كلمة المركز الكردي للدراسات خلال استضافته الحوار الكردي- العربي

خلقت أنظمة الحكم في منطقتنا، تصدعات هائلة بين صفوف المجتمع بكل تنوعاته. وغالباً ما تغلبت فكرة التفرقة على فكرة جمع المصير المشترك. وما زاد الطين بلة، ابتلاء مجتمعاتنا بآفة «الدول القومية العنصرية»، صدرها إلينا عصر التوسع الاستعماري، وخلدتها الدول ما بعد الاستعمار. ولا نحتاج براعة كبيرة في هذا السياق، كي نستشرف أنّ الدولة القومية التي سميت مجازاً بـ« اللوياثان» ( الملك الذكوري الحاكم حاملاً في يديه الاثنين كل من الصولجان والسيف)  تأسست على  أحاديات، سواء في طابعها القومي أو الطبقي أو الجنسي أو المذهبي.  وكذلك احتكرت العنف، والتكنولوجية العسكرية، والبيروقراطية المدنية، كأدوات لتدعيم صرحها الإيديولوجي ومؤسساتها العنيفة، على حساب التنوع الاجتماعي الذي يميّز مجتمعاتنا، تاريخياً ووجودياً.

بمجرد أنّ يكون الفضاء العام أسيراً لنزعة أحادية ما، بكل تأكيد سوف يُنظر إلى الآخر المختلف، بنظرة عدائية وإقصائية، وربما تدميرية وفق قاعدة الاستسلام أو القتل الجماعي. ثمة مغالطة شائعة أحياناً، فيما يخص خطاب الكراهية، الذي يؤطر الأفعال ضمن قوالب فردية وأقوال بعينها، وتنفي عنها مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في تكريس سياسات الإبادة والتطهير العرقي وجرائم حرب والتهجير القسري، كلنا رصدنا مقدمات تشكيل صناعة المجازر المرتبكة في بلادنا، إذ استهلت بطعن صورة الضحية الجماعية أولاً، ومن ثم تمت إزالة وجودها الفيزيائية، ثانياً. أي فصل منهجي في هذا السياق، لا يخدم إنارة الحقائق ويطمس الوقائع بدورها.

حيال هذه الوقائع المؤلمة، لا تزال المكابرة ورفض الاعتراف بالحقائق التاريخية المصاحبة لتركيبتنا الاجتماعي، تساهم بتوليد نعرات شعبوية متطرفة، وتفجر ردود أفعال مخالفة حيال حقائقنا الوجودية. فخطاب الكراهية، بات شائعاً في الأقوال والأفعال، شعورياً أو لا شعورياً. ولا يكفي مراقبته من خلال الأقوال فحسب، بل ينبغي اقترانه بالأفعال والسلوكيات اللاشعورية كما يخبرنا التحليل النفسي.

حقيقةً، أورثتنا أنظمة الحكم على الدوام سياسة « فرّق تّسد»، و أضحت مقولة توماس هوبز الشهيرة «حرب الكل ضد الكل» عنواناً يختزل التراجيدية السورية المستمرة، بحيث حولت أفراد المجتمع وثقافاتها إلى كتل خرسانية معزولة وعدائية، تماشياً مع بنية النظام الفاسد ونخبه الحاكمة، وتقاطعاً مع التيارات المعارضة المتطرفة. اليوم، ثمة غياب شبه كامل لمساحات تجمع المصير المشترك وتوحد المواقف الأخلاقية الجامعة، بل على النقيض من ذلك، هنالك تفريخ لمنصات تعزز الشقاق والفرقة مع العصر الشبكي الذي يواكبنا لحظة بلحظة.

منذ تأسيس سوريا الحديثة، لم تشهد بلادنا عقداً اجتماعياً ينبع من إرادة المواطنين والمجتمعات المتنوعة. ولو نأخذ بداهة فكرة السيادة النابعة من إرادة الأمة في عصرنا الحديث، فإن بنية الدولة في سوريا، مثل غيرها من دول منطقتنا، تشكلت قسراً وعنوة عن إرادة الأمة. وطبقاً للنظرة الوجودية لمجتمعاتنا كما هي ظاهر تاريخياً، فإن الأمة السورية يفترض أن توحد المصير المشترك على قاعدة التنوع الاجتماعي نظرياً، وتصونها على مستوى المؤسسات العمومية عملياً. لكن الأحاديات الحاكمة، حرمت هذا التنوع بفعل العنف ومؤسساتها، من التمثيل الثقافي والتاريخي والجنساني في الفضاء العام والخاص. فلم يعد الحوار المنفتح من يجمع الاختلاف ويثريه، بل لغة العنف والكراهية والقسر والاستبداد الأبوي، هي من تخلد جذور الفاشية والعنف الأصولي معاً.

