تذكرة اتجاه واحد نحو عالم ديستوبي

رؤوف بكر *

في إحصائية غير مسبوقة نُشرت في 2018، كشف «استطلاع الأسلحة الخفيفة»، وهو مشروع بحثي مستقل تابع للمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، أن هناك نحو 857 مليون قطعة سلاح فردي بيد المدنيين في العالم، حوالى 46 في المئة منها في الولايات المتحدة وحدها. وبمقارنة المعهد لاستبيان مماثل صدر في 2006، يتبين ارتفاع الرقم بمقدار 206 مليون قطعة سلاح خلال 12 عاماً. وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول التي يمتلك سكانها سلاحاً بمعدل 120 قطعة لكل 100 مواطن. وإن كان من الصعب للغاية حصر عدد الأسلحة التي بحوزة المدنيين حول العالم بدقة، تذهب ترجيحات إلى أنها قد تصل إلى مليار قطعة فعلياً. وفي الولايات المتحدة نفسها، لا يكاد يمر يوم من دون سقوط ضحايا بحوادث إطلاق نار عشوائي، عبثية بالمطلق في كثير من الأحيان، في الشوارع والبقاليات والمتاجر والمدارس. وزادت تلك الحالات في الشهور الأخيرة، ومعها كذلك عمليات سلب متاجر البضائع الفاخرة وحتى عربات الشحن بأسلوب يشبه غارات النهب البدائية. ويعزو البعض هذه الزيادة إلى تبعات وباء كوفيد النفسية والمعيشية. وللتأكيد على هذا الرأي، تكشف إحصائية القلق الذي انتاب الأميركيين في شهور الوباء الأولى، حيث اقتنى نحو خمسة ملايين أميركي سلاحاً للمرة الأولى ما بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2020، وهو أكثر بقليل من ضعف العدد للعام الذي سبقه.

ومع التسليم بالفرضية القائلة بتجذر ثقافة العنف في المجتمع الأميركي، لأسباب مختلفة، وأن تقديس الحريات الفردية، وبالتالي الحق في حمل السلاح المحمي دستورياً عبر التعديل الثاني، أمر تتفق عليه أغلبية المجتمع الأميركي، فإن النظر في «استطلاع الأسلحة الخفيفة» يشي بأن ظاهرة اقتناء المدنيين السلاح ليست حكراً على الأميركيين. فحتى جزيرةٍ متوسطية صغيرة مثل قبرص، على سبيل المثال، تحتل المرتبة السابعة عالمياً على ذات المؤشر، إذ أن قبرصياً من كل ثلاثة يمتلك سلاحاً، وهي ذات النسبة تقريباً في دولة مثل فنلندا عُرفت على الدوام بسلميتها وحيادها، وإن قررت حكومتها مؤخراً الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكثرت في الآونة الأخيرة في قبرص حوادث العنف المنزلي التي يُستخدم فيها السلاح لحل النزاعات العائلية.

يجادل مؤيدو الحق في حمل السلاح أن الكثير من تلك الأسلحة يتم اقتناؤها للدفاع عن النفس أو الصيد، وأن المسدس أو البندقية لا يضغطان على الزناد من تلقاء نفسيهما. إن منطقية المقاربة بتحميل البشر مسؤولية الشرور بدلاً من الآلة، تضع الجميع أمام معضلة أكبر يمكن أن تقود إلى استخلاصات ديستوبية. إذ يبدو أن هناك قناعة متراكمة لدى البشر بضرورة اقتناء السلاح تحسباً للقادم الأسوأ، أياً كان شكله. فالخوف والشك من الآخر يزدادان في زمن الأوبئة والأزمات الاقتصادية وما يسمى «وسائل التواصل الاجتماعي»، التي باعدت بين الناس بدلاً من تقريبهم كما هو مفترض. والعديد من المؤشرات الأخرى لا تبشّر بالخير. فالانفجار السكاني مسألة وقت. ويتوقع أن يصل عدد سكان الأرض إلى ثمانية مليارات بحلول نوفمبر المقبل، علماً أن الرقم كان سبعة مليارات في 2010 فحسب.

