لماذا تميل دول العالم في الشطر الجنوبي إلى رؤية الحرب الروسية نقيضاً للمنظور الغربي

تريتا فارسي

كسب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعاطف الرأي العام الغربي، ولا يعود الدعم الغربي لأوكرانيا فقط إلى دموية الغزو الروسي غير الشرعي بل يرجع أيضاً إلى الدهاء والكاريزما اللتان يتحلّى بهما زيلينسكي في تقديمه للقضية الأوكرانية بغية الحصول على المساعدة من أجل بلاده  .

في الوقت الذي لاقت دعوات زيلينسكي صدى واسعاً في الاوساط الغربية فإنها لم تكن مقنعة للرأي العام في الشطر الجنوبي من العالم حيث رفضت العديد من الدول الإنضمام إلى الحملات الغربية لمعاقبة الاقتصاد الروسي وعزلها دبلوماسياً. وبرز ذلك جلياً في منتدى الدوحة الشهر الماضي المُقام في قطر حيث حصل زيلينسكي ونائبة وزير الخارجية الأوكراني أمينة جباروفا على مساحة كبيرة. تعتبر جباروفا سياسية مخضرمة، تنحدر من أصول مسلمة في شبه جزيرة القرم، حيث كان لها دوراً في دعم روايات الغرب التي تقول بأن “الغزو الروسي لا يستهدف أوكرانيا فقد بل النظام الدولي القائم على القواعد”. لطالما أرجع الرئيس الأميركي جو بايدن والقادة الأوروبيون الحرب إلى مثل هكذا روايات. 

بيد أن تلك الروايات لم تكن مقنعة إلى حد كبير الدول التي تقع في الجزء الجنوبي من العالم . ففي المحادثات التي جرت مع دبلوماسيين و محللين من دول أفريقية وآسيوية فضلاً عن الشرق الأوسط و أميركا اللاتينية، أعرب هؤلاء عن دعمهم لمأساة الشعب الأوكراني واعتبروا روسيا دولة غازية  لكن المطالب الغربية المفرطة بدعوتهم إلى قطع علاقاتهم الاقتصادية مع روسيا لضمان بقاء “القواعد التي يستند إليها النظام الدولي” أدت إلى ردة فعل تجاه هذه القضية. فهذا النظام سمح للولايات المتحدة بتجاوزه دون محاسبة. والواقع ان رسائل الغرب وصلت إلى مستو جديد ومن غير المرجح أن تكسب دعم الدول التي لطالما عانت الويلات من هذا النظام .

أبرز الدول التي لم تستجب للدعوات الغربية للمساعدة والحشد الدبلوماسي ضد روسيا هما السعودية و الإمارات. ومما يشير إلى ابتعاد هذه الدول عن واشنطن هو تقاربها السياسي و الإقتصادي مع روسيا ورفضها لطلب بايدن تخفيض أسعار النفط عبر ضخّ المزيد من النفط في السوق العالمية. رفضت الإمارات إدانة الغزو الروسي في مجلس الأمن الدولي، وفي الوقت الذي رفض القائد الفعلي للإمارات محمد بن زايد مكالمة هاتفية مع بايدن، أبرق وزير خارجيته بالسفر إلى روسيا لتوطيد العلاقات بينهما. تختلف مخاوف الرياض وأبو ظبي اختلافاً كلياً عن مخاوف معظم دول الجنوب الأقصى الأخرى فعلاقتها مع واشنطن قد تدهورت نتيجة عدم رغبة الولايات المتحدة في شن الحرب نيابة عنهما ضد إيران وحلفائها. وقد أشار أحد الدبلوماسيين السعوديين إلى التوترات بين السعودية و الولايات المتحدة بأنها “نهاية العلاقة مع بايدن وربما الولايات المتحدة أيضاً”.

أما بالنسبة لبقية دول الجنوب فقد ساهمت عدة عوامل داخلية في ترددها في دعم الغرب لفرض عزلة على روسيا. فالدول الأميركية الجنوبية مثل البرازيل والمكسيك و الدول الإفريقية، التي لها ثقل مثل جنوب أفريقيا وأثيوبيا بالإضافة إلى القوة الآسيوية الناشئة مثل الهند، جميعها ترفض فكرة فرض عقوبات ضد روسيا.

