هل ستؤدي حرب جديدة إلى تحطم أحلام الحصول على الغاز؟

ماكسيميليان هيس

أوروبا بحاجة إلى سياسة جادة وعاجلة حيال أذربيجان

منذ غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا في 24 شباط  (فبراير)، ظهرت أذربيجان واحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز كطرف رئيس في الحرب الاقتصادية بين روسيا والغرب. لكن في الاسبوع الأخير، أصبحت أذربيجان هي الأخرى على شفا حرب حقيقية.

يوم الاثنين، تحدثت سلطات الأمر الواقع في منطقة ناغورني كاراباخ الانفصالية، التي يشكّل الأرمن أغلبية سكانها، عن هجوم للقوات الأذربيجانية على المنطقة، فيما ذكرت أذربيجان يوم الأربعاء أنها نفّذت “عملية لمكافحة الإرهاب ضد الجماعات المسلحة الأرمينية غير الشرعية في أراضي أذربيجان”، لترد ناغورني كاراباخ على ذلك بالإعلان عن تعبئة عسكرية جزئية.

يأتي القتال بعد أسابيع فقط من زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى باكو، وإبرامها اتفاقية ثنائية جديدة تهدف إلى مضاعفة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الأذربيجاني، لترتفع من 8.1 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى 20 مليار متر مكعب في عام 2027. وتعهّدت بروكسل أيضاً بدعم “إمكانات الطاقة المتجددة القوية غير المستغلة في أذربيجان”.

تقع أذربيجان في قلب الجهود المبذولة للتقليل من اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية. لكن اندلاع القتال بعد أقل من عامين من الحرب الدموية الأرمنية الأذربيجانية عام 2020 في ناغورني كاراباخ علامة أخرى على فشل نهج الغرب تجاه أذربيجان، التي ليس لديها استراتيجية مناسبة لمواجهة مخاطر الصراع في المنطقة. وعلى الرغم من كل الحماس لزيادة واردات الغاز، إلّا أن هذا الهدف ليس واقعياً في الوقت الحالي، لأسباب ليس أقلها نقص سعة خط الأنابيب الاحتياطية التي لا تسيطر عليها روسيا.

ويهدد فشل أوروبا في انشاء علاقات قوية مع أذربيجان باستفحال أزمة الطاقة في القارة، وتفاقم الأزمة الأمنية في القوقاز، وتمكين روسيا. لسوء الحظ، لا توجد مؤشرات تذكر على إمكانية حدوث أي تغيير في العواصم الغربية.

غابت الدبلوماسية الغربية في أيلول (سبتمبر) 2020 حينما اندلع القتال في حرب ناغورني كاراباخ الثانية. بدعم حاسم من تركيا، استعادت باكو حوالي 20 في المئة من المنطقة والمناطق المحيطة بالإقليم التي سيطرت عليها أرمينيا منذ حرب ناغورني كاراباخ الأولى عام 1994. وانتهى الهجوم الأذربيجاني بتدخّل روسيا. استدعى بوتين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى موسكو بعد سقوط مروحية روسية في ظروف غامضة على طول الحدود الأرمينية الأذربيجانية. وفي غضون 24 ساعة، وافق البلدان على اتفاقية وقف إطلاق النار. وكانت موسكو أحد الموقعين على الاتفاقية التي تضمنت بنداً ينصّ على أن تعمل القوات الروسية بمهام حفظ سلام، بما في ذلك الإشراف على ممر لاتشين، وهو الطريق الوحيد الرابط بين ناغورني كاراباخ وأرمينيا.

ظلّت الدبلوماسية الغربية غائبة إلى حد كبير منذ ذلك الحين. منظمة الأمن والتعاون في مجموعة مينسك الأوروبية، التي تأسست عام 1992 لحل النزاع الأرمني الأذربيجاني على ناغورني كاراباخ برئاسة مشتركة من قبل روسيا وفرنسا والولايات المتحدة، فشلت في إحراز أي تقدم خلال 30 عاماً. لم تلعب مجموعة مينسك، وهي غير “صيغة مينسك” المكلّفة حل النزاع في أوكرانيا، دوراً مهماً في الرد على حرب 2020، تماماً كما عجزت “صيغة مينسك” على مواجهة العدوان الروسي المستمر على أوكرانيا.

بينما تسعى أذربيجان جاهدة لتصوير أرمينيا كدولة عميلة لروسيا، احتفظ باشينيان بحياد يريفان بشأن أوكرانيا. في الواقع، تبدو الانقسامات في جنوب القوقاز أكثر تعقيداً. فبينما تبنى علييف دور منقذ أوروبا في الطاقة، سعى أيضاً إلى التسوية مع موسكو. في 22 شباط (فبراير)، بعد يوم واحد من اعترف بوتين بالدويلات التابعة له في أوكرانيا، وقّع علييف “إعلان تعاون تحالفي” معه.

قد يكون نظام علييف في قلب جدول أعمال ملف الطاقة في أوروبا، لكن فساده والتعسف في سيادة القانون دفعا الغرب إلى توجيه انتقادات لاذعة. أثارت حرب 2020 إدانات جديدة، بما في ذلك تلك التي أطلقتها مجموعات الشتات الأرمنية المؤثرة في الغرب.

