تركيا تضغط على حلفائها في الشمال السوري عبر ورقة هيئة تحرير الشام

فهيم تاشتكين

تبذل تركيا جهوداً لإعادة تنظيم حلفائها في شمال سوريا، حيث تفيد التقارير أنها تستخدم التهديدات والإنذارات النهائية لتأديب الفصائل  التي دعمت القوات التركية في جيوب غصن الزيتون ودرع الفرات في ريف حلب. كما تستخدم تركيا هيئة تحرير الشام الجماعة الجهادية المسيطرة على محافظة إدلب كعصا في جهودها لدفع الفصائل إلى تشكيل قيادة عسكرية مشتركة وهيكل إداري مشترك.

وتأتي هذه التطورات بعدما دخلت هيئة تحرير الشام الشهر الماضي إلى عفرين، مستغلة الخلافات بين حلفاء تركيا من الجيش الوطني السوري، وأطاحت بالفيلق الثالث للجيش الوطني بقيادة الجبهة الشامية وحاولت التقدم إلى بلدة أعزاز الحدودية. في المحادثات التي أشرفت عليها تركيا، توصلت هيئة تحرير الشام إلى اتفاق مع الفيلق الثالث في 14 تشرين الأول (أكتوبر)، حيث ورد أنها فرضت شروطاً على توحيد القيادات العسكرية والإدارات المدنية. وبحسب الاتفاق منحت تركيا هيئة تحرير الشام حتى 21  تشرين الأول (أكتوبر) للانسحاب إلى إدلب. يزعم البعض أن هيئة تحرير الشام تواصل إبقاء بعض قواتها بشكل غير علني.

وبعد الهدنة أجرى مسؤولون استخباراتيون وعسكريون أتراك محادثات مع كل من هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري. وكان آخر اجتماع لهم  في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) في  عنتاب الحدودية التركية مع قادة فصائل الجيش الوطني السوري، بما في ذلك فرقة حمزة وفرقة سليمان شاه، التي انحازت إلى هيئة تحرير الشام وآخرين. لكن رفض قادة بعض الفصائل  الحضور، وخرجوا باحتجاجات ضد المسؤولين الأتراك.

ووفقاً للعديد من التقارير الإعلامية كان الاجتماع قصيراً، وجه خلاله المسؤولون الأتراك الأوامر إلى قادة الجيش الوطني السوري. كان مفادها أن تتحد الفصائل تحت قيادة مشتركة وأن تغلق غرف العمليات المنفصلة، وأن تتنازل عن جميع نقاط التفتيش  لجهاز أمني مشترك، وأن تسلم السيطرة على المعابر مصدر الإيرادات المربحة إلى لجنة مالية وإنشاء صندوق مشترك. كما حذر الأتراك من أن استمرار النزاعات الداخلية قد يؤدي إلى حل هذه الجماعات.

إضافة إلى ذلك، تم إخبار القادة بأن جميع التنسيق والاتصالات مع تركيا ستتم الآن عبر لجنة استشارية تمثل فيالق الجيش الوطني الثلاثة  والحكومة المؤقتة التي أعلنتها المعارضة المدعومة من تركيا. ورداً على اتصالات بعض الفصائل مع الولايات المتحدة، مُنعت الفصائل من البحث عن قنوات اتصال منفصلة مع المسؤولين الأتراك أو الأطراف الأجنبية.

وحذرت تركيا  الفصائل  أن لديها خيارات أخرى بديلة عنهم إذا لم يتفقوا وينظموا أنفسهم، في إشارة إلى أن تركيا قد تسمح لهيئة تحرير الشام بتولي السيطرة العسكرية والإدارية في ريف حلب.

لا تحتوي التسريبات من الاجتماع على أي معلومات حول دور محتمل لهيئة تحرير الشام، وإنما فقط تطالب الفصائل  بالعمل تحت مظلة فيالق الجيش الوطني الثلاثة. بناءً على هذه المعلومات، لا يبدو أن هناك أي ترتيبات جديدة إلى الآن تقوم بها أنقرة تخص هيئة تحرير الشام في إدلب.

