اتجاهات دولية وإقليمية لـ«قبرصة» الأزمة السورية

محمد سيد رصاص

تنشأ الأزمات الداخلية عندما لايستطيع أحد طرفي النزاع الحسم لصالحه، وعندما لا يستطيعان إيجاد تسوية مشتركة بينهما لإنهاء النزاع، بحيث تأتي الأزمة من «استعصاءٍ توازني» بين الطرفين. وعليه، يمكن أن تدوم الأزمة لأعوامٍ تطول أو تقصر، مثل تفكك الاتحاد اليوغسلافي 1991-1999 والأزمة الكمبودية 1979-1991، أو تأخذ مدىً طويلاً مثل الأزمة القبرصية المستمرة منذ 1974 مع منطقتين منفصلتين جغرافياً واحدة شمالية للقبارصة الأتراك، الذين يشكّلون 20 في المئة من السكان ويتركزون في الشمال تحت رعاية وحماية الجيش التركي منذ غزو 1974، والثانية جنوبية للقبارصة اليونانيين الذي يشكّلون نحو ثلاثة أرباع السكان وتدير شؤونهم حكومةٌ تعترف الأمم المتحدة بشرعية تمثيلها لكامل التراب القبرصي. وظهرت بذور الأزمة القبرصية من اتجاه القبارصة اليونان منذ الأربعينيات نحو مقاومة الاحتلال البريطاني، وهو اتجاه ترافق مع نزعتهم الوحدوية مع اليونان. ومن ثم جاء استقلال عام 1960 نتيجة تسوية بين بريطانيا وتركيا واليونان. ولكن النزاع انفجر في 1964 قبل أن يخمد بعد تدخلٍ دولي. ثم أتى الانفجار الكبير عقب انقلابٍ عسكري في قبرص في 15 يوليو/تموز 1974 نفذه ضباط استولوا على السلطة بتشجيعٍ من أثينا ونادوا بوحدة قبرص واليونان، وهو ما استتبع تدخلاً عسكرياً تركياً سلخ الشمال والشمال الشرقي القبرصيين بما يعادل ثلث مساحة الجزيرة المتوسطية.

يمكن هنا لأزمةٍ داخلية أن تحمل أبعاداً خارجية مع متدخلين دوليين وإقليميين يصطفون مع هذا الطرف أو ذاك. ويمكن للخارج أن يتحكم ويدير الأزمة وأن يمسك بمفاتيح حلها بحيث يكون الحل مفروضاً من الخارج.

بدأت الأزمة السورية داخلية في درعا في مارس/آذار 2011 قبل أن تتحول إلى إقليمية في أغسطس/آب من نفس العام ومن ثم دولية مع الفيتو الروسي- الصيني المزدوج في مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين الأول 2011 بحق مشروع قرارٍ مدعوم من الولايات المتحدة التي قادت آنذاك حلفاً فرنسياً- تركياً- سعودياً- قطرياً ضد السلطة السورية، فيما اصطفت إيران مع الروس والصينيين في مواجهة ذلك الحلف.

مع بيان «جنيف 1» الصادر في 30 يونيو/حزيران 2011، انحصر مفتاح الأزمة السورية بيدي واشنطن وموسكو وخرج من أيدي أنقرة وظهران والرياض، فضلاً عن السوريين بطبيعة الحال. وعملياً، خلال أحد عشر عاماً وسبعة شهور من عمر الأزمة السورية، جرت محاولتان حقيقيتان فحسب لحل الأزمة. والمحاولتان تمتا عبر تلاقي واشنطن وموسكو. المرة الأولى كانت من خلال القرار الدولي 2118 الصادر في سبتمبر/أيلول 2013، وتم من خلاله تبني بيان «جنيف 1» مع الدعوة إلى عقد «جنيف 2» بين السلطة والمعارضة لتنفيذ بنود ذلك البيان الذي يدعو إلى إقامة «هيئة حكم انتقالي» تقود البلاد نحو وضعٍ جديد من خلال خريطة طريق لحل الأزمة. أما المرة الثانية، كانت من خلال القرار الدولي 2254 الصادر عن مجلس الأمن في 18 ديسمبر/كانون الأول 2015، والذي تبنى بيان «جنيف 1» مع تعديلاتٍ طفيفة.

