حادثة سجن غويران تكشف هشاشة الدعم الدولي في مكافحة الإرهاب

سامية كُلّاب

بعد مُضي أسابيع من معركة طويلة وعنيفة مع مسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية في سجن صناعة في محافظة الحسكة الواقعة في  شمال شرق سوريا، لا يزال حُطام سيارة استخدمها انتحاريون موجود خارج محيطه. إلى جانب ذلك، قامت الرافعات بنصب كتل خرسانية جديدة لإغلاق المدخل. وبقيت الفجوات في الجدار الخارجي للسجن شاهدة على المأساة التي حدثت داخل السجن عندما تمكن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من الفرار عبرها.

بعد ١٠ أيام من الاشتباكات الطاحنة انتهت معركة سجن غويران، وتمكنت القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة من دحر المسلحين الذين هاجموا السجن في مدينة الحسكة، بهدف تحرير رفاقهم المعتقلين بداخلها. تعتبر هذه العملية من أضخم عمليات التنظيم وأكثرها رعباً منذ سنوات.

لكن خطر التنظيم مازال مستمراً، حيث قامت القوات الكردية بفرض طوق أمني حول الأحياء المتاخمة للسجن والتي تسلل إليها عناصر من تنظيم داعش كانوا قد فروا من السجن.

قالت منى فريد، وهي أم لخمسة أطفال تعيش في حي غويران، الذي تم تسمية السجن على اسم الحي :« بإمكانك سؤال الجميع هنا، وستكون إجابتهم أجمع بأنهم يعيشون حالة هلع ورعب» وذلك في إشارة لمقاتلي التنظيم الذين تسللوا إلى الحي.

وحسب مسؤولون كرد في المنطقة، فإن هذا الهجوم كان متوقعاً وقد حذروا منه منذ فترة طويلة، إضافة إلى أنهم لا يحصلون على مساعدة كافية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي بات يستعيد قوته.

وفي سياق متصل، أفادت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الكرد أن هجوم 20 يناير / كانون الثاني، لم يكن مفاجئاً لهم. كما أوضحت مصادر مخابراتية محلية تزايد أعداد الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة. بيد أنّ قوات سوريا الديمقراطية أعلنت أن هناك عوامل تشتت انتباهها عن محاربة التنظيم، لعل أبرزها الهجمات التركية على المنطقة، وعدم كفاية المساعدة الدولية المقدمة، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية في سوريا.

وقال كورتاي، وهو رئيس وحدة الكوماندوز التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية في السجن، مستخدماً اسمه الحركي :« إن السبب الرئيسي الكامن وراء تنامي قوة الخلايا النائمة لتنظيم داعش هو الصمت الدولي وضعف الدعم المقدم لمكافحة الإرهاب . فالموارد التي لدينا غير كافية لمحاربة التنظيم و خلاياه».

تعرض تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف أيضًا باسم داعش، لضربة قاصمة بعد الغارة الأمريكية يوم الخميس في شمال غرب سوريا والتي قُتل فيها زعيم التنظيم أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، ولكن من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى عرقلة نشاط التنظيم المستمر في العراق وسوريا عن مساره منذ أن أصبحت قيادتها غير مركزية بعد هزيمة التنظيم فعلياً قبل نحو عامين.

وأوضحت دارين خليفة، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية: « منذ بعض الوقت، كانت القيادة العليا لداعش تقوم بـتوجيهات استراتيجية واسعة النطاق للمنظمة العالمية، ولكن ليس القيادة والسيطرة بشكل دائم، سيستمر عناصر داعش بمسمياتهم المختلفة في تنفيذ نشاطهم المحلي حتى يتم تسمية الخليفة الجديد ».

عقب دحر تنظيم الدولة الإسلامية من أخر معاقله عام 2019، بدأ التنظيم باتباع سياسة هجمات الكر والفر عبر خلاياه النائمة في سوريا والعراق، ولكن بوتيرة منخفضة، مستهدفة بشكل أساسي القوات الأمنية . إن تنامي وتيرة تلك الهجمات بدأت تثير المخاوف من أن التنظيم بدأ يكتسب زخماً كبيراً.

تعتبر قوات سوريا الديمقراطية هي القوات الرئيسية التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية، بدعم من مئات من القوات الأمريكية وذلك في منطقة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا. وفي الوقت نفسه، يتوجب على قوات سوريا الديمقراطية أن تُشرف على أكثر من 10 آلاف من مقاتلي الدولة الإسلامية الأسرى موزعين على حوالي عشرين مركز احتجاز، بما في ذلك 2000 أجنبي رفضت بلدانهم الأصلية إعادتهم إلى أوطانهم. كما تشرف على حوالي 62 ألف فرد من عائلات مقاتلي الدولة الإسلامية ، معظمهم من النساء والأطفال في مخيم الهول. ولا يزال العديد من أفراد هؤلاء العوائل من أشد المؤيدين لتنظيم الدولة الإسلامية، كما شهد المخيم موجات عنف من قبل المتشددين.

قالت خليفة إن قوات سوريا الديمقراطية قامت «بعمل بطولي » في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وفي إعادة الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم خلال الحملة الطويلة التي أطاحت بالخلافة المزعومة.

وأضافت أن هنالك عوامل تؤثر على مكافحة قوات سوريا الديمقراطية لتنظيم داعش أبرزها اشتباكاتها المتكررة مع تركيا . كما أن العديد من العرب في المنطقة لا يثقون في استمرارية قوات سوريا الديمقراطية، خوفاً من انسحاب الأمريكيين أو استعادة حكومة دمشق السيطرة على المنطقة، لذا فهم مترددون في تعريض أنفسهم للخطر من خلال تقديم معلومات استخبارية ضد المسلحين.

