الانعطافة التركية.. هل تعكس اعتماد أردوغان المتزايد على بوتين؟

فهيم تستكين

يدفع إصلاح العلاقات مع دمشق المشهد السياسي التركي إلى مزيدٍ من الإثارة بعد أن كشف وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الأسبوع الماضي أنه تحدث لفترة وجيزة مع نظيره السوري خلال تجمع دولي في بلغراد في أكتوبر/تشرين الأول، وشدد على ضرورة المصالحة بين المعارضة السورية والحكومة.

نظمت مجموعات المعارضة احتجاجات في أكثر من 30 موقعاً في شمال سوريا، حيث سعت أنقرة إلى تهدئة الغضب من خلال التعهد باستمرار «التضامن مع الشعب السوري». في مزيد من التعليقات هذا الأسبوع، جادل أوغلو بأن ملاحظاته الأولية تم تحريفها. وقال: «استخدمت كلمة تسوية» وليس «المصالحة»، مضيفاً أن التسوية السياسية بين دمشق والمعارضة هي السبيل الوحيد لإنهاء الصراع.

ومع ذلك، أكد عضو بارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم مخاض التغيير في أنقرة على الرغم من الارتباك الواضح بشأن كيفية إعادة التوجيه. ورداَ على سؤال عما إذا كان الرئيس رجب طيب أردوغان قد يجتمع مع نظيره السوري بشار الأسد، قال نائب رئيس حزب العدالة والتنمية حياتي يازجي : «لا أستطيع أن أقول إن هذا لن يحدث أبداً. يمكن أن يبدأ الحوار عند مستوى معين ويصل إلى مستوى أعلى لاحقاً».

أما متى يمكن أن تبدأ الاتصالات، فهذا أمر يظل مفتوحاً للنقاش. لكن الجدل من أجل السلام مع دمشق يكتسب وزناً واضحاً في مختلف مستويات الدولة التركية. لطالما نصح عدد من الدبلوماسيين والضباط العسكريين المتقاعدين البارزين بالمصالحة مع الأسد. وحتى الجهات القومية الجديدة، التي تدعم موقف الحكومة العدائي ضد الكرد، تضغط من أجل السلام مع دمشق.

وأظهر بيان صادر عن الحليف القومي الرئيسي لأردوغان  كيف تنظر مؤسسة الدولة إلى الأمر. وأشاد زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، الذي غالباً ما أثر في قرارات أردوغان بصفته شريكاً فعلياً في الائتلاف، بتصريحات وزير الخارجية باعتبارها «دفعة قوية» لجهود التسوية في سوريا. وقال إن «أفق رفع تركيا اتصالاتها مع سوريا إلى مستوى الحوار السياسي واجتثاث المنظمات الإرهابية، بالتعاون مع دمشق سيصبح قضية على الأجندة السياسية المقبلة تستحق النظر بجدية».

وأعرب بهجلي عن أمله في التطبيع مع «جميع الجيران» بحلول 2023، عام الانتخابات الحاسمة في تركيا. ومن المتوقع أن يؤثر تصاعد المشاعر الشعبية ضد استضافة تركيا لملايين اللاجئين السوريين وغيرهم بشكل بارز على البرامج الانتخابية للأحزاب.

ووفقاً لأوغلو، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ فترة طويلة لإقناع أردوغان بالتحدث مع الأسد، لكن الرئيس التركي وافق فقط على الاتصالات الثنائية بين مسؤولي الاستخبارات. جرت لقاءات بين أجهزة الاستخبارات في مرحلة ما، ثم كانت هناك انقطاعات، واستؤنفت الآن مرة أخرى، وفقاً لأوغلو.

بعد اجتماعه في 5 أغسطس/آب مع الرئيس الروسي في سوتشي، قال أردوغان أيضاً إن بوتين اقترح عليه التحدث مع الأسد، لكنه شدد على أنه حتى الاتصالات بين مسؤولي الاستخبارات لم تؤت بنتائج بعد.

يُنظر إلى رد فعل بهجلي على نطاق واسع على أنه يعكس الصوت الداخلي والتفكير الداخلي للدولة التركية، ويمكن تلخيص نقاطه الرئيسية على النحو التالي:

  • يمكن أن تتم المصالحة مع دمشق على أساس التعاون لإلغاء الحكم الذاتي بقيادة الكرد في شمال سوريا. ويعتمد ذلك أيضاً على شرط أن تتجنب دمشق أي خطوات لإضفاء الشرعية على العناصر الكردية المسلحة أو دمجها في مؤسسات الدولة. المجموعات المعنية هي قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد (قسد)، ووحدات حماية الشعب، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، وحزب العمال الكردستاني.
  • تحتاج أنقرة إلى تمهيد الطريق لعودة أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري يُنظر إليهم بشكل متزايد على أنهم تهديد ديموغرافي. ومن ثم، فإن الحوار مع دمشق سيكون مشروطاً أيضاً بتعاونها في تمهيد الطريق للعودة. يصر أردوغان على إنشاء منطقة آمنة بعمق 32 كيلومتراً على طول الحدود، سيتم إخلاءها من عناصر قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب لتوطين السوريين العائدين. لكن المساومة المحتملة مع الأسد ستشمل أيضاً عودتهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مثل حماة وحمص وحلب.
  • تود أنقرة أن ترى تسوية سياسية من شأنها أن تسمح لعناصر المعارضة التي تضع في اعتبارها مصالح تركيا بتقاسم السلطة في دمشق. بعبارة أخرى، سيكون إدخال قوات المعارضة المدعومة من تركيا إلى دمشق، مثل حصان طروادة، أمراً مهماً لأردوغان.

