النزعة التوسعية التركية

محمد سيد رصاص
ذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء الماضي أن «التوجه إلى أي مكانٍ يبدأ فيه أمن بلدنا هو حقنا الشرعي.. لقد رسمنا هذا الخط بالفعل على بعض من أجزاء حدودنا مع سوريا والعراق . ولا أحد في المستقبل يستطيع منعنا من سحب الخط الأمني إلى حيث يجب أن يكون».
يمكن ربط هذا التصريح بحديثٍ مماثل أطلقه الروس تجاه المسألة الأوكرانية قبل الغزو الحالي حينما كانوا يقولون إن توسع حلف الناتو إلى أوكرانيا مهددٌ للأمن الروسي. ثم رأينا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 30 سبتمبر/أيلول يضم أربع مقاطعات أوكرانية إلى بلاده بعد استفتاءاتٍ جرت تحت حراب روسيا. كان بوتين صريحاً بالتعبير عن نظرته في خطاب 21 فبراير/شباط الماضي عندما اعتبر أن أوكرانيا دولة مصطنعة أقيمت على أراضٍ روسيّة تاريخياً. وقال بوتين في خطابه إن الزعيم السوفييتي فلاديمير لينين «لم يسأل ملايين الروس هناك ما الذي يريدونه» حينما أسس أوكرانيا السوفييتية. وبدورهم، توسّع الإسرائيليون منذ قيام دولتهم في 1948 وضموا أراضٍ بداعي الأمن. هذا ما يصدر عنهم بشأن مرتفعات الجولان السوريّة، فيما يقولون إن توسعهم الاستيطاني في الضفة الغربية مردّه حقٌ تاريخي إضافةً إلى الأسباب الأمنية.
أما لدى الأتراك، فخطابهم يتذرع بالأمن والنزعة التوسعية على حدٍ سواء، مغلّفة بالإيديولوجية التي وجدت منذ قيام الدولة التركية في أكتوبر/تشرين الأول 1923. ولربما كان العامل الأول غطاءً للثاني. ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على سوريا بل شمل العراق، إبان المطالبة بالموصل قبل قرن، وشمال قبرص، مع غزو الجزيرة المتوسطية صيف 1974 والذي انتهى بإنشاء دولة دمية سلخوها عن الدولة القبرصية تحت حراب الجيش التركي.
تُرجمت هذه النزعة التوسعية التركية تجاه الأراضي السورية في سلخ لواء إسكندرون بين عامي 1937 و1939 وضمّه للأراضي التركية. وفي 1941، حينما كانت حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان تسيطر على سوريا ولبنان، طلب الفرنسيون من الأتراك السماح بمرور قطارات إمدادٍ لجيشهم عبر تركيا في ظل حصارٍ بحري بريطاني للسواحل السورية واللبنانية وسيطرة لندن على فلسطين والعراق والأردن. فما كان من الأتراك إلا أن طالبوا بسلح حلب ومنطقة الجزيرة وضمّها لتركيا في المقابل، وهو الطلب الذي قوبل برفض الماريشال بيتان رئيس حكومة فيشي (ميشيل كرستيان دافيه: «المسألة السورية المزدوجة في ظل الحرب العالمية الثانية»، دارطلاس، دمشق 1984، صفحة 247).