وبما أن الكوكب لا يتمدد وموارده تتناقص بتسارعٍ كبير، سيكون من البدهي في المستقبل رؤية مشاهد صراعاتٍ على المواد الأساسية، كتلك التي انتشرت على ورق المرحاض إبان بدايات كوفيد. وإن أُضيف الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية والوقود والتضخّم والكوارث الطبيعية جرّاء التغير المناخي ونقص مياه الشرب الحاد على قائمة مكونات وصفة العالم الديستوبي إياه، أمكن تخيل السيناريو القيامي الذي ينتظر البشرية في غضون أعوام غير بعيدة.

يوازي كل ذلك، الصعود الصاروخي لعدد الجوعى في العالم، إذ تضاعف عدد الأشخاص الذين يعيشون في ظروف شبيهة بالمجاعة ست مرات خلال العامين الماضيين ليصل إلى أكثر من 520 ألفاً. وهناك ما يصل إلى 828 مليون جائع، بارتفاعٍ مقداره 150 مليوناً. وبلغ العدد التقديري لمن يعيشون في فقر مدقع حوالى 745 مليوناً بحلول نهاية 2021، بزيادة قدرها 100 مليونٍ منذ 2020. أما العاطلون عن العمل، فتكاثروا هم أيضاً. رسمياً، يوجد ما يقارب من 220 مليون عاطل عن العمل في العالم. وتشير التقديرات إلى أن العدد أكبر من ذلك بكثير، إذ أن البيانات الرسمية غالباً ما تعمد إلى تقليل الرقم، عدا عن الاختلاف في تحديد معنى البطالة وجوهرها. وكأن العوامل السابقة لا تكفي للضغط على الناس وخنقها، ليأتي الذكاء الاصطناعي ويكمل الحصار. فطبقاً للإحصائيات، قد تصبح 375 مليون وظيفة في عداد الملغاة خلال العقد المقبل بسبب الذكاء الاصطناعي، الذي سيُفقد 45 مليون أميركي وظائفهم بحلول 2030، أي نحو ربع القوة العاملة.

وليس الشرق الأوسط بعيداً عن كل ما يجري، بل لربما في قلبه. إذ يضرب الجفاف وانقطاع المياه دولاً عديدة في المنطقة، خاصةً سوريا والعراق ولبنان ومصر والصومال والمغرب وإيران، بما يؤثر بشدة على الأمن المائي والاستقرار الاجتماعي. وأشار تقرير أممي إلى ارتفاع عدد السوريين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي وممن هم في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية بمقدار 400 ألف شخص خلال النصف الأول من 2021 ليصل الرقم الإجمالي إلى 12.8 مليون شخص. وتتأثر مناطق الإدارة الذاتية بالجفاف والتلاعب التركي الممنهج بتدفقات المياه، بما يشكل تحدياتٍ اقتصادية جمة ويفرض على مسؤولي الإدارة اتخاذ قراراتٍ تقشفية. ومع انهيار الدولة السورية وخدماتها، بمفهوم ما قبل 2011، وتفتت المجتمع وانتشار ظاهرة حمل السلاح في بلدٍ يعاني من الميليشيوية والفوضى في ظل حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، ارتفعت معدلات الانتحار وأضحى السوريون يُصفّون خلافاتهم بالرصاص أو حتى القنابل اليدوية.

أما لبنان، الغارق في عتمة وعطش وانسداد أفق سياسي وأزمة مالية خانقة، يزداد لجوء المواطنين إلى السلاح لتحصيل أموالهم بالقوة من المصارف التي قيّدت سحبها، في مؤشرٍ واضح على فقدان الثقة بالسلطة وأجهزة إنفاذ القانون وتفشي الفلتان الأمني. ويهاجر المزيد من اللبنانيين الفقراء والذين يعانون من البطالة، وأغلبهم من مدينة طرابلس، بحراً إلى أوروبا أو ينضمون إلى تنظيمات إرهابية بمقابلٍ مادي، حيث تتصدر طرابلس المشهد ويتم العمل على تحويلها إلى بؤرة قلاقل جديدة.

