البنية السياسية للتشاؤم .. من مزرعة عصمت إينونو إلى “إل سي وايكيكي”

حسين جمو

على مشارف الحرب العالمية الأولى، عام 1914،  كانت بريطانيا العظمى أقوى دولة في العالم. مع ذلك ، كان صناع السياسة البريطانيون قلقين للغاية بشأن الصعود السريع لألمانيا بقيادة الإمبراطور فيلهلم الثاني، ولا سيما توسعها البحري. برلين ، بدورها ، كانت لديها توقعات سلبية بشأن المستقبل في ضوء التراكم السريع للقوة في روسيا. بحلول عام 1912 ، أصبحت هيئة الأركان العامة البروسية تخشى أنه في أقل من خمس سنوات ، ستكون القدرات الروسية أكبر من أن يتم مواجهتها. هذه النظرة دفعت الاستراتيجيين الألمان إلى الدعوة إلى شن حرب وقائية قبل إغلاق نافذة الفرصة الألمانية للسيطرة على أوروبا القارية. باختصار، استهلك التشاؤم أوروبا. كل القوى العظمى انخرطت في استراتيجيات شرسة لإعادة التسلح، ومعظمها انخرط في حروب تجارية. كانت هذه البيئة تشبه غابة متضخمة مليئة بالنباتات اليابسة. كل ما تطلبه الأمر كان شرارة صغيرة – اغتيال الأرشيدوق النمساوي- لإشعال النيران فيها.

المقدمة أعلاه اقتباس من مقالة للكاتب Daniel W. Drezner في مجلة “فورين أفيرز” تحت عنوان “مخاطر التشاؤم..لماذا الدول القلقة هي دول خطرة؟”. فقد قدمت حقبة التسعينيات مثالًا جيدًا على هذه الديناميكيات، وتشرب صانعو السياسة في الولايات المتحدة أطروحة “نهاية التاريخ” لعالم السياسة فرانسيس فوكوياما ، والتي افترضت أنه لم يعد هناك أي منافسين أيديولوجيين عالميين لديمقراطية السوق الحرة الليبرالية. كان ذلك ذروة التفاؤل في النظام الليبرالي.

كوابيس التشاؤم

يطرح الكاتب منظوراً نفسياً للعلاقات الدولية وفقاً لدرجة التفاؤل والتشاؤم، و هو العامل الغامض في معايير القوة العالمية وكذلك صناعة السياسات، بما في ذلك القرارات الكبرى ذات التداعيات الكارثية أو الحاسمة. و هو حين طرح مثال أجواء الحرب العالمية الأولى، اعتمد على هذا المقياس النفسي في تفسير دوافع الأطراف المتصارعة على الاستعجال في الدخول إلى هذه الحرب المدمرة.

بنظرة أكثر شمولاً من أمثلة دانييل دريزنير، كانت الدولة العثمانية في حقبة نفسية سوداء بعد الهزيمة الكارثية في حرب البلقان (1912 – 1913) وتحولها إلى دولة آسيوية شرقية حيث فقدت جوهرتها الامبراطورية الأوروبية وباتت بلداً لشعوب غربي آسيا وشرق البحر المتوسط. انعكست هذه الهزيمة على المستويين الرسمي والشعبي، وقادت النظرة السوداوية، في النهاية، إلى التحاق العثمانية بألمانيا والنمسا في الحرب ضد دول الحلفاء، وتفجر عنف مروع ضد السكان المسيحيين في الأناضول وأرمينيا وكردستان، نتجت عنه الإبادة ضد الأرمن والروم الأرثوذكس و تهجير معظم من تبقى على قيد الحياة من دوامة العنف الرسمي والشعبي، وهو ما كانت تغذيه الصحف التي تحولت معظمها إلى منابر للتحريض في السنوات الأخيرة من عمر الدولة.

بالتالي، كان التشاؤم شاملاً لدرجة أن العنف الجارف بات تحصيل حاصل، و حتى لو كانت هناك شكوك بسيطة تحوم حول ولاء شخص ما، تزخر الأدبيات الشعبية والذاكرة غير المدونة عن عائلات قتلت بكامل أفرادها، البالغين والأطفال لمجرد الشكوك. فقد هزّ التشاؤم عقل الدولة برمتها وأصبحت تتصرف كمختل عقلياً لا يتحكم بنفسه.

