الحرب الأوكرانية أوصلت العالم إلى حافة أزمة غذائية

جوليا هورويتز

أجبر الارتفاع القياسي في أسعار الغاز الطبيعي شركة “يارا الدولية” لصناعة الأسمدة، التي يديرها، على تقليص إنتاجها من الأمونيا واليوريا في أوروبا إلى 45% من طاقتها. مع انخفاض هذين العنصرين الزراعيين الأساسيين، فإنه يتوقع حدوث آثار غير مباشرة على الإمدادات الغذائية العالمية.

ويضيف لشبكة سي إن إن بيزنس: “الأمر لا يتعلّق باحتمال سنواجه أزمة غذائية أم لا، بل بمدى حجم هذه الأزمة”.

بعد أسبوعين من غزو روسيا لأوكرانيا، شهدت أسعار المنتجات الزراعية الرئيسية المنتجة في المنطقة ارتفاعاً كبيراً. المشكلة الكبرى هي في القمح، خزّان المؤن الأساسية. الإمدادات من روسيا وأوكرانيا، اللتين تشكلان معاً ما يقرب من 30٪ من تجارة القمح العالمية، معرّضة الآن للخطر. سجلت أسعار القمح العالمية أعلى مستوياتها على الإطلاق في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ثمة مشكلة رئيسية أخرى تتمثّل في الحصول على الأسمدة. من الضروري للمزارعين أن يحققوا أهدافهم الإنتاجية بالنسبة لمحاصيلهم، التي بدت أكثر تكلفة، بعدما توقفت الصادرات من روسيا. كما هبط الناتج في أوروبا بسبب ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، وهو عنصر رئيسي في صناعة الأسمدة القائمة على النيتروجين مثل اليوريا.

الوضع الحالي يدفع بخبراء الصحة العالمية إلى دق ناقوس الخطر، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الذرة وفول الصويا والزيوت النباتية.

أكد وزراء زراعة دول مجموعة السبع يوم الجمعة “عزمهم على القيام بما هو ضروري لمنع أزمة الغذاء والاستجابة لها”. لكن مخاوف النقص، تؤدي إلى توجّه البلدان نحو الانغلاق داخلياً، ما قد يقلل من الكميات التي يمكن للمستوردين الحصول عليها.

حظرت مصر مؤخراً تصدير القمح والدقيق والعدس والفول وسط مخاوف متزايدة بشأن احتياطيات الغذاء في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. شددت إندونيسيا أيضاً قيود التصدير على زيت النخيل، الذي يشكّل أحد مكونات زيت الطهي وكذلك يدخل في صناعة مستحضرات التجميل وبعض السلع المعبأة مثل الشوكولاتة، وهي أكبر منتج في العالم لهذه السلعة.

دعا وزراء مجموعة السبع الدول إلى “إبقاء أسواقها الغذائية والزراعية مفتوحة، محذّرين من أية إجراءات تقييدية غير مبررة على صادراتها”.

وقالوا في بيان أن “أي زيادة جديدة في لأسعار الغذاء والتقلّبات في الأسواق الدولية يمكن أن تهدد الأمن الغذائي على مستوى العالم، وخاصة بين الفئات الأكثر ضعفاً، ممن يعيشون في بيئات بأمن غذائي متدن”.

ستتضرر أيضاً الدول الغربية التي تتمتع بإمكانيات زراعية أكبر. لقد أصيب المستهلكون فيها بالصدمة بسبب الأسعار المرتفعة، والوضع مهيأ للتوجه نحو المزيد من التدهور.

روسيا وأوكرانيا والإمدادات الغذائية العالمية

حتى قبل أن تشن روسيا حربها على أوكرانيا، كان نظام الغذاء العالمي متوتراً. أدت التشابكات في سلاسل التوريد والتقلّبات غير المتوقعة في أنماط الطقس، الناتجة في غالبها من تغيّر المناخ، إلى دفع أسعار الغذاء إلى أعلى مستوى لها منذ حوالي عقد من الزمان. كما ساهمت البطالة الناتجة عن الوباء في انخفاض القدرة على تحمّل التكاليف المعيشية.

قال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة هذا الشهر إن عدد الأشخاص المصنّفين على حافة المجاعة وصل إلى 44 مليوناً بعد أن كان 27 مليوناً في عام 2019.

الصراع بين روسيا وأوكرانيا، اللذان يلعبان دوراً حاسماً في النظام المُعاير بعناية لإنتاج الغذاء العالمي، من شأنه أن يزيد الوضع سوءاً.

على الرغم من انخفاض أسعار القمح العالمية عن المستويات المرتفعة القياسية في الأيام الأخيرة، إلا أنها بقيت مرتفعة، وسط توقّعات ببقائها كذلك لبعض الوقت ، وفقًا لـ “كارلوس ميرا” محلل السلع في “راكوبانك” ((Rabobank كارلوس ميرا.

ستؤدّي الحرب إلى اضطراب في موسم زراعة القمح، الذي يوشك أن يبدأ في أوكرانيا، وسط انخفاض أعداد المزراعين، حيث يحمل الناس في البلاد السلاح، اضافة إلى صعوبات الحصول على الآلات والمنتجات الأساسية الأخرى التي تصل إلى البلاد عادةً عبر موانئ البحر الأسود.