ولا يختلف مقام العراق كثيراً، إذ أدت ممارسات الطبقة السياسية الحاكمة إلى تعفّن الكيان وتحوله إلى إقطاعيات، مثلما حصل في بلدان أخرى، وما تبقى من هياكل الدولة إلى جهاز رعاية لهذه الإقطاعيات التي أصبحت سلطتها ما فوق الدولة.

يأتي كل ذلك بالتوازي مع اندثارٍ متسارع للطبقة الوسطى واقتصار المجتمعات على طبقتين: ثرية وفقيرة. فتراجع القدرة الشرائية والجمود في مستوى الأجور وانهيار العملة المحلية وخسارة المدّخرات والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والحروب والهجرة واللجوء، عوامل أدت إلى هبوط عشرات الملايين، ويمكن القول مئات، من أفراد هذه الطبقة إلى قاع الفقر أو تكاد. وتحول ملايين السوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين والليبيين والمصريين والفنزويليين والأوكرانيين، كما في دول عديدة على امتداد رقعة الأرض، إلى لاجئين يعتاشون على المساعدات.

وحتى في الولايات المتحدة، أكبر اقتصادٍ في العالم، ذكر 75 في المئة من الأميركيين في استطلاعٍ أجري في يونيو/حزيران الماضي أن دخلهم الشهري لا يكفي لسد النفقات، بعدما كانت النسبة قبل عامين فحسب 59 في المئة. إن تآكل الطبقة الوسطى، التي لطالما اعتبرت عِماد المجتمعات وعامل التوازن فيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، سيفرض معه مشهداً قاتماً في المستقبل، مع ازدياد الهوة بين الغني والفقير.

إذاً، مئات ملايين العاطلين عن العمل والجوعى والفقراء المسلحين حول العالم الذين تتزايد أعدادهم باطّراد ويعيشون متكدسين في كوكبٍ تتضاءل موارده. يقابلهم 2755 مليارديراً يمتلكون ثروات يبلغ مجموعها 13.1 تريليون دولار أميركي، وفي مقدمتهم إيلون ماسك الذي يكسب 375 دولاراً أميركياً في الثانية الواحدة، وبإمكانه أن يمنح 41 دولاراً لنحو ثمانية مليار إنسان وسيبقى محتفظاً هو كذلك بنفس المبلغ. وبما أن معظم النار من مستصغر الشرر، ستحمل الأعوام والعقود المقبلة معها، بحسب الظاهر، اضطراباتٍ اجتماعية كبيرة في أرجاء مختلفة من العالم، خاصةً في ظل الجهود المنهجية من أجل عولمة التوحش وخلق بشر غير أسوياء نفسياً (ميتافيرس نموذجاً).

من الواضح، والحال كذلك، أن بنية الدولة القومية والنظام المركزي في حالة انهيار معلن، وتحديداً في الدول العربية المتهتكة كيانياً ومجتمعياً. وقد يكون الوقت حان لمراجعة جدوى أو تكلفة العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان المسمى «الوطن» الكبير (وفي أمثلة سوريا والعراق ولبنان الدليل الساطع). وحري أن يستوجب هذا التصدّع عقداً اجتماعياً جديداً يدير العلاقات بين المكونات المتنوعة داخل كل دولة بآليات مختلفة ومقاربات غير مستهلكة لكي لا تذهب الأوضاع إلى هاوية أعمق مما هي عليه الآن، بعد هذا الفشل الذريع في إدارة شؤون الناس. وإن كانت المعطيات، حتى الآن، تقول إن كل ذلك أقرب إلى التمنيات الرغبوية، يبقى السؤال هنا: هل سيرى اقتراح ماسك النور باستعمار المريخ عبر قصفه بالقنابل النووية، ليصبح مناخه مناسباً للعيش، قبل حصول «الانفجار العظيم» على الأرض؟

 

صحافي وباحث مهتم بقضايا الشرق الأوسط والشؤون الأوروبية.