من الحرب إلى الإبادة الجماعية: السلام هو الحل !

بدر الحمري

الحرب .. وفكرة ‘الإنسانية’

في كلِّ مناسبة أليمة أو كارثية للإنسانية يتم تداول مصطلحات قانونية ذات خلفيات سياسية وفلسفية أيضاً؛ ففي الحرب مثلا – وهي أم الكوارث الأليمة -يتم تداول مصطلح الإبادة الجماعية Genocide حيث تكون هناك مواجهات عسكرية تتم لفترة طويلة أو قصيرة، ممتدة أم متقطعة، باستخدام أسلحة محظورة أو غيرها، وتسفر عن ضحايا بشرية وحيوانية وطبيعية ومادية، يُدكّ فيها الأخضر واليابس. والحرب نفسها تحدث عندما يغيب القانون أو يتمّ تغييبه عنوة، سواء كانت حرب عادلة أو غير عادلة، حرب شاملة أو محدودة، حرب دولية أو داخلية، وكلها تعبرُ عن دلالة واحدة وهي غياب تام – وخطير – للإرادة الدبلوماسية أو القضائية أو الأخلاقية في تدبير الخلاف، وخلق سبل للحوار، والتفاهم، وحلِّ الأزمات، وتسوية الأمور المتنازع حولها بين الأطراف المتخاصمة في الحرب أو المشاركة فيها من قريب أو بعيد، من دون خسائر مادية أو ضحايا (مدنيين أو عسكريين).

الحرب سياسة عنيفة أو هي السياسة عينها عندما تمارس بوسائل عنيفة تُرغم الآخر ( أو العدو ) على الاستسلام أو التنازل عن حقوقه بالقوة والتهديد  وما ينجم عنهما من مظاهر القسوة والترهيب، والرعب، والانتهاكات الجسيمة، والاضطرابات النفسية عند المدنيين العزل خاصة عند الأطفال والنساء، فضلا عن وقوع ضحايا في صفوفهم؛ فرُغم ‘فكرة الإنسانية’ التي تقضي بها الأمم المتحدة والتي تدعو إلى عدم ‘استهداف المدنيين بالعمليات العسكرية’، وكما في كل حرب عسكرية هناك ضحايا في الأرواح والممتلكات .. ففي الحرب الباردة Cold war هناك ضحايا أيضاً؛ ولا أدلّ على ذلك إلاَّ الحرب الباردة التي دارت رحاها بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، وامتدتْ لأزيد من خمسين عاماً على الأقل ! وأنتجت هذه المواجهة ( الباردة ) بينهما ضغوطاً نفسية واقتصادية وسياسية قاسية، ‘بل وصل الأمر إلى حدّ الدخول في حرب أهلية وإقليمية بالوكالة، والانخراط في أعمال نفسية وتجسُّسية، تستهدف إنهاك الخصم .. وقد اختلفت الآراء بصدد تاريخ ظهور هذه الحرب؛ بين مَنْ ربطها بنجاح الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917؛ ومَن ربطها بإلقاء الولايات المتحدة الأمريكية القنبلة الذريّة على هيروشيما وناكازاكي باليابان في أغسطس من سنة 1945؛ فيما ذهب آخرون إلى تأريخ ظهورها بانطلاق مؤتمر يالطا بتاريخ 04 / 11 / 1945’.

الحرب من طبيعتها المتوحشة تتطور وتسير مسارات قد لا تحمدُ نتائجها، وتُرتكب فيها جرائم عدة مثل الاغتصاب والنهب والقتل والاختفاء القسري أو الاختطافات، لكن تبقى جريمة الإبادة الجماعية هي أكبر الجرائم الحربية وأخطرها على الإطلاق. فما المقصود بها إذاً؟ وهل هناك حلول ناجعة وحقيقية، أي عملية، للحيلولة دون الوقوع في شراكها؟

الإبادة الجماعية جريمة الجرائم

تشير المعاجم القانونية والفلسفية إلى أنّ الإبادة الجماعيةGenocide  تُعدّ من أفظع الجرائم الدولية وأخطرها على الإطلاق، بل هي ‘جريمة الجرائم’كما ينظر لها اليوم. وإذا كانت الجريمة قديمة قدم البشرية، ومعها الحرب أيضاً، حتى أن تومس هوبز صرَّح بأن تاريخ البشرية هو تاريخ حرب الكلِّ ضد الكلِّ، فمتى تمَّ تداول مصطلح الإبادة الجماعية لأول مرة؟

استُعمل مصطلح الإبادة الجماعية لأول مرة في الحرب العالمية الثانية، في علاقة مباشرة بالإبادة العرقية، وجرائم الحرب، واستهداف المدنيين، وبعد منع هذه الجريمة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة، ترسّخ في القانون الدولي مفهوم الإبادة، فأقرَّت الجمعية بمعاقبة مرتكبيها وذلك في ديسمبر 1948، وتمَّ تنفيذها في 12 يناير 1951.

