التطهير العرقي تحت الاحتلال التركي في عفرين

توماس شميدينجر

قبل أربع سنوات، وعقب حربٍ دامت شهرين، أحكم الجيش التركي وأعوانه من المليشيات السورية قبضتهم على منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية. على إثره، تهجّر قرابة 150 ألف شخص من المدينة باتجاه المنطقة المحيطة ببلدة تل رفعت. لم تطال موجة التهجير هؤلاء الكرد الذين كانوا يعيشون في المدينة فحسب، بل أنضم إليهم قبل أسابيع من انتهاء حملة الاحتلال، أولئك الذين نزحوا من القرى والبلدات الصغيرة المنتشرة في محيط مدينة عفرين أيضاً.

حالياً، تعيش الغالبية العظمى من الذين نزحوا حينها، في مخيم الشهباء الذي يقع بالقرب من تل رفعت، ويديره الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وسط ظروف محفوفة بالمخاطر. وعلى الرغم من أنّ بعض النازحين عبروا نحو مناطق الإدارة الذاتية في شرق الفرات، ومنهم من سلك طريقه صوب أوروبا، إلا أنّ السنوات الأربعة الماضية أرغمت غالبية المهجّرين على التوجّه إلى مخيم الشهباء جراء توسع عمليات الاحتلال التركي، حتى باتت القدرة الاستيعابية للمخيم تتقلّص تدريجياً نتيجة توافد أعداد اللاجئين بكثرة.

مسببات كثيرة تقف وراء مغادرة السكان مناطقهم حتى بعد انقضاء العمليات الحربية، ويأتي في صدارة ذلك، قيام الميليشيات الإسلامية، التي جمعها الجيش التركي تحت مظلة فضفاضة تسمّى بـ “الجيش الوطني السوري”، بمواصلة ارتكاب الانتهاكات التي تندرج في خانة جرائم الحرب ضد السكان المحليين. يكاد لا يمر يوماً دون وجود فصل جديد يضاف إلى مسلسل هذه الجرائم، فمن تعرّض النسوة الكرديات إلى العنف الجنسي، وصولاً إلى تدنيس المقابر والمواقع الدينية التابعة للأقليات الدينية الإيزيدية والعلوية وتدميرها جزئياً. ومن ثم، بناء المساجد في القرى التي كانت مأهولة سابقاً بالسكّان الإيزديين والعلويين حصراً، وإرغام من تبقى من المنحدرين من هذه الأقليات الدينية على تلقّي دروس تعليم القرآن، وغيرها..

أخبار عمليات التهجير القسري والاختطاف ترد بصورة شبه يومية. تبعاً لذلك، لم يعد كافياً إحالة دوافع هذه الانتهاكات إلى البعد الإيديولوجي والتعصب الديني، بل باتت مرهونة أيضاً بمكاسب مادّية، خاصة عمليات الابتزاز من خلال اتخاذ الخطف كوسيلة لنهب الأموال. وهذا ينطبق على قطع الأشجار وبيع أخشابها، بالإضافة إلى سرقة محصول الزيتون، الذي اشتهرت به عفرين، من قبل الحكام الجدد وطرحه في الأسواق الدولية عبر القنوات التركية. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عُرضت منازل وشقق مهجورة على مستوطنين عرب قادمين من مناطق أخرى في سوريا، الأمر الذي أتاح لتركيا فرصة للتخلّص من اللاجئين السوريين.

منذ استيلاء القوات التركية قبضتها على المدينة في آذار (مارس) 2018، بدا وضع عفرين في غاية الخطورة، فالمدينة مع ريفها تدار من قبل ميليشيات إسلامية مختلفة تحت سقف السيادة التركية. حيث تسخّر المدارس من أجل تدريس المناهج التركية باللغتين العربية والتركية، علماً أنّ المنطقة خالية تماماً من الأقلية التركمانية، فالتركمان السوريون يستقرّون بشكل رئيسي في جنوب وشرق منطقة عفرين. كما ترفرف الأعلام التركية على المدارس والمباني الرسمية إلى جانب أعلام المعارضة الإسلامية السورية، وفتحت أنقرة أيضاً مكتباً للبريد التركي في عفرين.

حالياً، مُنعت العملة السورية من التداول في السوق، التي اقتصر التداول فيها فقط على الليرة التركية كوسيلة للدفع، وقد فرض هذا التحوّل أعباء هائلة على كاهل سكان المنطقة من جهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، تزامناً مع تتدهور كلاً من العملتين السورية والتركية.

على المستوى الإداري ومنذ عام 2018، يُحرّم على السكان الاصليين الباقين في عفرين إدارة الهياكل الإدارية المحلية التي أنشأتها قوة الاحتلال التركي، حيث سُلّمت مفاصل الإدارة لكل من المستوطنون العرب والتركمان الجدد، وأحياناً يجري تزيينها مع ثلة من المتعاونين الكرد عبر مواقع هامشية، مشروطة أن تخلو سجلاتهم الذاتية من أيّ تعاون مسبقاً مع الإدارة الذاتية التي كانت قائمة حتى عام 2018، وكذلك الأحزاب الكردية المنضوية تحت سقف المجلس الوطني الكردي. في حين، تم استبعاد النساء بشكل شبه كامل من هذه الهياكل وذلك بالتناقض مع مقاربة الإدارة الذاتية قبل حقبة الاحتلال.