إن مثل هذه الفكرة التجريبية، أي قياس القرارات الكبرى وفق منسوب التفاؤل والتشاؤم، ينبغي أن لا تنحرف إلى أداة لوصم المجتمعات والدول بصفات نفسية. ففي النهاية، لم يكن تشاؤم النخب العثمانية عارضاً نفسياً، بل قائماً على خسائر هائلة في الجغرافيا والسكان والموارد بعد سلسلة من الهزائم المتتالية في مقابل تصاعد القوة الروسية المرعبة للنخب العثمانية على مدار قرون، منذ حملات بطرس الأكبر التوسعية في القرن السابع عشر. ففي كل مرة كان كابوس خسارة القسطنطينية يراود النخب العثمانية الحاكمة، كانت روسيا فقط وراء هذا الكابوس في كل مرة، ومن الممكن القول إن جذر التشاؤم العثماني (فعلياً التشاؤك التركي- الكردي) كان رهناً بروسيا وحلفائها من الأرمن، و من هذه الأجواء النفسية يمكن تعميق تفسير الإبادة التي تعرض لها الأرمن.

بعض هذا التشاؤم يمكن العثور عليه في شهادات القادة المشاركين في الإبادة وحرب الاستقلال بين 1915 – 1922، ففي مذكراته يذكر قائد الفيلق الخامس عشر كاظم قره باكير، أحد أبرز منفذي الإبادة ضد الأرمن أن عصمت إينونو، الذي سيصبح لاحقاً الذراع اليمنى لمصطفى كمال، ورئيساً لتركيا ورئيساً للوزراء لفترات عديدة، قد فكر في الاستقالة وامتهان الزراعة في الأناضول، وذلك في حدود العام 1919، أي حين كانت كردستان تنظم الدفاع عن غرب الأناضول المحتل وقد وصلها مصطفى كمال وهو بلا أي جندي. لم تكن الفكرة المنقولة عن إينونو برغبته في العودة إلى الزراعة ثمرة تفكير رومانسي حول الزهد في الحياة، إنما صورة مفجعة للاستسلام.

قرن من الوهم؟

على أن دريزنر طرح في مقالته نماذج أخرى حديثة لا تواجه أسئلة وجودية كما واجهها الكرد والترك والأرمن والروم على أراضي الدولة العثمانية مطلع القرن الماضي. فالحقبة تلك كانت كابوسية ولا يمكن تخيل عنفها النفسي سوى عبر قراءات ماراثونية لكافة مستويات الحياة: السياسة والاجتماع والاقتصاد وشبكة العلاقات الأهلية داخل الجماعة الواحدة وفيما بين الجماعات المتجاورة. على أنه يمكن مناقشة احتمالات الإجابة على سؤال: ما هي فرصة أن يكون السقوط في التشاؤم وهماً يسيطر على مسارات السياسات الداخلية و يؤثر في طريقة بناء العلاقات ضمن الفضاء المحلي على مدار قرن كامل؟

وفق طرح دريزنر، تكون العلاقات بين الدول غير مستقرة إلى حد كبير عندما يكون لدى جميع القوى الرئيسية توقعات متشائمة – وهو وضع يلقي بظلاله على العقد المقبل في سياسات القوى العظمى. تبنت الصين والولايات المتحدة وجهات نظر سلبية للعالم ، وهناك سبب للخوف من أن وجهات نظرهما قد تزداد قتامة. كلا البلدين يواجهان مؤشرات إنهاك؛ الهجرة إلى الولايات المتحدة، المصدر التقليدي للقوة الديموغرافية للبلاد، قد تلاشت، وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي. والأكثر إثارة للقلق، أن الصدمات المنهجية المستمرة – جائحة COVID-19 ، والاضطراب المالي ، واختناقات سلسلة التوريد العالمية ، والاستقطاب السياسي – لن تؤدي إلا إلى تغذية عقلية الأزمة التي تدعو إلى التفكير على المدى القصير.