في التحديد المفهومي تعرَّفُ جريمة الإبادة الجماعية بأنَّها ‘ كل فعل جرمي، أرتكب بهدف القضاء على جماعة إثنية، أو عرقية، أو دينية .. بصورة كلية أو جزئية؛ سواء تم ذلك في حالة الحرب أو السلم’. وحدّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مادتها الثانية الإبادة الجماعية بأنِّها أيٌّ من الأفعال التالية؛ المرتكبة عن قصدٍ للتدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه:

أ‌. قتل أعضاء من الجماعة.

ب‌.إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء الجماعة.

 ج. إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية، يُراد بها تدميرها المادي كلياً، أو جزئياً.

د. فرض تدابير، تستهدفُ الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

ه. نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.

بموجب المادة السادسة من المحكمة الجنائية الدولية تمَّ تبني التعريف السابق في النظام الأساسي للمحكمة نفسها.

إنَّ العناصر السابقة تتداخل مع مفهومنا المعاصر للإرهاب، بِعَدِّه نهجاً متكاملاً لكلِّ أساليب العنف ( القتل، التخريب، تفجير المباني والمؤسسات ..) فضلا على أنّ استعمال مفهوم الإرهاب ظهر في أواخر القرن الثامن عشر، وتنامتْ مخاطره حتى أصبح يتم « بطرق بالغة الدقة والتطور مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة، وأضحتْ خسائره جسيمة، تكادُ تعادل خسائر الحروب النظامية سواء في الأرواح أو الممتلكات والمنشآت .. ».

السلام هو الحل

ما زلنا نؤكدُّ في كلِّ مناسبة أن السلام هو الحل، وسنبقى على ذلك التأكيد ما بقيت فينا الأنفاس؛ فكل محاولات التعنيف المنتشرة في العالم لا يمكنُ أن تجدي نفعاً؛ فالسلم بِعدِّه قيمة إنسانية يشير إلى التواصل والتعايش والتسامح والتعاون بين الشعوب من جهة، وبين أفراد المجتمع الواحد من جهة ثانية. السلم هو السبيل الوحيد للاستقرار في العالم، وطي لصفحة الحرب، والقضاء على أسباب التحريض على الخراب، وغوغائية الصراع في أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وإلاّ فكيف يمكنُ أن نفهم أن السياسة بما هي فن ليست سوى الحكمة في فض النزاعات، أو بتعبير أدق إن ‘فن السياسة هو في الأساس معالجة اللغة’. الحرب كلمة والسلم أيضاً. لكن إذا كان الإنسان كائناً متوحشاً بطبعه كما يرى التحليل النفسي الفرويدي– نسبة إلى سيغموند فرويد- هل يمكنُ تحقيق السِّلم فعلا بين الأفراد والشعوب؟

للإجابة عن السؤال السابق نقترح هنا إجابة الرئيس الأمريكي السابع والثلاثين ريتشارد نيكسون ( 1913-1994) في معرض حديثه عن نوعين من السلام: الأول وهميّ، والثاني حقيقي واقعي؛ أما الوهمي فيقول عنه بأنه « يُفترض أن يكون كاملا، وتنعدم معه الخلافات والتناقضات بين الدول »، أما الثاني الحقيقي الواقعي فــ« تعترف فيه الدول بتناقضاتها وخلافاتها، وتتعايش ضمنها؛ محاولة التغلب على أشكال الصراع بشتى الوسائل السلمية ». من ثمة فإن السلام الخالي من الخلافات، والفارغ من أي تناقض لا يمكنُ تحققه، إنه حلم رائق في زمن شائك فقط. فكل ما هنالك هو الميل الكلي إلى فض الاشتباكات، والتغلب النهائي على الصراعات .. بطرق سلمية تؤجل الحرب. وهنا المشكلة أو الامتحان الأكبر للبشرية: كيف يمكن الانتصار على الحرب بطرق سلمية، وليس كيف يمكنُ الانتصار في الحرب، أكيد ستكون هناك خسائر فادحة في الأرواح مثلا، وخير دليل على ذلك سلمية المهاتما غاندي في الهند ضد المستعمر الانجليزي ..! لكن بين ‘ الانتصار علىالحرب والانتصار فيالحرب’ تطير الأرواح من موادِّها، والأعناق من أجسادها، والعقول من عِقالها ! وربما كانت الحرب نفسها لم تتخلًّص بعدُ من الالتباس الذي تضع نفسها فيه كلّ مرة حين ينبعثُ فينقها من رماده القديم، فتفقدُ بسبب ذلك كل معنى ودلالة.