كان واضحاً مع بدء الأزمة السورية في 2011 أن هناك غطاءً أميركياً من أجل أن تكون تركيا رأس حربة تحالفٍ أميركي- تركي – خليجي يتولى إسقاط السلطة السورية لإقامة سلطة بديلة عمادها المجلس الذي تشكّل في اسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام وسيطر عليه الإسلاميون. ولم تكن واشنطن، في تلك الفترة، لتمانع تولي الإسلاميين السلطة في مصر وتونس. وعلى الأرجح، طلب المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمون في سوريا رياض شقفة، من اسطنبول، تدخلاً عسكرياً تركياً حسب سيناريو مرسوم تركيّاً وموافق عليه في واشنطن، ولكن عرقلته عملية إرسال بوارج أسطول البحر الأسود الروسية إلى مرفأ طرطوس في الأسبوع التالي لهذا التصريح. لربما فكّر أردوغان في إنشاء نظامٍ إسلامي موالٍ للأتراك، بتشجيعٍ من واشنطن، يسيطر على دمشق، مثلما فعل الإيرانيون في بغداد عبر حزب الدعوة، أي إلحاق بلدٍ بآخر. وعلى الأرجح، أن دعوات المجلس بتأسيس «مناطق آمنة» للاجئين و«مناطق حظر طيران» والتدخل عسكرياً، لاقت صدىً مرحّباً لدى النزعة الوسعية التركية المغلّفة بقناع «مساعدة المعارضة الإسلامية  السورية» التي رغبت في حملها بالمظلة التركية إلى كرسي السلطة، أو بأيادٍ تركية مفتوحة لاستقبال اللاجئين السوريين تحت شعار «أنتم المهاجرون ونحن الأنصار»، وفق قول أردوغان، ولكن ليس في موقع الأوس والخزرج عند العودة لفتح مكة بل في الموقع الآخر.
ولكن، وبعد الاتفاق الروسي- الأميركي في موسكو في مايو/أيار 2013، بدا من الواضح أن سياسة واشنطن تجاه الإسلاميين تغيّرت وبات التوجه الأميركي بتسليم الروس زمام الملف السوري بدلاً من الأتراك، الأمر الذي تُرجم في اتفاق سبتمبر/أيلول 2014 بشأن الكيماوي السوري وفي الاتفاق الروسي- الأميركي بشأن القرارين الأممين 2118 و2254 ومؤتمري جنيف 2و3 بشأن سوريا. هنا، استغل أردوغان بوادر الخلاف الروسي- الأميركي بعد فشل مؤتمر جنيف2 في 2016 واتجه نحو التحالف مع موسكو في سوريا مقابل تسهيل انسحاب الإسلاميين من شرق حلب، ليحصل، بتواطىءٍ روسي، على شريط جرابلس- الباب بين أغسطس/آب 2016 وفبراير/شباط 2017. ومن ثم، تواطأت موسكو وأنقرة من أجل استيلاء الأتراك على عفرين في 2018 مقابل تسهيل تركيا انسحاب المسلحين الإسلاميين من الغوطة وحوران. وأخيراً في 2019، اتفق الكرملين وأردوغان على سيطرة الأتراك على شريطٍ من الأراضي السورية يمتد بين تل أبيض ورأس العين- سري كانيه.
هذه هي الخطوط الأمنية التي تحدث عنها أردوغان الثلاثاء الماضي. وهو يلمح بتصريحه هذا إلى مدّها نحو مناطق أخرى على الأرجح لتشمل تل رفعت ومنبج وعين العرب- كوباني. وبذلك، يكون للأتراك شريطاً حدودياً متصلاً من قرب بلدة ربيعة في محافظة اللاذقية وحتى رأس العين– سري كانيه. وإن ربطنا هذه «الخطوط الأمنية» مع تصريحاتٍ يطلقها مسؤولون في حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان عن أن مدة معاهدة لوزان تنتهي في يوليو/تموز المقبل، أي بعد مرور قرنٍ على توقيعها، وأن تركيا ستكون في حلٍ من تلك المعاهدة التي تعترف أنقرة فيها بالحدود القائمة مع الدول المجاورة، يمكننا أن نفهم أن «الخطوط الأمنية» عند أردوغان هي غلافٌ رقيق لنزعةٍ توسعية تركيّة. وعلى الأرجح، أن أردوغان يفكر بضم أراضٍ سوريّة يسيطر عليها الآن في تكرارٍ لما فعله بوتين عبر استفتاءات ضم المقاطعات الأوكرانية الأربع إلى روسيا، خاصةً إن طال حل الأزمة السورية ودخلت مرحلة «القبرصة».