قمة شنغهاي تدفن «نوردستريم2» وتعمق استدارة روسيا شرقاً

المركز الكردي للدراسات 

اختتمت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سمرقند بأوزبكستان باهتمام إعلامي استثنائي في تاريخ قمم هذه المنظمة التي تأسست عام 2001؛ فالظروف الجيوسياسية دولياً مختلفة عن القمم السابقة ذات الطابع البروتوكولي. معظم الدول المشاركة في القمة تتعرض لضغوط وتحديات جديدة، من الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها، والتوترات المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، والمفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي، والاشتباكات الدامية بين أرمينيا وأذربيجان (شاركتا في القمة)، والوضع الاقتصادي المتردي في تركيا المترددة في الانحياز لأي طرف دولي في الحرب الأوكرانية الروسية، والمواجهات الحدودية بين طاجيكستان وقرغيزستان.
شهدت القمة سلسلة رسائل وجهها قادة عدد من الدول إلى الكتلة الليبرالية العالمية، أو ما يعرف في الأدبيات السياسية اختصاراً بشكل غير دقيق «الغرب». ويمكن رصد أبرز هذه الرسائل لدى كل من روسيا والصين وإيران، فيما تفادت تركيا توجيه خطاب انتقادي لخصوم روسيا والصين كما تفعل عادة خلال لقاءاتها مع الدول غير الصديقة للغرب.

روسيا.. مراكز نفوذ بديلة 

أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ«مراكز النفوذ الجديدة» خلال القمة. وأكد في كلمته أن «الدور المتعاظم لمراكز النفوذ الجديدة يتضح بشكل متزايد»، وأن التعاون بين بلدان منظمة شنغهاي للتعاون، خلافاً للدول الغربية، يستند إلى مبادئ «مجردة من أي أنانية».
ودار حوار بين بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش القمة، حيث توجه مودي لبوتين بالقول: «الآن ليس وقت الحرب»، وفق ما أظهرت صور متلفزة. ورد بوتين على مودي: «أعرف موقفكم من النزاع في أوكرانيا ومخاوفكم.. سنبذل كل ما في وسعنا لإنهائه في أقرب وقت»، لكنه أضاف أن «القيادة في أوكرانيا أعلنت رفضها عملية التفاوض، وأعلنت رغبتها في تحقيق أهدافها بالسبل العسكرية، في ساحة المعركة».

الصين..رسائل هادئة
رسائل الرئيس الصيني شي جينبينغ أيضاً موجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، بأسلوب هادئ، وبدون تسمية أي دولة بالاسم. فقال إن على القادة «العمل معاً للتشجيع على قيام نظام دولي يسير في اتجاه أكثر عدلاً وعقلانية»، لكنه أعقبها بجملة أخرى يمكن أن تكون إجابة منمقة على كلام بوتين حول «مراكز النفوذ الجديدة»، فأكد الرئيس الصيني أنه «يجب تعزيز قيم البشرية المشتركة والتخلي عن السياسة القائمة على تشكيل كتل». وأردف: «علينا الدفاع بحزم عن النظام العالمي الذي يضع الأمم المتحدة في صلبه، فضلاً عن نظام عالمي يستند إلى القانون الدولي».

أردوغان.. اجتماع مغلق
والتقى الرئيس الصيني نظيره التركي رجب طيب أردوغان على هامش القمة، ودعاه إلى «تعزيز الثقة السياسية المتبادلة واحترام المصالح الجوهرية للطرف الآخر بإخلاص، وتوطيد الأسس السياسية لعلاقات التعاون الاستراتيجي بين الصين وتركيا». وعُقد اجتماع مغلق بين الزعيمين، ولم يتم الكشف عن مزيد من المعلومات حول الاجتماع، بحسب موقع خبر تورك الإلكتروني.
وحضر أردوغان الاجتماع الثاني والعشرين لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون كضيف خاص، مع مشاركة تركيا على المستوى الرئاسي لأول مرة منذ حصول أنقرة على وضع شريك حوار منظمة شنغهاي للتعاون في عام 2012.

إيران.. بحث عن مصادر تمويل
أما الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، فألقى خطاباً تجاهل فيه المفاوضات حول ملفها النووي، و ركز على مشاريع الممرات الاقتصادية التي تتطلع إيران إلى استثمارها كنافذة تمويل جديدة لها.
وبحسب خطاب نقلته وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) فإن رئيسي اعتبر أن الأحادية الأميركية تسعى إلى إبقاء دول العالم في حالة من التخلف، داعياً المنظمة إلی اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الاقتصادية لمواجهة الأحادية الأميركية. وأكد أن قارة آسيا يجب أن تبني حضارتها مرة أخرى، مضيفا أن منظمة شنغهاي للتعاون، التي هي رمز لهذه «الأسرة الكبيرة من الحضارات»، تقف الآن في موقف يمكنها بناء آفاق جديدة لزيادة التعاون الإقليمي والتعاون من أجل إرساء الأمن على أساس خصائصه الفريدة مثل العدالة والروحانية واحترام الكرامة الإنسانية.
وتابع أن إيران تولي اهتماماً خاصاً للممرات التجارية بين شرق أوراسيا وغربها، وأن شبكة النقل والموانئ الإيرانية في خدمة دول المنظمة، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن وجود نقاط الضعف في البنية التحتية يمكن أن تعيق التطور السريع للتجارة بين أعضاء المنظمة. وأكد أن تشكيل «الترانزيت المستدام» يستدعي تعاونًا متعدد الأطراف من الأعضاء في تطوير البنية التحتية في هذا المجال.
واعتبر الرئيس الإيراني أن إبطال العقوبات الأمريكية شديدة القسوة يتطلب حلولاً جديدة، داعياً إلى توسيع منظمة شنغهاي للتعاون من أجل الوقوف في وجه النزعة الأحادية لواشنطن.