يُعتبر الاستثمار الغربي في الطاقة أمراً محورياً في جهود أذربيجان لدعم النظام والاحتفاظ باستقلالها عن موسكو، وهو نهج كان رائداً لدى والد علييف وسلفه حيدر علييف. ففي أعقاب حرب ناغورني كاراباخ الأولى، وقّع “عقد القرن” مع شركة “بريتيش بتروليوم”. وعليه، نقلت شركة النفط البريطانية العملاقة النفط الأذربيجاني إلى الأسواق العالمية عبر خط أنابيب تم بناؤه حديثاً إلى محطة تصدير في جيهان على ساحل البحر المتوسط ​​التركي.

واصل علييف الأصغر هذا النهج، إذ تعتمد استراتيجية ممر الغاز الجنوبي في أوروبا على الغاز الأذربيجاني. لكن في عام 2013، أجهضت أوروبا مشروع خط أنابيب نابوكو الذي كان سيؤدي إلى زيادة كبيرة في القدرة التصديرية، واختارت بدلاً من ذلك خطي أنابيب أصغر حجماً، TANAP و TAP. لا توجد خطة مطروحة على الطاولة لتحقيق تعهدّ فون دير لاين بمضاعفة واردات الغاز الأذربيجانية، ما يجعل الاتفاقية حبراً على  ورق في أحسن الأحوال.

وتسعى شركات الطاقة الكبرى مؤخراً بالفعل إلى سحب استثماراتها من أذربيجان، إذ بيعت شركة “شيفرون” في عام 2020، ويتوقع أن تحذر شركة “أكسون موبيل” حذوها. في أيلول (سبتمبر) الماضي، باعت “بريتيش بتروليوم” نصف حصتها في مشروع تنقيب رئيسي لشركة “لوك أويل” الروسية. وفي تموز (يوليو) من هذا العام، أفيد أن “بريتيش بتروليوم” ستتخلى عن حصتها المتبقية بعد فشلها في اكتشاف احتياطيات الغاز التجارية.

كما تواجه أذربيجان اليوم قيود العرض المحلي. ففي السنوات الأخيرة، أصبح انقطاع التيار الكهربائي، الذي ليس له مثيل منذ التسعينيات، متكرراً بشكل متزايد. ونظراً لأن 90 في المئة من إنتاج الكهرباء في البلاد يعمل بالغاز، فإن هذا لا يبشر بالخير لناحية خطط تصدير الغاز.

لكي تصبح أذربيجان مصدر طاقة بديل لأوروبا، يجب العمل سريعاً على ترتيب الاستثمار في قطاع الطاقة الأذربيجاني. يتضمن ذلك تعهدات الطاقة المتجددة لاتفاقية الاتحاد الأوروبي، والتي تعتبر ضرورية لتحرير المزيد من الغاز الأذربيجاني للتصدير.

ويبدو أن إطار مثل هذا النهج آخذ في الظهور، إذ وافق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة  خلال قمة مجموعة السبع في حزيران (يونيو) على شراكة جديدة للبنية التحتية العالمية والاستثمار. كذلك، أعلنت بروكسل في كانون الأول (ديسمبر) الماضي خطة استثمار البنية التحتية للبوابة العالمية بقيمة 300 مليار يورو. يجب وجود إرادة سياسية على جانبي المحيط الأطلسي لاستثمار بعض هذه الأموال في أذربيجان.

إذا أراد الغرب منع حرب ناغورني كاراباخ الثالثة، عليه أيضاً السعي إلى شكل جديد للمفاوضات، كما اعترفت واشنطن مؤخراً. وإذا تخلّى الغرب عن ناغورني كاراباخ لصالح باكو، فمن المرجح أن تعود القوى الموالية لروسيا في النظام الأرميني السابق إلى السلطة. كما يمكن لقوات حفظ السلام الروسية أن تصبح عدائية، ما قد يجبر علييف على تقديم تنازلات من شأنها أن تنهي أي آمال بإمدادات طاقة إضافية إلى أوروبا. وعليه، ستتعزز هيمنة روسيا على جنوب القوقاز.

إنها مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة. يجب أن تسهّل صناديق البنية التحتية الغربية الجديدة على أذربيجان العثور على الأموال. ويعني وجود القوات الروسية في ناغورني كاراباخ وأرمينيا أنه لا يمكن تجاهل دورها، لكن لا داع لإشراك الكرملين في الخطط الاقتصادية. ينتهي تفويض روسيا في ناغورني كاراباخ عام 2025، ما يوفر فرصة للغرب لاقتراح بدائل. يمكن لأجندة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الناشئة المناهضة لأنظمة الحكم الكليبتوقراطية أن تساعد في محاسبة نظام علييف، ما يوفر بعض العصي جنباً إلى جنب مع الجزرة. يجب أن تبدأ الجهود الآن، قبل بدء إطلاق النار بالفعل.

المصدر:فورين بوليسي