولي الروس على أرضروم، ينزح القسم الأكبر من سكانها المسلمين. وحين يعود العثمانيون للسيطرة، ينزح القسم الأكبر من الأرمن. وفي قصيدةٍ يوردها بوشكين نقلاً عن أحد شعراء أرضروم، وهو الجندي العثماني أمين أوغلو، ومنها:
إسطنبول تخلت عن النبي 
من أجل المتعة خانت إسطنبول الصلاة والسيف 
لكن أرضروم الجليلة ليست بهذا الحال 
أرضروم مدينتنا ذات الطرق الكثيرة 
نحن لا ننام في ترف العار 
نحن نصوم: يقدم لنا الماء المقدس من دون أن نسكر
وينطلق فرساننا إلى المعركة 
بحشدٍ سريع من الرجال البواسل 
في العام 1838، زار القنصل البريطاني في أرضروم جيمس برانت سكواير عشرات القرى والمدن في منطقة التماس التاريخية بين الروس والعثمانيين، وهي أرضروم وبايزيد ووان وموش. اصطحب برانت معه الضابط البحري البريطاني آدم كيفورد كوت والطبيب الجراح إدوارد ديسكون. وتعد رحلة برانت واحدة من أغنى الاستطلاعات الاجتماعية والجغرافية في تلك الحقبة، إذ حرص على تحديد مسار رحلته بدقةٍ مع قياس ارتفاع القرى والمدن عن مستوى سطح البحر، فضلاً عن رصد الطبيعة السكانية والاقتصاد ونسبة الأرمن والكرد في كل تجمعٍ بشري، والعلاقة بين الزعماء الكرد والسلطات العثمانية. على أن هذه السطور ستختص بأرضروم وبلدة «حسن قلعة» التي لها مكانة خاصة في التراث الشفهي المرتبط بمقاومة العشائر الكردية ضد توغلات الإمبراطورية الروسية. وبينما اعتبر الأتراك أرضروم قلعةً لحماية الأناضول في الغرب، اتخذ الكرد من «حسن قلعة» التي تعرف اليوم باسم «باسينلر» (دشتا باسين بالكردية) شرقي أرضروم، جداراً لحماية كردستان.
لاحظ برانت بوضوحٍ تأثير التوغلات الروسية على النمو السكاني، إذ كان النزوح كبيراً لدرجةٍ وجد قرىً شبه خالية، خاصةً من الأرمن الذين رافقوا الجيش الروسي خلال انسحاباته المتكررة من المنطقة، إذ كان السكان المتعاونون معه يخشون الانتقام. ولم تكن للامبراطوريات في السابق، كما اليوم، سياساتٍ حريصة تجاه السكان. إذ أن جل ما كانت تهتم به هو الجغرافيا. ويصح أن نطلق على حروب القرن التاسع عشر بأنها حروب الجغرافيا المحضة. فتك هذا النزوح بالشعبين الكردي والأرمني قبل أكثر من 75 عاماً من الإبادة الوحشية ضد الأرمن.
كيف نالت أرضروم هذه المكانة؟
في كتابها «ثقافة التصوف.. النقشبندية في العالم العثماني»، ترصد الباحثة دينه لي غال التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت فرض المذهب الشيعي، الاثني عشري، في إيران مطلع العهد الصفوي. أدى ذلك إلى تعديل مسار طريق التجارة البري الذي كان يمر من تبريز – دياربكر– حلب. فبات التجار والحجاج يسلكون درباً آخر يبدأ من وسط آسيا إلى القوقاز ثم إلى اسطنبول عبر البحر الأسود. وحين كان الطريق يعود بشكلٍ متقطع، فإن مساره الجديد بات يمر من أرضروم شمالي دياربكر. وحملت المدينة اسم عدة اتفاقيات دولية، منها معاهدة أرضروم الأولى في 1823 ومعاهدة أرضروم الثانية عام 1847 بين الدولتين العثمانية والقاجارية الإيرانية. وتمحورت المعاهدتان حول البند الأول «تعهد الدولتين بعدم التدخل في كل من بغداد وكردستان ضد بعضهما البعض». كما تضمنت المعاهدة الأولى وقف حركة انتقال القبائل الكردية على الحدود بين البلدين. وبالتالي، انقطعت مشاتي هذه القبائل عن مراعيها الصيفية بسبب هذه الحدود.
وتنامت مكانة أرضروم مع مرور الأعوام على حساب ولاية دياربكر ومركزها آمد، إذ بقيت دياربكر عاصمة السلطة السياسية العثمانية في الشرق. لكن القوى الدولية تمركزت في أرضروم، كما رابطت القوة العسكرية العثمانية الكبرى في أرضروم أيضاً لحماية دياربكر والأناضول من الهجمات الروسية.
وكتب الضابط الروسي بروسكاريوكوف، الذي قضى منذ عام 1842 سنواتٍ عديدة في مناطق الحدود بين العثمانية وروسيا ووضع خرائط مهمة لأرضروم وامتداداتها:
«يمكن اعتبارها (أرضروم) نقطة التقاءٍ لتجارة آسيا الصغرى، لأن الوضع الجغرافي لكردستان، الممتدة على طرق الاتصال المباشرة لتبريز مع طرابزون واسطنبول، جعل من أرضروم مركز تجميعٍ للبضائع بين هذه المدن». (كمال مظهر أحمد – كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى).
