اللاجـئـون: سؤال الإنسانية وأجوبة حنه أرندت

بدر الحمري

من المعلوم أنّ المنظرة السياسية والفيلسوفة ذات الأصول الألمانية حنه أرندت  Annah Arendt ( 1906-1975) أُرغمت على الهرب من ألمانيا سنة 1933 بعد صعود هيتلر للسلطة، وعملت في باريس لست سنوات مع منظمات اللاجئين اليهودية، وعن تجربتها الإنسانية في اللجوء تقول حنه أرندت: « اعتاد اللاجئون على تمنِّي الموت إلى أصدقائهم أو إلى أقاربهم؛ فإذا ما مات أحدٌ، تخيلنا بابتهاج كل العناء الذي استطاع أن يوفّره على نفسه. وفي آخر الأمر، انتهى كثير منّا إلى تمني أن نكون نحن أيضاً استطعنا توفير بعض العناء على أنفسنا، وأن نفعل وفقاً لذلك».

إنها لشجاعة كبيرة أن يحيا الإنسان في عالم مُضطرب، ترتفع فيه أمواج اللاطمأنينة عالياً، والشجاعة تصير أكبر حين يعيش المرء عند حافة مجتمع مشتعل بكل فنون العنف المادي والرمزي والقهر الثقافي أو العرقي أو الديني وكل أشكال التضييق على حياته؛ من انقطاعات متتالية للكهرباء إلى ندرة الماء الصالح للشرب ومشاكل التدريس خاصة لدى الأطفال والمرض والتهميش الكليّ من أبسط شروط الحياة .. وغيرهما كثير، لكنها المعجزة عندما يرحل فرد أو جماعة فوق الماء .. والنار .. من أجل أن يلتقي بأصدقائه أو أحبابه أو في أقرب تقدير أن يلتقي بإنسانيته التي ضاعت منه وسط عالم تعج فيه التفاهات والفظاعات والعاهات الأخلاقية والحالمون بالإمبراطوريات الدموية.

هذا ما يظهر أو حتى ما يخيّل إلينا ونحنُ نعيش ونشاهدُ أخبار عالم وَقَعَ فوق صفيح ساخن؛ أنّ البشرية بطريقة ما تعيش حالة هروب فوق الماء، وإنّ كان الهروب يختلف من جهة إلى أخرى في طريقته وشكله وطبيعة الهاربين، إلاّ أنه هروب يمكنُ أن نسميه نوعاً من الهروب شبه الكبير، من دون موسم أو سابق إعلام تحتاج إليه البشرية حتى تعلن ذلك، وقبلهُ كان العالم قد عاش انهيار قيم السِّلم؛ فكم البشاعة والبلاهة والظلم الذي يهدد علينا حياتنا يومياً كاف بأن يجعل كثير من الأوطان – حتى لا أقول مناطق من دول العالم – في حالة تأهب قصوى للهروب فوق الماء والنار من أجل إعادة بناء حياة تليق بنا، وكلنا نتذكر ما فعلته الحروب خاصة الحربين الكونيتين الأولى والثانية من تشريد لملايين المواطنين عبر العالم.

المفارقة أن كل هارب يمكنُ أن نصفهُ بأنه لاجئ Refugee هذا المفهوم السياسي الذي نشط في العصر الحديث، واشتهر كثيرا خلال القرن الماضي، سنة 1921، ويتم تحديده بكونه كل مواطن أُجبر على ترك وطنه لأسباب قاهرة تمنعه من العيش فيه. وبالتالي ففي حالة اللجوء لا حرية تكون أمام اللاجئ في اختيار الوجهة التي يُريدها، ما يهمه هو حياته وحياة عائلته أو أسرته .. وفيما نبهتنا إليه الفيلسوفة حنه أرنت أنّ الموت يكون أقرب من اللجوء وأحنّ منه، ولك أن تتخيّلَ كيف يتحول الموت إلى آبتهاج ( سعادة ) لكنها سعادة مرهونة بالحدود أو بما تجود به الأوطان على أوطان أخرى مزقتها الحرب أو المعارك العقدية والسياسية وغيرها. بل إنّ هذا الموت يتحولُ إلى تمني تحت قهر اللجوء وآنسلاخ الذات من صورتها الأصلية ( التي تعرفُ عادة باسم الهوية ) سواء كانت سياسية بسبب موقف أو رأي، أو كانت بسبب جرم لم يرتكبه اللاجئ. نستشفُ ألم وحزن ومرارة هذه الصورة من قول حنه أرندت الآتي: «صحيح أننا اضطررنا إلى البحث عن ملجأ؛ لكننا لم نرتكب أي جرم وأكثرنا لم يحلم أبداَ بأن يكون له أيّ رأي راديكاليّ ». لذلك فغالباً ما تعيش الشعوب المضطربة في أوطانها حالة حساسية من وصفها باللاجئين، وقبل حدوثها، لأن الفكرة التي ترن بين جنباتهم وتنتزع طمأنينتهم تكون دائماً على الشكل الآتي: أن نصل إلى بلد جديد من دون أية حظوظ في البقاء.