قال ميرا: “لا أحد يستطيع التأكد من قدرة أوكرانيا على تصدير أي شيء في الأشهر القادمة، أو العام المقبل، أو في المستقبل المنظور”. تستحوذ أوكرانيا أيضاً على نصف إجمالي صادرات زيت عباد الشمس عالمياً.

أصبح الحصول على منتجات من روسيا في السوق العالمية أكثر صعوبة أيضاً، لأن الشركات لا تريد المخاطرة بالتعرّض للعقوبات أو التعامل مع مخاطر السفر بالقرب من منطقة حرب.

تعتبر روسيا وأوكرانيا بمثابة سلة غذاء لدول الشرق الأوسط وجنوب آسيا وجوب صحراء أفريقيا التي تعتمد على الاستيراد. سوف يتضرر الكثيرون نتيجة لذلك.

وحسب تقرير جديد لنظام معلومات السوق الزراعية فإن “أي اضطراب خطير في الإنتاج والصادرات من هؤلاء الموردين سيؤدي بلا شك إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر وتقويض الأمن الغذائي لملايين الناس”.

ارتفعت تكاليف الأسمدة

لا تزال هناك أزمات تتجاوز القمح والزيوت. تعد روسيا، إلى جانب حليفتها بيلاروسيا، مصدراً رئيسياً للأسمدة اللازمة لزراعة مجموعة واسعة من المحاصيل. لكن في الوقت الحالي، الكل يتجنّب منتجاتهم.

قالت ديبيكا ثابليل، خبيرة الأسمدة في شركة إندبندنت كومودتي إنتليجنس سيرفيسز “لا أحد يريد أن يلمس منتجاً روسيًا في الوقت الحالي. كل التجّار والمشترون، خائفون للغاية”.

يتسبب ارتفاع سعر الغاز الطبيعي في تفاقم المشكلة. يحتاج منتجو الأسمدة خارج روسيا وبيلاروسيا إلى الغاز لصنع منتجات قائمة على النيتروجين مثل اليوريا، والتي تُستخدم عند بذر المحاصيل لزيادة الغلة وحتى لتعزيز لونها الأخضر الغامق.

لكن هولسيثير، الرئيس التنفيذي لشركة يارا، يرى أن التكاليف أصبحت مرتفعة للغاية بحيث لا يمكن الاستمرار. هولسيثير ليس متأكداً موعد عودة الإنتاج الأوروبي بكامل طاقته.

يقول هولسيثير “هناك جزء كبير من الصناعة معرض لخطر عدم القدرة على توصيل المنتجات للمزارعين، وسيكون لذلك تأثير على غلّة المحاصيل بسرعة كبيرة”.

لدى المزارعين الحافز الآن لدفع المزيد من الأموال للحصول على الأسمدة، لأن أسعار منتجاتهم آخذة في الارتفاع أيضاً. لكن، هذا الخيار لن يكون في متناول الجميع. تم تداول اليوريا بما يقرب من 1000 دولار للطن المتري، أي حوالي أربعة أضعاف السعر مقارنة مع بداية عام 2021، وفقاً لكريس لوسون، رئيس قسم الأسمدة في مجموعة CRU Group، وهي شركة لمعلومات السوق.

قد تواجه البلدان التي ليس لديها إنتاج محلي للأسمدة صعوبة أيضاً في الحصول عليها، مع عواقب وخيمة على نظام الغذاء العالمي.

قالت جوانا مينديلسون فورمان، الأستاذة بالجامعة الأمريكية والمتخصصة في الحرب والغذاء “لا يمكنك زراعة حقول ضخمة من القمح أو الشعير أو الصويا بدون أسمدة”. وأضافت أن المزارعين في المكسيك وكولومبيا والبرازيل قلقون بالفعل بشأن النقص في كميات الأسمدة.

النتائج

قال وزراء الزراعة في مجموعة السبع يوم الجمعة إن بلادهم ستستفيد من المساعدات الإنسانية حيثما أمكنها ذلك للتخفيف من تداعيات الحرب. لكنها قد تتعثر أيضاً بسبب ندرة الإمدادات وارتفاع الأسعار.

قال ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، في ورقة بحثية قام بنشرها في صحيفة واشنطن بوست “إذا ظلت الحقول الأوكرانية مهجورة هذا العام، فستضطر وكالات الإغاثة مثل وكالتنا إلى البحث عن أسواق جديدة للتعويض عن خسارة بعض أفضل أنواع القمح في العالم”.

وأشار بيسلي إلى أن القمح الأوكراني كان أيضاً ضرورياً لإطعام السكان في البلدان الأخرى التي تواجه صراعات، مثل أفغانستان والسودان واليمن وغيرها.

وقال ميرا من “رابوبنك”: “الغالبية العظمى من القمح يستخدم للاستهلاك البشري، وهذا لا يمكن الاستغناء عنه”.

ومع ذلك، ستشعر حتى البلدان المتقدمة بآثار أزمة الغذاء. أكدت مندلسون فورمان أن القدرة على تحمل تكلفة الغذاء مشكلة للمتسوقين ذوي الدخل المنخفض في كل مكان.

وقالت: “لقد اعتدنا على نظام تجاري عالمي قائم على امكانية الحصول على جميع أنواع الأطعمة. لكن الناس سيرون انعكاسات ذلك على جيوبهم، وسيشاهدونه في متاجر البقالة”.

المصدر: موقع سي أن أن

ترجمة: المركز الكردي للدراسات