راكمت هذه المعطيات، حالة القمع المستدام على المستوى النفسي والجسدي معاً، وأوصدت الأبواب أمام الحريات الفردية والجماعية، وجردت المجتمع من الفضاء السياسي النقدي الحر. اليوم، تتسيّد التراجيدية السورية نزاعات موغلة بالعاطفة الانفعالية والأحكام المعلبة والمسبقة، الأمر الذي يحد من تأسيس حوار تشاركي جاد يأخذ أرضيته من قواعد العقل الحر والمصير المشترك. ولدى القيام بمسح بسيط من خلال الأثر الرّجعي لسجل خطاب الكراهية والإقصاء والتشهير والدعاية السوداء خلال الأعوام الماضية، سنستشف مدى تداعياتها المدمرة على نفسية مجتمعاتنا، فوسائل التواصل الاجتماعي والمطبخ الإعلامي الموجه والممول، تمطرنا يومياً بقذائفها المسمومة من خلال الكلمات المكتوبة والصور والفيديوهات هلم جرا..  وسط غياب لمعايير تخضع لمحاكمات عقلانية ونقدية.

لا نحبذ قراءة المشهد السوري من زاوية سياسات التشاؤم فحسب، فدوماً ثمة إمكانيات ما. وهذه الإمكانيات نشهدها اليوم بين السوريين في الداخل والمنفى، فلم يعد أحد يثق بشرعية الدولة الحاكمة، ونسختها المعارضة المتطرفة، فهي كيانات قسرية فرضت عنوة على إرادة الأمة. وعندما لا تقوم شرعية الدولة- الأمة على إساس إرادة المواطنين وثقة مجتمعاتها، دستورياً وأخلاقياً، فإن العنف العاري على حد تعبير المفكرة الألمانية الشهيرة، حنا آرندت، يمثل خياراتها المفضلة. هنا على وجه الخصوص، انفصلت الدولة وشرعية وجودها عن إرادة الأمة، هذه الرمزية حسب وجهة نظرنا، تعني بداية نهاية أدوات دولة الاستعمار وما بعد الاستعمار.

لذا، التحدي الأكبر أمامنا اليوم نحن كسوريين، عرباً وكرداً، جنباً إلى جنب مع الفئات والهويات الهامشية، وعلى رأسها النساء. يكمن في السؤال الآتي: كيف علينا إثراء خيال الأمة التي فصلت عن الدولة ومشتقاتها المعارضة؟  إننا مرغمون  لتفادي لغة الكراهية وإثارة الحرب والعنف الغريزي المتواصل، اللجوء إلى الحوار العقلاني من أجل إعادة توحيد مصير الأمة.

وغالباً ما يستطرد من هذا الالتماس، سؤال آخر: أي شكل الأمة التي ستأخذنا صوب روح العصر، وتكيفنا مع تحدياتنا وطموحاتنا المحلية والوطنية؟  الإجابة على هذا السؤال مشروط بتوفير النظرة النقدية العقلانية، وتقديم بدائل ممكنة ومنشودة.

عموماً، ما هو مؤكد، أن مجتمعنا المتنوع لن يقبل بعد اليوم، إنشاء خيال الأمة على الأساس العرقي والطبقي والجنسي والمذهبي الأحادي، وسيسعى إلى إعادة مشاركة هذا التنوع في فضاء الأمة السورية، عبر تكثيف حوار ديمقراطي، وفق قواعد العقل، كما تحثنا مدرسة يورغن هابرماس الشهيرة، بحيث تؤمن مساحة لكل الثقافات والمكونات والهويات لتعبر عن ذاتها بحرية على قاعدة الوحدة ضمن التنوع، وليس عبر فكرة التسامح ومغازلة الحوارات الشكلانية من قبل النخب، ومن ثم العودة إلى المربع الأول فقط. بل من خلال الاعتراف الدستوري والأخلاقي المتبادل، بحيث تكون المواطنة والحقوق الجماعية مصانة بصورة مؤكدة.

هذه المقاربة لا تركن إلى نظريات مثالية، بل تنظر إلى تجربة شمال وشرق سوريا على سبيل المثال لا الحصر، رغم كل العثرات الذاتية والموضوعية، كمساحة لتبادل الخبرات والتجارب والتصورات حول مصيرنا المشترك. ولو نستحضر فقط انتشار هتاف «المرأة، والحياة، والحرية» مؤخراً، والذي انطلق أساساً من كفاح المرأة الكردية عموماً، وتجربة شمال شرق سوريا خصوصاً. والآن، أمسى إلهاماً للحراك النسوي الإيراني والعالمي، لتلمسنا أننا لسنا عديمي المعرفة والتجربة السياسية.

حين نتحلى بالرؤية النقدية، بمنأى عن أحكامنا الذاتية، حينها فقط، قد ننظر إلى نماذجنا الذاتية والتحررية، كآفاق تثير خيالنا وتفكيرنا، من أجل تعزيز روابط الحوارات وفق الشروط العقلانية، والتي تحترم القيم المحلية والعالمية معاً، وتتخذ من الوطن المشترك والمصير المشترك، عنواناً لبناء خيال الأمة المنشودة.

نرجو أن تكون جلستنا هذه، بداية لتمكين هذه المقاربة.