إذا كان الفيلسوف في وقت ما يكتب ضد الكتاب كما صرح بذلك جاك دريدا ذات مرة، فإنه من جهة أخرى عليه أن يكتب ضد المعنى الكلاسيكي لحياة الإنسان، على الأقل ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة ونحن اليوم نعيش على أعتاب عصر اللاجئين بامتياز، تسبب ليس الاضطرابات السياسية فقط، بل الصحية (انتشار الأمراض والفيروسات خاصة) وانقلاب الطبيعة على الإنسان وما خلفته من تغيرات مناخية  تضر من قريب بالمجتمعات البشرية ( الاحتباس الحراري، الجفاف، التصحر وغيرها). هناك لاجئون إلى الإنسانية ما بعدَ الفتن التي نتجت عن ما سميّ بــ’الربيع العربي’، والفشل الذي ورطتنا فيه جماعات الإسلام السياسي والجماعات التي تسير مسيرها في تخريبها للأوطان، كما يحدث مع داعش في سوريا والعراق وأفغانستان على الأقل .. وكثير من المشاكل الكبرى التي تفاقمت بعد انسحاب أمريكا من أفغانستان، بحيث هرب عشرات الآلاف من الأفغان من طالبان وبقايا القاعدة في أفغانستان، فلم يعد للإنسان المعاصر خيار اليوم غير الالتفاف حول نفسه بكل عدالة، وإلاّ فإننا جميعاً سنشهدُ هجرات ولجوء لدول كنا نعدّها نامية أو في طريق النمو، فإذا بها تسقط في شراك الفقر والمرض والإرهاب والاغتيالات والأزمات الاقتصادية ( لبنان مثلا ) ..

أما عندما نقول إنّ الفيلسوف اليوم يكتب “ضد المعنى” فهذا لا يعني أنه ينتج اللامعنى في الوقت التي ينتظر منه أكبر من ذلك، بل إنه يكتب ضدّ تلك المعاني الجاهزة التي تلوكها الألسن منذ عشرات السنين حول الديمقراطية والحرية والمساواة، أي تصبح الكتابة هنا ضد المعنى الذي رسخت عليه عقول لا تقبل التحديث أو التنوير أو الانتقال الديمقراطي وتوسيع فهومها في مسائل تهم الحضارة الإنسانية مثلا.

لكن السؤال المثير هنا هو: هل يمكن لللاجئ أن يكون متفائلا؟

تقول الفيلسوفة حنه أرندت : «  من أجل أن يُعيد ( يعني اللاجئ ) بناء حياته من جديد على المرء أن يكون قوياً ومتفائلا، وهكذا نحن متفائلون جداً. إنّ تفاؤلنا هو في الواقع تفاؤل مثير للإعجاب، حتى ولو قلنا ذلك نحن أنفسنا. إنّ قصّة كفاحنا قد صارت في نهاية الأمر معروفة. نحن خسرنا موطننا home، وذلك يعني ألفة الحياة اليومية. نحن خسرنا عملنا، وذلك يعني الثقة في أننا مفيدون بشكل ما في هذا العالم، نحن خسرنا لغتنا، وذلك يعني طبيعة ردود الفعل، وبساطة الإشارات، والتعبير عن المتكلف من المشاعر. نحن تركنا أقاربنا في الغيتوهات البولندية، وافضل أصدقائنا كانوا قتلوا في المحتشدات، وذلك يعني تمزق حياتنا الخاصة »

إن لكل لاجئ ماضِ وثقافة وذاكرة يحملها في ذاته، ومع توالي النكبات والأزمات والكوارث، وتعمق الهوة الفارقة بين الضمائر الإنسانية، وتوحش تجارها، يصير من الممكن جداً، في القادم من السنوات أن تتحول دول بأسرها إلى كائنات تسير نحو اللجوء، وما يعزز هذا الأمر الانذارات المتكررة بقيام الحرب بين دولتين أو أكثر .. ورغم ذلك تصف حنه أرندت أن مستقبل اللاجئين هو مستقبل بلا يقين.

اللاجئون تعبير مأساوي عن ما يعيشه العالم من خسارة وضنك في التضامن، ولغة تتكلم بقوة التجربة، تعبيراً عن أنّ فتن الماضي لم تعد مهمة بقدر هذه الفتنة الكبرى التي تجعل المرء يترك وطنه الأم .. إلى وطن آخر، هو أم طبعاً، لكنها ليست الأم الروحية التي منحتنا الحياة. تقول حنه أرندت: « وهكذا، وعلى الرغم من تفاؤليتنا الصريحة، نحن نستعملُ كل ضروب الحيل السحرية من أجل استحضار أرواح المستقبل » من ثم، فاللاجئ لا يستحضر الماضي إلاّ بوصفه روحاً حية تنظر إلى المستقبل فتصير روحاً للمستقبل.