إذا ما نظرنا إلى السياسات التركية من هذا المنظار، التشاؤم والتفاؤل، فإن العنصر الأساسي وجوهر صناعة السياسة في تركيا منذ العام 1925، تاريخ ثاني ثورة كردية ضد “روح الجمهورية” بعد ثورة أصغر وأقل شهرة هي قوجكري عام 1921 في ديرسم، هو القلق المرضي من نهاية الوجود التركي في الأناضول. وحين نقول نهاية الوجود التركي فالمقصود هو المعنى الحرفي للنهاية، أي الاقتلاع السكاني للأتراك وطردهم من تركيا. إن عدم إدراك هذا البعد العميق في السياسات التركية ستؤدي إلى نتائج تحليلية خارج السياق. على سبيل المثال، ثارت ثائرة مجموعة واسعة من السوريين خلال الأيام القليلة الماضية بسبب اعتراض شريحة تركية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على وضع شركة “إل سي وايكيكي” عبارة باللغة العربية على ملابس تنتجها.

الشركة استجابت للاحتجاجات “الافتراضية” وسحبت المنتج من الأسواق واعتذرت عن ذلك. لا يمكن فهم هذا الاعتراض، بطبيعة الحال، ضمن تفسيرات السياسة اليومية. ما الذي يجعل هناك شبه إجماع تركي على إزالة العبارات العربية على واجهات المحلات السورية و ملابس قطنية؟

الهروب أو الموت 

بدون فهم مرحلة التشاؤم العظمى الفعلية في تاريخ تركيا ( من حرب البلقان 1911 إلى نهاية حرب الاستقلال عام 1922)، لا يمكن إيجاد إطار قابل للتفسير لمثل هذه الخطوة التي أجمع السوريون على أنها عنصرية ومهينة بحق اللغة العربية والعرب؛ فبالنسبة للمواطن التركي لا ذاكرة تتحكم في وجدانه أكثر من الروايات التي ورثها عن أجداده القريبين، أيام الغزو اليوناني للأناضول والإيطالي لمناطق في ساحل إيجة الجنوبي. في تلك الحرب، كان الفلاح التركي، في لحظة من لحظات التشاؤم القاتم، أمام خيارين: إما الهروب من الأناضول أو الموت؛ ذلك أن الاحتلال اليوناني وحده من بين مجموع الاحتلالات الأوروبية للأراضي الغربية للدولة العثمانية، بما في ذلك القسطنطينية، كان ذو خطة للهندسة السكانية الكلية وإعادة الأناضول إلى “الحضارة الأم” الهيلينية.

في تلك الحرب الطويلة، حرب الاستقلال، لا يوجد تركي لا يحفظ بصورة درامية مؤلمة كيف أطلق الجيش، المكوّن أساساً من بقايا الفيلق الخامس عشر المتمركز في أرضروم، والفيلق الثالث في سيواس، نداء التبرع قبل معركة إينونو الثانية، وكان التبرع كلياً بالمعنى الحرفي؛ أي من يملك بقرة وكيسين من القمح قدم للجيش بقرة وكيسين من القمح وبقي بلا شيء. من كان يملك حذاء ينتعله فقط رمى حذاءه في العربات التي كانت تجوب قرى الأناضول غير المحتلة لجمع “كل شيء”، والقلة التي لم تتبرع بشيء أخذ الجيش منهم “كل شيء”. في هذا “الأبوكاليبس” تم خوض حرب الاستقلال التي خاضها الكرد والترك، باعتراف مصطفى كمال نفسه في خطبه الطويلة العديدة عقب إعلان الجمهورية عام 1923، وبشهادات معظم القادة الكرد، وأوضحها ما نقلته مراجع عديدة عن نوري ديرسمي في مذكراته وكذلك شهادات أخرى لقدري جميل بك و حلمي بك.

النصر الدامي 

إن المسكوت عنه، والمعروف جداً، في التركيبة النفسية السياسية في تركيا أن هذا الفوز باستقلال هذا البلد كان مكلفاً جداً ومرعباً جداً، وبني البلد على الإجرام والإجرام المضاد، وخاضت هذه الحرب الشريحة المسلحة الأكبر من سكان الأناضول وكردستان والمهجرون الشركس والأرناؤوط، وفي حصيلة الإجرام المضاد في ذروة “التشاؤم الهجومي” بنيت هذه الدولة بكلفة لا يمكن أن يتخيلها ويستوعبها محتج سوري على مطالبات بإزالة عبارة بالعربية على أقمشة ملابس؛ ففي الذهنية التركية، لم يكن العرب جزءاً من حرب الأمة ضد الاحتلال الأوروبي بل كانوا حلفاء للمحتلين.