مع تحرّك الجيش التركي صوب المدينة في وقت مبكر من 18 آذار/مارس 2018، عُقد مؤتمر بعنوان “إنقاذ عفرين” في مدينة غازي عنتاب التركية بغية وضع حجر الأساس للإدارة المستقبلية، وسط غياب أي منظمة كردية بارزة، بما في ذلك أحزاب المجلس الوطني الكردي، عدا ثلة من المتعاونين الكرد الذين لم يكن لهم أي تأثير يذكر في عفرين. تبعاً لمخرجات المؤتمر، فقد تم “انتخاب” 35 عضواً لإدارة المجلس المحلي في المدينة، لاحقاً، وسّعته الحكومة التركية في 10 نيسان/أبريل 2018 إلى لجنة مكوّنة من 107 عضواً، موزّعة بين 100 عضو من الرجال و7 نساء فقط، بينما كانت الإدارة الذاتية التي تدير المدينة حتى عام 2018، تشددّ على توزيع جميع المناصب بالتساوي بين النساء والرجال. حالياً، تراجعت نسبة النساء إلى أقل من 10٪، وغالبيتهنّ لا يملكن أي تأثير حيال ما يجري عملياً.

 فعلياً، تدار عفرين من محافظة هاتاي التركية، حيث تُدفع رواتب موظفي إدارة الاحتلال وميزانيات الإدارة عن طريق محافظ هاتاي، فصلاحيات المحافظ لا تقتصر على النطاق الإداري فحسب، بل تمتد سلطته القضائية لتشمل المنطقة عموماً.

مع إعلان تأسيس قوات الشرطة من قبل الاحتلال التركي، اخُتيرت غالبية أعضائها بشكل أساسي من مستوطنين عرب جدد أو أعضاء في الميليشيات الإسلامية. تتجسّد وظيفة هذا الجهاز، وبشكل ممنهج، بضرورة قمع المتعاطفين المزعومين والحقيقيين مع الإدارة الذاتية قبل الاحتلال، كما قامت أيضاً باعتقال أعضاء المجلس الوطني الكردي الذي كان في نزاع مع الإدارة الذاتية. إن الهدف من وراء هذه الإجراءات المتّبعة يكمن في لجم أي منظمة كردية مستقلة ترفض الانصياع لأوامر أنقرة مباشرة.

عموماً، لم تكن سياسة التغيير الديموغرافي الممنهج ضد السكان المحلّيين مدفوعة فقط بإعادة اللاجئين العرب من تركيا، وبعضهم قسراً، ولكن كانت ترمي أيضاً إلى توطين أنصار قوات المعارضة السنيّة من الغوطة وحمص، أي من المناطق التي استعادتها الحكومة السورية من قبضة مليشيات المعارضة الإسلامية. وحسب إدارة عفرين الموالية للحكومة التركية حالياً، فقد استوطن حوالي 87936 شخصاً من الغوطة ومحافظة حلب وحدهما في عفرين بحلول نهاية أيار/مايو 2019، في حين انضمت إليهم لاحقاً نحو 2600 عائلة من شمال حماة. وخلال أول عامين من الاحتلال، قام العديد من الميليشيات الموالية لتركيا بتوطين عائلاتهم في المنطقة، فضلاً عن المواطنين السوريين القادمين من أجزاء أخرى في البلاد، بل وتم جلب حتى التركمان السنّة من العراق، و كذلك الإيغور الذين فقدوا إقامتهم القانونية في تركيا.

قصارى القول، تسعى تركيا من رحم سياسة الأمر الواقع إلى إنشاء كتلة سكّانية جديدة وموالية لها، ومن شأن ذلك أن يجعل من الصعب على السكان الكرد العودة في المستقبل. فكلّما طالت مدة بقاء السكان العرب الجدد في المنطقة هناك، زادت صعوبة عودة السكان الأصليين مستقبلاً. في الوقت نفسه، تحاول الحكومة التركية أيضاً تخفيض عدد اللاجئين السوريين في بلادها والوفاء بدورها الذي رسمه الاتحاد الأوروبي لها من خلال حماية الجناح الجنوبي الشرقي لأوروبا، وإبعاد اللاجئين عن حدود أوروبا.

بالتّالي، ينبغي أيضاً النظر إلى التطهير العرقي الممارس في عفرين ضمن سياق سياسة اللجوء الأوروبي بصورة عامة، والتي على الرغم من كونها منفتحة نسبياً حالياً أمام الأوكرانيين البيض والمسيحيين، إلّا أنّها تعامل حتى المواطنين غير الأوكرانيين من أوكرانيا بشكل مختلف تماماً. بالنسبة للاختيار العنصري بين اللاجئين الجيّدين (البيض والأوروبيين) واللاجئين السيّئين (السمر والمسلمين)، هناك حاجة إلى مناطق يمكن فيها التخلّص من اللاجئين غير المرغوب بهم يوماً ما. ويمكن أن تصبح عفرين الواقعة في شمال غرب سوريا جزءً من هذه المناطق المستهدفة، حيث تتم إدارتها من قبل سلطة مستبدة ميؤوسة تخضع مباشرة للسيطرة التركية.

ملحوظة: كُتبت هذه المادة حصراً للمركز الكردي للدراسات بمناسبة مرور الذكرى السنوية الرابعة لاحتلال عفرين.

• توماس شميدينجر: عالم سياسي، وأمين عام الجمعية النمساوية لدراسة” كوردلوجيا المتقدّمة”، ومحرر مشارك لكتاب “فيينا السنوي” حول الدراسات الكردية. وهو أحد المراقبين القلائل الذين زاروا المنطقة خلال فترة الإدارة الذاتية في عفرين. وصاحب مؤلف” المعركة من أجل جبل الأكراد: تقرير المصير والتطهير العرقي في عفرين وروج آفا”.