لا مكان للصغار في ملعب بوتين

د. آزاد أحمد علي

ليلة الخميس 27 أكتوبر شارك بوتين وتحدث مطولاً في منتدى فالداي (Valday Discussion Club) الروسي للحوار، وكانت جلسة هذا العام مخصصة ومركزة على علاقات روسيا مع الشرق الأوسط. وقد شارك فيها العديد من الباحثين والمهتمين بالشأن العام خاصة من له علاقة بالمؤسسات التعليمية، اذ ان هذا المنتدى في الأصل مؤسسة مرتبطة بالأكاديميات الروسية وبالقطاع التدريسي. وقد شارك البروفيسور محمد احسان من كوردستان العراق، بورقة بحثية ألقاها بحضور الرئيس بوتين وتناولت معالجة الأزمة الدولية الراهنة عبر مقارنتها مع أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962. وركز الباحث فيها على عملية التهديد بالاستخدام السلاح النووي عهدئذ ودلالاتها. كما وضع في سياق البحث مقارنة بين كل من بوتين والرئيس الروسي عهدئذ خرتشوف، وكذلك قارن سلوك الرئيس الأمريكي الحالي بايدن بموقف الرئيس الأمريكي كندي ابان الصراع بين المعسكر الاشتراكي والغرب في أحد أهم ذرواتها التاريخية. البحث دفع ببوتين ليؤكد على أنه لا يشبه خرشوف، جاء ذلك في سياق سؤال الدكتور محمد احسان لبوتين حول نهاية القطبية الواحدة، وصعوبة عالم بقطب واحد الذي فشل موضوعياً في تشكيل نظام عالمي جديد، وحقيقة أن روسيا تعاني من أزمة[1]

أما السؤال الآخر والذي تناقلته وسائل الاعلام مع ترجمات مباشرة ومتباينة نسبياً، وذلك بحسب لغة الترجمة، فقد كان حول تحقيق العدالة للشعب الكوردي ومستقبل كوردستان في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن بوتين قد تفاجأ قليلا بالسؤال اذ لم يكن متوقعاً في سياق الخط العام للنشاط، لكنه أجاب بطريقة مختزلة: ” أما بالنسبة للكورد، فقد سبق وقلت… ليس الكورد فقط بل بشكل عام، يجب أن نسعى الى تحقيق التوازن في المصالح، وإذا ما تحقق التوازن في المصالح حينها فقط سيكون العالم آمنا، ونفس الحالة تنطبق على الشعب الكوردي”.

اجابته كانت أشبه بمن يمتنع عن الإجابة، أو يقفز الى الشخص التالي في المنتدى، لكنه بنباهة وبسرعة بديهة لم يقع في المطبين، ولا في المطب الأساسي، كأن يلمح إلى أحقية الكورد في إدارة مناطقهم، أو يتفلسف في سردية طويلة حول حق الشعوب في تقرير مصيرها… لماذا هذا الموقف وهذه الإجابة المبهمة والبديهية في الوقت نفسه.

لأن المنتدى كله قد عقد، وحضره بوتين لمدة أربع ساعات لا لكي يتحدث عن حقوق الشعوب المظلومة وإنما للدفاع عن المنظومة الفكرية لصانعي القرار في روسيا وعلى رأسهم بوتين. ولإيصال رسائل محددة الى الغرب نتطرق لها لاحقاً.

وربما لم يوفق الصديق البروفيسور محمد احسان في جر بوتين الى ملعبه الكوردستاني، على الرغم من باعه الطويل أكاديمياً في تدريس العلاقات الدولية، وعملياً كان وزيراً في كل من حكومتي بغداد وأربيل على التوالي. ولم ينتبه لحالة بوتين النفسية ولا الى المعركة الكبرى الذي يديرها، وبالتالي لملامسة أولوياته السياسية والاستراتيجية.