«سيبريا 2» بديلاً عن «نورد ستريم 2»
في الجانب العملي، فإن أهم حدث شهدته القمة هو علامات الاستدارة الروسية نحو الشرق، والتي كانت جلية في كلمة بوتين، وكذلك في مشروع تم الإعلان عنه على هامش القمة؛ فقد أعلنت موسكو أن خط أنابيب «قوة سيبيريا 2» الذي تتباحث مع بكين منذ سنوات عدّة لبنائه بهدف تزويد الصين بالغاز الروسي سيحل محل خط أنابيب «نورد ستريم 2»، الذي بُني لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، لكن تم التخلّي عنه إثر غزو أوكرانيا. وفي مقابلة أجرتها معه قناة روسيا-1 التلفزيونية سئل وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، عمّا إذا كانت روسيا بصدد تبديل استراتيجيتها في مجال تصدير الطاقة من خط أنابيب «نورد ستريم 2» الأوروبي إلى «قوة سيبيريا 2» الآسيوي، فأجاب: «نعم».
وكان نوفاك أكد في وقت سابق، أن موسكو وبكين ستوقّعان قريباً اتفاقيات تستورد بموجبها الصين من روسيا «50 مليار متر مكعب من الغاز» سنوياً عبر خط أنابيب «قوة سيبيريا 2»، الذي سيبدأ بناؤه في 2024. وهذه الكمية من الغاز الروسي تعادل تقريباً السعة القصوى لخط أنابيب «نورد ستريم 1»، البالغة 55 مليار مكعب سنوياً.

ما هي منظمة شنغهاي؟
تأسست عام 2001 لتكون منصة للحوار لروسيا والصين والدول السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى، وتوسعت قبل أربع سنوات لتنضم إليها الهند وباكستان، لتلعب دوراً أكبر كقوة معادلة للنفوذ الغربي في المنطقة. وتضم حالياً تسع دول أعضاء هي الصين والهند وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وباكستان وطاجيكستان وأوزبكستان وإيران، وأربع دول بصفة مراقب ترغب بأن تصبح كاملة العضوية وهي: أفغانستان وبيلاروسيا وإيران ومنغوليا. كما تقيم المنظمة علاقات مع ست دول أخرى بصفتها «شركاء الحوار» وهي: أرمينيا وأذربيجان وكمبوديا ونيبال وسريلانكا وتركيا.
ويُنظر إلى المنظمة على نطاق واسع على أنها مسعى صيني-روسي مشترك في مواجهة النفوذ والتحالفات الغربية مثل حلف شمال الأطلسي. ويرى بعض المراقبين، وفقاً لتقرير لـ«بي بي سي» أن دور المنظمة ظل محدوداً حتى الآن، إذ أن تأثيرها كواحدة من أكبر التكتلات الدولية الإقليمية غير ملحوظ في الكثير من الملفات، رغم تمتع أعضائها بإمكانات اقتصادية وبشرية هائلة.

ويعلق الباحث سيريل بريت من معهد جاك ديلور في باريس، في تقرير لوكالة فرنس برس: «إنها (منظمة شنغهاي) ليست كتلة بل شراكة، غير متوازنة وغير متجانسة».
من جانبه، يفضل إيمانويل دوبوي، رئيس معهد المستقبل والأمن في أوروبا (IPSE) الحديث عن «كتلة مرنة»، مع التأكيد على «الواقع الاستراتيجي لهذا التقارب» الذي يتضح من التدريبات العسكرية المشتركة التي تتكرر وتيرتها بين الصين وروسيا.ويرى دوبوي أن هيكلية تتشكل من خلال العديد من المنظمات، بما في ذلك منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) وهي الإطار الذي جمع شي مع بوتين، مما يؤكد على توجه نحو «شرقنة» (orientalisation) العلاقات الدولية.
ويرى إيفان فيغنباوم من مركز كارنيغي للسلام الدولي، أن هناك خلل في التوازن بين الصين وروسيا: «الصين أقوى، ومصالحها أشمل وأكثر تنوعًا. هدف بكين هو الحفاظ على تفاهمها مع روسيا على المستوى الاستراتيجي، لمواجهة القوة الأميركية.. لكن دونما الحاجة إلى تقديم الدعم لموسكو على المستوى التكتيكي، لأن بكين تستفيد من الوصول إلى الأسواق العالمية، وتتجنب العقوبات وتبني علاقات مع دول تخشى روسيا، مثل تلك الموجودة في آسيا الوسطى».
كانت هناك العديد من المناقشات حول الطبيعة الجيوسياسية لمنظمة شنغهاي للتعاون. ووفقًا للعالم السياسي توماس أمبروسيو، كان أحد أهداف المنظمة هو ضمان عدم تمكن الديمقراطية الليبرالية من تحقيق مكاسب في هذه الدول.
وفي هذا الصدد قال الكاتب الإيراني حامد غولبيرا: «وفقًا لنظرية زبغنيو بريجينسكي فإن السيطرة على أوراسيا هو مفتاح الهيمنة على العالم، والسيطرة على آسيا الوسطى هو مفتاح السيطرة على أوراسيا. حيث أبدت كل من الصين وروسيا اهتمامهما بالنظرية منذ تأسيس المنظمة في عام 2001، ظاهريًا للحد من التطرف في المنطقة وتعزيز أمن الحدود، لكن على الأرجح فإن الهدف الحقيقي هو موازنة أنشطة الولايات المتحدة والناتو في آسيا الوسطى».