وبحسب صحيفة أيدينليك التركية اليومية، فقد استمر الاجتماع 27 دقيقة فقط، وقال المسؤولون الأتراك إن هيئة تحرير الشام ستُخرج بالكامل من عفرين، وستعاقب فصائل الجيش الوطني التي سهلت زحفها إلى المدينة ولا سيما أحرار الشام، فرقة حمزة، سليمان شاه، وفيلق الشام.

في غضون ذلك، قالت صحيفة “تركيا” اليومية الموالية للحكومة إن الاجتماع كان “علامة فارقة” في إعادة تنظيم المعارضة المسلحة في سوريا واستمر أربع ساعات. وكتبت أن الفصائل “يجري إعادة تصميمها من الصفر”. وأوضح المسؤولون الأتراك أن ” لا يمكن للوضع الحالي أن يستمر، ومن الضروري تحويل المجموعات المتمركزة حول الأفراد والمتمركزة محلياً إلى جيش نظامي”.

وفي السياق ذاته، كتبت جريدة الأخبار اللبنانية  أن أنقرة خوفاً من توسع هيئة تحرير الشام أعطت فصائل الجيش الوطني الأمل في استعادة خارطة سيطرتها، لكن الاجتماع كان صادماً لقادة الجيش الوطني ليس فقط بسبب مدته – 40 دقيقة على الأكثر، وفقاً للصحيفة، ولكن أيضاً لأنه لم يُسمح لهم بالتحدث لأن المسؤول التركي أعطى الأوامر ولم يترك مجال لغيره.

ولم يتضح بعد كيف ستتم إزالة هيئة تحرير الشام من عفرين أو من سيشرف على خطوات توحيد الفصائل، حيث قالت مصادر معارضة لـ “الأخبار” إن الفصائل مُنحت حتى نهاية العام لاستكمال الخطوات، ونفت أي تعهد تركي بمعاقبة الفصائل المتعاونة مع هيئة تحرير الشام.

فيما قالت الصحيفة الوطن اليومية الموالية للحكومة السورية، انزعج قادة الجيش الوطني السوري بشدة من المعاملة التي تلقوها، ومن اتهام بعض القادة قبوله رشاوى لتسهيل انتقال هيئة تحرير الشام إلى عفرين. وبحسب ما ورد هدد الجانب التركي بإجراء تحقيق واعتقال ومصادرة ممتلكات أولئك الذين يخالفون التعليمات الواردة في الاجتماع.

وأضافت الوطن إن هيئة تحرير الشام والفيلق الثالث اجتمعا في 30  تشرين الأول (أكتوبر) في إدلب بعد صفقة 14 تشرين الأول، التي زعمت أنها رعتها منظمة المخابرات الوطنية التركية (MIT)، وكبح نفوذ جبهة الشام. وزعمت أن نية تركيا النهائية هي السماح لهيئة تحرير الشام بالسيطرة على الباب وجرابلس وإعزاز.

وقبل الاجتماع في عنتاب، التقى مسؤولون أتراك بممثلي هيئة تحرير الشام في بلدة أطمة القريبة من الحدود التركية في إدلب. منذ ذلك الحين، لم يبد زعيم هيئة تحرير الشام محمد الجولاني أي علامة على التراجع عن طموحاته لتوسيع قبضته في ريف حلب. وبحسب ما ورد، فإن هيئة تحرير الشام واثقة من أن فصائل الجيش الوطني السوري ستفشل في إعادة تنظيم نفسها بحلول نهاية العام وأن خططها ستتحقق.

يُزعم أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد عاقب الجبهة الشامية في خطوة من المرجح أن تصب في مصلحة هيئة تحرير الشام. يعود غضب تركيا على الجبهة الشامية إلى رفض الجماعة  مساندة تركيا في ليبيا وناغورنو كاراباخ. تعد فرقة حمزة وفرقة سليمان شاه، اللتان تعاونتا مع هيئة تحرير الشام، من الفصائل الأكثر اتصالاً بالمخابرات التركية.

كل تلك الاجتماعات تتحدث عن خيبة أمل تركيا من الفوضى التي لا تنتهي في صفوف الجيش الوطني منذ  الإعلان عن التحالف في عام 2019، فضلاً عن آمالها في تأديب الفصائل عن طريق هيئة تحرير الشام.

المصدر: المونيتور