وتُسلّط رسالة وجهها القنصل الروسي في أرضروم أوبرميلر إلى سفير بلاده في اسطنبول أغناتييف بتاريخ 28 فبراير/شباط 1873 الضوء على خروج المسألة الكردية من أيدي العثمانيين لصالح بريطانيا:
«إن الدور الأول في المسألة الكردية لا يلعبه الأتراك وإنما الانكليز، وإن القنصل الانكليزي المحلي (في أرضروم) لديه أدق التعليمات حول مهمة القضاء التام وإلى الأبد على المقاومة الكردية، ولأجل هذا الغرض فإن السفير الانكليزي في اسطنبول، المدعو إيليوت، يملك قائمة بأسماء الأكراد المتنفذين، وهو بسبيل استصدار أوامر نفيهم من كردستان». (خالفين – الصراع على كردستان – ص90).
تزامن اضطراب منطقة كردستان وخرابها مع توغّل بريطانيا في عمق الأناضول، إذ تم القضاء على الإمارات الكردية الأربعة الأخيرة: بوطان، راوندوز، السليمانية والعمادية. ويتوضح ذلك في مذكّرة خاصة أعدها السياسي وعالم الآثار البريطاني أوستن هنري ليارد واعتمدها السفير البريطاني في اسطنبول اللورد ستافورد كانينغ، إذ جاء فيها مخططٌ لمشروعٍ قَلَبَ عالي كردستان سافلها وأسس لبذرة المركزية التركية، ومن بين ذلك: الدعوة إلى فتح طريقٍ جديد إلى وسط إيران من خلال إسطنبول – أرضروم – تبريز. وكان لايارد واضحاً في تبرير طلبه عدم فتح طريق يمر من طريق كردستان التقليدي (إسطنبول – دياربكر – أصفهان). ففي وسط هذه المنطقة، تسكن «القبائل المتوحشة والمشاغبة»، على حد تعبيره.
لاحقاً، اتخذت الحركة القومية الكردية من أرضروم منطلقاً لخططها السياسية. وكانت البداية مع عبدالرزاق بدرخان ضمن عمل «لجنة الإرشاد» بعد مؤتمر سرّي عقده القادة الكرد في أرضروم بتاريخ مايو/أيار 1913. ودائماً حين يكون مكان أي اجتماعٍ دولي أو محلي في أرضروم، فهذا يعني وجود نفوذ روسي على أحد المجتمعين.
في عام 1919، شهدت أرضروم أول مؤتمرٍ يعقده مصطفى كمال عقب خروجه من إسطنبول لتنظيم المقاومة في الشرق ضد احتلال الحلفاء للقسم الغربي من الإمبراطورية. هناك، اجتمع مصطفى كمال مع بقايا الجيش الذي كان يقوده مصطفى قره باكير والزعماء الكرد.
عكَس صعود نجم أرضروم تغيّراً في الجيوسياسيا الدولية. وهو ليس مجرد انزياحٍ اعتباطي للمركز من دياربكر إلى تلك البلدة الصغيرة وغير المهمة سكانياً حتى ذلك الحين، إذ تزامن ذلك مع ظهور ما سمي بـ«المسألة الشرقية» وهو التنافس البريطاني -الروسي على النفوذ في آسيا. وتحظى أرضروم بأفضليةٍ جغرافية في حالات الصراع كونها خط تماس امبراطوري بين روسيا وإيران والعثمانية. كما تتمتع بتعددية إثنية ودينية متطرفة، إن صح القول، إذ تتقاسم النفوذ فيها قبائل كردية وفلاحون أرمن أشداء في القتال وقت الحاجة، مع حضورٍ لقبائل تركمانية.
في كتابه «العمق الاستراتيجي»، يتطرق أحمد داوود أوغلو إلى مركزية أرضروم في السياسات الاستراتيجية منذ القرن التاسع عشر. وذكر أرضروم في فصلٍ ناقش فيه السياسات التي اتبعها الاتحاد والترقي على مبدأ «السيادة المطلقة أو التخلي المطلق»، فكتب: «شهدت منطقة القوقاز المصير نفسه منذ حرب 1893، عندما انقطعت علاقاتنا مع شمال وشرق مرتفعات أرضروم. ومنذ ذلك الوقت، شكّلت هذه المنطقة عائقاً أمام انتشار الاستراتيجية الروسية- السوفييتية التوسعية نحو جنوب وغرب مرتفعات أرضروم، والتي تعتبر النقطة الأساسية في الجغرافيا السياسية للأناضول»، وذكر داوود أوغلو مثالين نتجا عن سياسة «السيادة المطلقة أو التخلي المطلق»: انسحاب أنور باشا من ساريكاميش وترك المنطقة كلياً للروس عام 1915، والهجوم المضاد لكاظم قره باكير عام 1917 – 1918 تزامناً مع الثورة البلشفية في روسيا.
يلفت داوود أوغلو (ص 79) إلى أن استراتيجية حلف شمال الأطلسي الجديدة تركّزت على الدفاع عن جنوب وغرب هضبة أرضروم «وتم إجراء حسابات حول مقدار الخسارة التي ستلحق بالقوات الروسية المتقدمة حتى سهل قونيا».