فالمنتدى الذي كان مخصصاً كعنوان للعلاقات الروسية مع الشرق الأوسط، استخدمت في الجوهر كمنصة لفكر بوتين ولطروحات حكومته ومفكريه للتعبير عن رأيهم والدفاع عن فرضيتهم التي ترجح أحقية مواجهة الغرب عبر بوابة أوكرانيا، ومحاولة الترويج لعالم متعدد الأقطاب، ليس حباً في التعددية القطبية وانما كراهية في الاحتكار الأمريكي للنفوذ الأوحد على صعيد العالم. حيث كانت هذه الرؤية من صلب حديث بوتين المسهب (الذي نقل مباشرة عبر أقنية التلفزيون الروسي مع ترجمتها الفورية لعدة لغات).

باختصار أراد بوتين من حديثه إيصال رسالة صريحة وقوية للغرب، تتمحور حول ما يلي:

نحن جادون في وضع حد لهيمنتكم، أو الحرب ستستمر ونحن مهيأون كذلك لخوضها، حتى وضع نظام سياسي ومالي جديد للعالم. دائرة حلفاؤنا تتسع ودائرتكم تضيق، حيث تعمد في هذا السياق بتثمين دور تركيا واعتبر اردوغان حليف صادق، كما تضامن مع ايران مندداً بمقتل قاسم سليماني، كما مدح شخصية الأمير الشاب محمد بن سلمان… وصولاً الى الإفصاح عن تحالفه الوثيق المتعدد الجوانب مع الصين، فضلاً عن التقارب مع الهند.

لكل هذه الأولويات والأسباب، أول ما يتبادر للذهن أن من يعد تركيا حليفاً له وينتقد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني بالاسم، لا يمكن ان يتخذ موقف إيجابي من القضية الكوردية. خاصة في نفس الجلسة وفي نفس البيئة السياسية الجديدة التي يؤسس لها بوتين. فقصة بوتين اليوم لا تتعلق بالدفاع عن مظلومية الشعوب في عالم يشكو من هيمنة الغرب، وإنما غايته تكمن في كيفية استجماع الطاقات للخروج من الأزمة مع تحقيق قدر كبير من الخلل في التوازن الدولي لتتمكن عبرها روسيا من تسجيل منجز تاريخي.

ما أود التأكيد عليه أن بوتين قد فهم الساحة الدولية تماماً، لم يفهمها كفهلوي وبهلوان وصاحب حزام أسود في الجيدو فحسب، بل لأن طاقم كبير من المفكرين والقادة الحقيقيين الروس يعملون منذ أمد بعيد لصياغة رد ممكن للانتقام من الغرب وإعادة تعويم دور روسيا بأي ثمن. أما لاعب الجيدو بوتين فقد أضاف لخطط الطاقم ميزة فريدة، تتلخص في أن الملعب لا يدخله سوى اللاعبين المحترفين، واللعب بات حصرياً بين الكبار، لذلك عملية تحشيده تتركز على استقطاب القوى الكبرى، خاصة الصين والهند، ويصر على تحييد تركيا، وجر إيران الى معركته واغراء السعودية بعالم متعدد الأقطاب، فضلاً عن ترك الباب الخلفي مفتوحاً لأوربا وخاصة ألمانيا وفرنسا…

إذن في هذه الحالة، ما هو موقع الأمم الصغيرة في هذه المصارعة الكبرى؟ لن يلتفت أحد على كوردستان ولا سوريا ولا اليمن. فعلى الكبار أن يحسموا صراعهم ويحددوا الخط العام الأساسي لمسار السياسات المعاصرة. بعدها وربما في سياق مواز يمكن الحديث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي، وتحقيق العدالة والسلام للشعوب المنكوبة في الشرق الأوسط. وليس قبل أو أثناء تناطح القوى العظمى.

[1] هذا السؤال واجابة بوتين تجاهلته وسائل الاعلام الروسية – وقد افصح عنها الدكتور محمد احسان خلال اتصال خاص معه.