أوضح دبلوماسي تركي متقاعد مطّلع على الملف عن كثب، لـ«المونيتور» إن بيان بهجلي يعكس الاتجاه السائد في هيئة الأركان العامة وجهاز الاستخبارات الوطني ووزارة الخارجية. لكن نوايا أنقرة لا تزال غير واضحة. ويقول: «هناك حراك لفعل شيء ما قبل الانتخابات»، مشيراً إلى أن رؤية أنقرة لحل القضايا المعقدة للغاية، بما في ذلك مستقبل قوات المعارضة والفصائل المسلحة، ما زالت مجهولة. وبحسب الدبلوماسي، فإن مؤسسة الدولة مقتنعة بأن الحوار مع دمشق أصبح حتمياً في قضايا مثل المشكلة الأمنية في شمال سوريا وعودة اللاجئين. وأضاف أن «الخطوات التي يجب اتخاذها واضحة. لكن طريقة عمل أولئك الذين من المفترض أن يضعوها موضع التنفيذ تثير شكوك».

في غضون ذلك، أشار ضابط عسكري متقاعد إلى أن الضغط من أجل الحوار مع دمشق يأتي في الغالب من بوتين، وأن مؤسسات الدولة التركية بعيدة كل البعد عن الإجماع الكامل بشأن هذه القضية. وقال لـ «المونيتور» إنه بالنظر إلى العلاقات الجيدة التي تربط وزير الدفاع خلوصي أكار بواشنطن، على وجه الخصوص، فإن أي قرار لتغيير سياسة جذرية بشأن سوريا قد يواجه مقاومة من الداخل.

في كلتا الحالتين، قد يضطر أردوغان إلى الاستجابة لدعوات مراجعة خطته من أجل نجاته سياسياً، إذ يتراجع في استطلاعات الرأي وسط أسوأ اضطراب اقتصادي في تركيا منذ أعوام، تميز بأزمة العملة الأجنبية والتضخم المتسارع. ومن المحتمل أن تكون تدفقات الأموال الروسية إلى تركيا منذ أواخر يوليو/تموز عاملاً وراء سعي أنقرة لمسارٍ جديد في سوريا، حيث يبدو أن أردوغان يعتمد بشكل متزايد على بوتين قبل الانتخابات العام المقبل.

كجزء من برنامج أستانا المصمم للتوفيق بين حكومة الأسد والمعارضة، تمكنت أنقرة من إشراك الفصائل المسلحة التي لم تصنفها الأمم المتحدة على أنها جماعات إرهابية في العملية والعمل كضامن لها. بدورها، مهدت أستانا الطريق لإنشاء لجنة صياغة دستور تضم ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف. لذلك، تدرك المعارضة جيداً أن المشاركة في محادثات أستانا وجنيف تعني المشاركة في عملية المصالحة.

بالطبع، لم تؤمن تركيا ولا حلفاؤها السوريون بنجاح المحادثات. على الرغم من الالتزامات التي تم التعهد بها في محادثات أستانا، استمرت الأطراف في استخدام القوة على الأرض لتعزيز مكاسبها. جمعت تركيا عدداً من الفصائل المسلحة معاً تحت مظلة ما يسمى «الجيش الوطني السوري» ووجهت بوصلة القتال نحو المناطق التي يسيطر عليها الكرد في الشمال.

تحاول أنقرة الآن أن تجادل بأنها لا تغير مساراتها حقاً لأنها دعمت جهود التسوية منذ أن وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار 2254 بشأن سوريا في عام 2015. ولكن بغض النظر عن المصطلح المستخدم، «مصالحة» أو «حل وسط»، فإن الأمور تبدو مختلفة هذه المرة. ومن الواضح للجميع أن على تركيا أن تفك ارتباطها مع الجماعات المسلحة في سوريا للتأكد من أن مبادراتها نحو دمشق لم تُترك دون إجابة. هذا هو سبب خوف المتمردين الآن. وهو شيء لم يشعروا به في محادثات أستانا. بالنسبة لحكومة الأسد، فإن إنهاء الوجود العسكري التركي في سوريا هو شرط مسبق آخر لفصل جديد في العلاقات.

وعلى الرغم من أن الحاجة إلى إصلاح العلاقات مع دمشق تفرض نفسها، إلا أن الوضع الحالي لا يساعد الأطراف على المضي قدماً. بالكاد تأمل أنقرة في إحراز تقدم من خلال إبقاء خطة المنطقة الآمنة على الطاولة. في المحادثات بين مسؤولي الاستخبارات، ورد أن الجانب التركي سعى إلى مراجعة اتفاقية أضنة لعام 1998 بين البلدين.

ووسط حديث عن الحوار، قصفت طائرات تركية قاعدة قرب مدينة كوباني الحدودية، حيث يتمركز جنود سوريون، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى. تشير الضربة الجوية في 16 أغسطس/آب، التي أعقبت هجوماً دامياً على نقطة حدودية تركية، عن عدم تسامح تركي حتى مع قوات الحكومة السورية في الشريط البالغ طوله 32 كيلومتراً، ناهيك عن أنها تقوض عرض أنقرة للحوار.

 

رابط المقال