لكن أين تظهر المشكلة: عندما يُنظر إلى اللاجئ ليس بوصفه مواطن مستقبَلي بل أجنبي معادي .. بل ومعادٍ جداً. ربما ليس من السهل تفادي بعض الأفكار المتشائمة التي تأتي من التمييز بين السكان الأصليين والسكان الوافدين. بين اليمين المتطرف والإنسانية الغريبة في العالم. إنّ مأساة اللاجئين هي أكبر من أن تكون مسألة حدود جغرافية يمكن أن ترتسم في ليلة حرب ما، تفرز المنتصر والمنهزم، وفي الصباح يُعلن عن حدود جديدة، إنها مأساة الحياة إلى جوار الموت: خلاصة شديد يمكنُ أن نستشفها من صندوق أخبار اللاجئين عبر الفضائيات. وحدهم الموتى من يهنؤون في تربتهم، يسخرون من الأحياء، ويضحكون من ربطات عنقهم، وأحذيتهم اللامعة، وملابسهم المتعطرة بأنتن الروائح المقلدة .. ولسانُ حالهم يقول: ما أتفه الأحياء  !ربطات عنق لمن .. لمتحدثين ومتكلمين لا يعرفون السلام أو التعايش أو التسامح، يؤجلون كل ذلك في غرف مغلقة إلى حين !

على هذا المنوال الذي نتأمل فيه مفهوم اللاجئ ونرتفعُ به من مستوى التداول الاعلامي إلى مستوى النظر الفلسفي تصبحُ أزمة الإنسان المعاصر عويصة؛  فبقدر ما يكوِّن صورة عن نفسه .. يصبحُ في أفعاله نموذجاً لشيء آخر غير نفسه؛ مثلا هو يريد أن يكون حراً وسعيداً لكنه في مقابل ذلك يزداد عبودية وتعاسة، ليس لأنه في سجن أو معتقل في صحراء شاسعة، ولكن لأن القيد لم يعد هو هو، وبسبب التقنية والسرعة في الانجاز أو العمل المتضخم، يزداد كل يوم هذا الإنسان المعاصر خصومة لا شعورية مع الحرية والسعادة، فتسيطرُ قيم سلبية على فردانيته مثل الخوف والقلق والفشل وخيبة الأمل، وإذا لم تتغير هذه القيم إلى الاشباع والمتعة وتحقيق كل الميولات فإنها تصطدم مباشرة بصخرة الاكتآب التي تثقلُ القلب ولا ترضى بالتزحزح إلاّ بعد أن يصبح الاكتآب دستور الفرد اليومي، وجلده، وعظمه، وصوتُه. إنه الآخر الذي نعيش معه وفيه.

الوطن واللجوء: هما من جملة القيم التي ترى على النقيض مع بعضها البعض، وكأن الأمر يتعلق بديالكتيك الحرية الذي « يعني وضع قيود جديدة. التحرر من الآخر يتحول إلى علاقة نرجسية بالذات، والتي تفضي إلى العديد من الاضطرابات النفسية التي تصيب ذات – الإنجاز اليوم » وبالتالي تكون العلاقة مع الآخر هنا هي علاقة مع كتلة من القيم اللاتحريرية التي تواجهك في الواقع، وتكبّل ذهنك ومشاعرك وتوتر أعصابك من أجل أن تبقى حبيساً فيها، وعندما تقلب الواقع نفسه فإنها تظهر في صورة المادة المعروضة عليك، أنت تقرر مشاهدتها أم تغيير الواقع، والحال أنّ كل ما يقعُ مخطط له مُسبقاً، حتى لو كان في صيغة ‘عاجل’ الفضائية، لأن ‘عاجل’ تركيز على حدث مسبق، كارثة متوقعة، مشروع ينتظر الحسم فيه، وعندما يتقاطر العاجل من كل حدب وصوب فالذات لا تجد بداً من متابعته، إنه الخبر الوحيد الذي لا يكتمل، فيصير بذلك مجتمع قائم على انتظار ‘عاجل’ مجتمع لا تكتمل مشاعره أو أفكاره أو وعوده أو أمنه .. دائما ينتظر ‘عاجل’. أما هذا الشرخ الذي يعيشه الإنسان في يومه لا بأس من أن نستحضر قول حنه أرندت وكأنها تجيب عن سؤال لماذا نلجأ إلى الآخر، مجتمع آخر، وطن آخر، تقول أرندت: « إنّما الإنسان حيوان اجتماعي والحياة ليست سهلة بالنسبة إليه عندما تكون الروابط الاجتماعية مقطوعة. إنّ التمسك بالمناويل الأخلاقية هو أيسر كثيراً داخل نسيج المجتمع. وبعض الأفراد القلائل فقط يملكون القوة من أجل الاحتفاظ بكرامتهم حين يكون وضعهم الاجتماعي والسياسي والقانوني ملتبساً ».