في المرة الأولى، صدر القرار 2118 نتيجة التوافق الأميركي-الروسي بشأن ملف الأسلحة الكيماوية السورية. وفي الثانية، صدر القرار 2254 نتيجة موافقة روسيا على الحل السياسي للأزمة مقابل منح واشنطن الضوء الأخضر للوجود العسكري الروسي الذي انطلق في سبتمبر/أيلول 2015. وإذا كانت أزمة أوكرانيا، الناتجة عن إسقاط تظاهرات «ميدان» الحكم الموالي للكرملين، قادت إلى انهيار «جنيف 2» في فبراير/شباط 2014 إثر تبخّر التوافق الروسي- الأميركي بشأن سوريا بسبب أوكرانيا، فإن انهيار مفاوضات «جنيف3» في أبريل/نيسان 2016 أتى بتدخلٍ تركي دفع المنسّق العام لهيئة التفاوض السورية المعارضة رياض حجاب إلى الانسحاب من التفاوض، إذ كانت أنقرة على صدامٍ مزدوج مع واشنطن وموسكو آنذاك، ولم ترد أن يحصل حلٌ سوري للأزمة في وقتٍ هي على خصامٍ تصادمي مع أصحاب مفاتيحه.

منذ الانزياح التركي نحو الكرملين بعد قمة بوتين- أردوغان في أغسطس/آب 2016 في موسكو، والتي أتت بعد ثلاثة أسابيع من المحاولة الانقلابية في تركيا التي تفيد مؤشرات بضلوع واشنطن فيها، ظهرت منطقة جديدة باتت تحت السيطرة العسكرية التركية بالتعاون مع جهاتٍ سورية محلية، وبتوافقٍ بين أنقرة وموسكو، تمتد من منطقة بداما جنوب غربي محافظة إدلب وحتى مدينة جرابلس على الفرات، فضلاً عن جيبٍ بين تل أبيض ورأس العين. ومع غياب التوافق الأميركي- الروسي، اتجهت واشنطن، منذ عام 2017، إلى إقامة قواعد عسكرية في شرق الفرات السوري في موازاةٍ ملفتة للوجود العسكري الروسي غرب الفرات، حيث تتواجد السلطة السورية التي تعترف الأمم المتحدة بشرعية تمثيلها لكامل التراب السوري.

وكان لافتاً أن يتحدث المبعوث الأميركي المختص بالملف السوري جيمس جيفري عن تحويل سوريا إلى «مستنقعٍ للروس»، تزامناً مع «قانون قيصر» صيف 2020، في فترةٍ خلت فيها لأربعة أعوامٍ سابقة محاولات أميركية- روسية لحل الأزمة السورية. ووضح أن تواجد الأميركيين العسكرية في شرق الفرات السوري، حيث منطقة اقتصادية حيوية، بطبيعة الحال، موجه للضغط على الروس وحليفتهم السلطة السورية من أجل أجنداتٍ تخص العلاقة الأميركية- الروسية، ولإبعاد موسكو ودمشق عن طهران التي تعتبر رقماً فاعلاً في الأزمة السورية، وإن كان اهتمامها بسوريا يتركز على كونها جسر عبورٍ للأسلحة إلى حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين. أما أنقرة، فتتحالف مع موسكو من أجل سلخ مناطق جديدةً لتضعها تحت سلطتها أو لحماية ما سلخته من أراضٍ سورية بالتعاون مع الكرملين منذ أغسطس/آب 2016. وموسكو بدورها، تتحالف مع أنقرة في سوريا من أجل إبعاد الدولة العضو في حلف الناتو عن واشنطن ولكسب بلدٍ يتحكم بمضائق هي الممر الرئيسي للروس إلى البحرين المتوسط  والأحمر.

هذه الأطراف الأربعة: واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران، والتي تعتبر بالترتيب القوى الأكثر فاعليةً في الأزمة السورية، لا تريد حلاً في الأمد المنظور للأزمة السورية، خاصةً في ظل التصادم الأميركي – الروسي الذي يأخذ شكل حرب بالوكالة في أوكرانيا، توازياً مع تعثر المفاوضات النووية الأميركية- الايرانية، وفي ظل ابتعاد أنقرة المتزايد عن واشنطن وانزياحها نحو موسكو.

عملياً، يضع هذا كله سوريا في حالة «القبرصة»، أي الوضع الذي تعيشه قبرص منذ 1974 مع غزوٍ تركي عسكري سلخ الثلث الشمالي للجزيرة، وهو ما أدى إلى خلق منطقتين منفصلتين في الجزيرة بحكومتين مختلفتين. وفشلت كافة المساعي الدولية لحل هذا الوضع وإعادة توحيد التراب القبرصي تحت حكومة واحدة، ما دامت الأطراف التي تدير الأزمة القبرصية، أي تركيا واليونان ووراءهما الولايات المتحدة، لاتريد هذا الحل.