وحولت قوات سوريا الديمقراطية مدرسة إلى سجن والذي يطلق عليه الآن سجن غويران، وهو أكبر السجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية، حيث يضم مقاتلين من تنظيم داعش.

في 20 يناير / كانون الثاني هاجم نحو 200 مسلح السجن بالتنسيق مع قيام المعتقلين بتمرد داخل السجن وإثارتهم للشغب، واقتحم المهاجمون المكان وأطلقوا سراح بعض السجناء واحتجزوا الحراس كرهائن واشتبكوا مع قوات سوريا الديمقراطية لعدة أيام، على الرغم من الإسناد الجوي وقصف طائرات من التحالف بقيادة الولايات المتحدة مواقعهم بشكل متكرر.

أسفرت الإشتباكات الدامية عن استشهاد أكثر من 121 من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية وحراس السجن، بالإضافة إلى مصرع نحو 380 مسلحاً من التنظيم قبل أن تستعيد قوات سوريا الديمقراطية السيطرة على السجن بشكل كامل .

وقال قائد كتيبة الكوماندوز كورتاي، إن قوات سوريا الديمقراطية كانت تعلم منذ فترة طويلة أن السجن سيكون هدفاً لتنظيم الدولة الإسلامية نتيجة تلقي معلومات استخباراتية عن عدد متزايد من الخلايا النائمة في المنطقة. معرباً أن بعض المسلحين يتسللون بسهولة بين المدنيين عند نقاط التفتيش. فيما يقصد أخرون المدن، ويستأجرون شققاً لكي يبقوا بعيدين عن الأنظار.

عندما اندلع الهجوم، فرضت قوات الكوماندوز بقيادة كورتاي حزاماً أمنياً بمحيط السجن والأحياء السكنية المجاورة . وأشار كورتاي أن بعض أعضاء الدولة الإسلامية اختبأوا أثناء القتال في منازل مدنية، مما أدى إلى عرقلة عمل قوات سوريا الديمقراطية في القتال لتجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

وأكد كورتاي أن السجن الآن بات تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بالكامل، لكنه يتوقع المزيد من الهجمات. فعناصر التنظيم لازالوا مختبئين بين المدنيين. ولا تزال قوات سوريا الديمقراطية تقوم بحملة تمشيط للعثور على خلايا نائمة بالاعتماد على معلومات استخباراتية يزودهم بها  الأهالي.

وفي هذا السياق، أخبر أحد سكان حي غويران وكالة أسوشيتيد برس أنه قام بإبلاغ السلطات المحلية عن أي شخص يدعو للريبة في شارعه، كما أنه أبلغ عن أكثر من ثمانية أشخاص منذ عملية الهروب من السجن، من ضمنهم مسلح كان مختبئاً في خزان مياه.

وأكد نفس المصدر لوكالة أسوشيتد برس الذي لم يكشف عن هويته حفاظاً على سلامته :« أعرف كل شخص في هذه المنطقة. وعندما أشاهد أي شخص مثير للريبة فأني أُبلّغ عنه مباشرة»

من جهة أخرى، شعر السكان بنوع من المضايقة جراء الحملة التي شنتها قوات سوريا الديمقراطية على ثلاثة أحياء بالقرب من السجن. حيث كانوا مدججين بالسلاح عند مداخل الأحياء و يمنعون الاهالي من الخروج لحين تطهير مناطقهم من المسلحين، ويتم السماح بدخول الإمدادات، لكن السكان يقولون إن ذلك غير كافٍ. كما اشتكى العشرات من نقص الغذاء ومياه الشرب. وقالت الأمهات إن ليس لديهن ما يكفي من الحليب لأطفالهن أو طعام لسد رمق أسرهن.

جلست فاطمة خضر على رصيف خارج منزلها وهي تتكلم عبر اتصال هاتفي و تتوسل أحد جيرانها للحصول على الخبز. وقالت فاطمة مستخدمة الاسم العربي لتنظيم الدولة الإسلامية:« نحن ضحية هجوم تنظيم داعش على السجن كما أننا نخشى هذا التنظيم وفي نفس الوقت نحن بأمس الحاجة للماء».

كانت قدرة المسلحين على تنفيذ مثل هذا الهجوم الكبير حتى وسط تحذيرات استخباراتية بمثابة ضربة موجعة لقوات سوريا الديمقراطية. وتأمل قسد أن تظهر للقوى العالمية أنها بحاجة إلى مزيد من الدعم، بعد أن اشتكت لفترة طويلة من أنها تُركت إلى حد كبير بمفردها في محاربة هذا التنظيم  في سوريا.

بعد الأحداث الدامية وفي مشهد كئيب شارك ألاف من المنطقة من ضمنهم إبراهيم إسماعيل أحد تجار المنطقة بتشييع رفات 23 من قوات سوريا الديمقراطية من فقدوا حياتهم في معركة السجن . حيث قال :« فقدان هؤلاء الجنود لحياتهم كان بمثابة صدمة بالنسبة لنا جميعاً».

حدث صمت مطبق أثناء التشييع، ورفعت صور الضحايا عالياً، بينما كانت التوابيت مزركشة بالألوان الكردية تمتد لمسافات طويلة.

وفي أثناء هذا الحدث الجلل سُمع تلاوة آية من القرآن الكريم:«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا». وختم إسماعيل الآية بصوت خافت في قريرة نفسه :« بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».

المصدر: لوس انجلوس تايمز

ترجمة: المركز الكردي للدراسات