وسواء كانت هذه المقاربة صحيحة أم مضللة فهذا هو المنطلق في الذهنية العامة التركية لبناء صورة عن حقوق البشر في هذه الرقعة الجغرافية المسماة تركيا، ولعل من الظواهر الاستثنائية في العالم كمية الأعلام التركية على واجهات المباني المدنية والشركات الكبيرة ولكأن هذه البلاد للوهلة الأولى بالنسبة لأي زائر خارجي، تعيش احتفالات مناسبة وطنية في ذلك اليوم نظراً لكثافة الأعلام الوطنية في كل مكان.

ضمن أجواء “نهاية العالم – الأبوكاليبس” يمكن أيضاً تفسير الاستنكار الشائع لدى الأتراك عن سبب وجود ملايين الشبان السوريين في بلادهم وعدم ذهابهم للقتال في سبيل قضيتهم، لأن الذاكرة التركية المبنية على التشاؤم الهجومي تخبر الأجيال الحالية أن كل تركي شارك في حرب التحرير، ولم يتقاعس أحد؛ آباء أرسلوا كل أبنائهم للتطوع في الجيش والقتال في صقارية وإينونو الأولى والثانية وإزمير، وقرى خلت من شبابها وصبيانها كلياً لخوض حرب الوجود ضد الاحتلال اليوناني. لا يمكن لمثل هذه الذهنية استيعاب “تسكع” آلاف الشبان السوريين في اسطنبول في نظرهم. هذه المقاربة مجحفة في العصر الحقبة الحالية من تاريخ البشرية، لكنها لم تتزحزح بعد في سردية التحرير التركية.

التشاؤم العدواني 

في المقابل، المبالغة التركية في التشاؤم الممتد منذ 100 عام، بدون انقطاع، توسس لسياسات مبنية على القلق الوجودي من أي محاولة لإعادة صياغة مفهوم الجمهورية و توسيع الاعتراف بالبنى الاجتماعية والقومية التشاركية في الدولة. هذا التشاؤم يدفع الدولة إلى أن لا تتوانى عن استغلال أي فرصة لتفعيل “التشاؤم العدواني” على شكل حملة احتلالات تستهدف الإرادة الكردية داخل وخارج تركيا. يمكن وصف هذه الحالة أيضاً بـ”التشاؤم الاستباقي”، فعلى هذه الفرضية تسخر تركيا كل أوراقها السياسية والاقتصادية لحماية البلاد من تهديد تتخيله قادماً من التعبيرات السياسية الكردية، داخل وخارج تركيا. وقد اتسع فضاء “التشاؤم الاستباقي” ليصل، لأول مرة منذ نهاية تمرد الضابط التركي في كردستان، أوزدمير، عام 1922، إلى عمق جنوب كردستان حتى شنكال وكركوك والسليمانية، فضلاً عن احتلالها الأكثر وحشية لعفرين.

ربما ما زال الحظ يحالف الدولة التركية في أن لديها المزيد من الأوراق الناجحة لتبديدها في ملاحقة خيالها التشاؤمي ضد الكرد، غير أن الدولة باتت أيضاً على وشك الإفلاس في تقديم أوراق جديدة للمقايضة على الكرد، فكافة النجاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية التركية هي رصيد و رأسمال مخصص لإنفاقه على تسويات وصفقات قد تكون من أجل بلدة صغيرة مثل تل رفعت، أو مدينة عربية يديرها مجلس مدني تحت إشراف الإدارة الذاتية مثل منبج. فالدول القلقة، على ما يذهب دريزنر، هي دول خطرة.

في مقابل هذا التشاؤم الاستباقي التركي ذو الطابع العدواني، تبرز في المقابل ذهنية التشاؤم الاستسلامية بقيادة شريحة كردية تنتمي، من حيث التكوين العاطفي، إلى ذهنية عام 1957، أي ذهنية الحركة الكلاسيكية الكردية التي كانت حركة نضالية وتعبيراً سياسياً للمجتمع الكردي حتى سنوات قليلة ماضية، قبل أن تتحول إلى عربة معطلة بدون عجلات على طريق سريع.