تعود علاقة الهند مع روسيا إلى حقبة الحرب الباردة عندما استخدم الإتحاد السوفييتي حق النقض (الفيتو) ضد العديد من قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن إقليم كشمير المتنازع عليه بين باكستان والهند لصالح الأخيرة. ولاتزال روسيا واحدة من أبرز مُصدّري الأسلحة إلى الهند حتى اليوم وينطبق الشيء نفسه على العديد من البلدان الأفريقية. ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن إجمالي مبيعات الأسلحة الروسية إلى إفريقيا من عام ٢٠١٦ إلى عام ٢٠٢٠ بلغت ١٨ ٪ . إلى جانب إعتماد القارة السمراء على القمح و الأسمدة الروسية والأوكرانية بنسبة كبيرة حيث تستورد ربع الدول الأفريقية ثلث ما تحتاجه من القمح من روسيا وأوكرانيا. تدرك مصر أهمية روسيا جيداً خاصة وأن ارتفاع أسعار الحبوب الروسية والأوكرانية في الأشهر التي سبقت الربيع العربي عام 2011 أدّى بشكل رئيسي إلى حدوث احتجاجات عمّت المنطقة بالكامل.

لا يعود إعتماد الجزء الجنوبي من العالم على روسيا او ضعفها أمامها سبباً وحيداً في عدم مشاركتها في فرض عقوبات ضدها بل هناك أسباب أخرى. فالعديد من الدول في ذلك الجزء ترى أن النفاق يكتنف الحرب الأوكرانية من حيث ضمان بقاء القواعد التي يستند إليها النظام الدولي. من وجهة نظرهم، فإن الغرب والولايات المتّحدة هما اللتان تقوضان دور القانون الدولي أو الأعراف أو القواعد التي يستند إليها النظام الدولي.

هنالك أمثلة كثيرة حول ذلك، ففي السنوات الأخيرة ضربت أميركا النظام القائم على القواعد عرض الحائط عندما انسحب ترامب من مجلس حقوق الإنسان بسبب انتقادات المجلس لمعاملة إسرائيل السيئة للفلسطينيين وانسحب أيضاً من منظمة الصحة العالمية في خضم جائحة كوفيد ١٩ فضلاً عن فرضه عقوبات ضد مسؤولين رفيعي المستوى في المحكمة الجنائية الدولية بسبب سعيها لفتح تحقيق في جرائم الحرب الأميركية في أفغانستان (واليوم تدعو إدارة بايدن المحكمة للتحقيق في جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا).

ويتجلّى تجاوز أميركا للنظام الدولي الذي أنشأته في عدم شرعيّة غزو إدارة جورج بوش الابن للعراق وتدخّل إدارة أوباما للإطاحة بالنظام في ليبيا ودعم الولايات المتحدة وبريطانيا المتواصل للحرب السعودية ضد اليمن التي وضعت نحو ١٣ مليون يمني في مواجهة خطر المجاعة، وازدواجيّة المعايير في إشادتها للمقاومة الأوكرانية ضد الغزاة الروس مقارنة بتعاملها مع المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي دام لعقود حيث دأبت على حظر أي قرار من شأنه فرض عقوبات إقتصادية ضد إسرائيل. علاوة على ذلك، هنالك “الحرب الدولية ضد الإرهاب” التي أدّت إلى نشر الإضطرابات في كثير من دول الشرق الأوسط و شمال إفريقيا فضلاً عن أنها قتلت أكثر من ضعف ما قتل الإرهابيون أنفسهم منذ هجمات 11 أيلول.

وفي الحقيقة، على الرغم من لعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في إقامة قواعد ومعايير نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلّا أنّها بدأت لاحقاً بانتهاك وتجاوز هذا النظام . إبّان ولايتي الرئيس الأميركي الأسبق دوايت ديفيد أيزنهاور سمح بأكثر من ١٠٤ عمليّة سريّة، شملت إسقاط حكومات و تسليح ثورات إقليمية.

واليوم تطالب الولايات المتحدة الدول في الجزء الجنوبي من العالم بتقديم تنازلات جسام ومكلفة، مع الأخذ بعين الاعتبار نقاط ضعفها و إحتياجاتها الأمنية، لإنقاذ نظام كانت الولايات المتحدة في طليعة من قاموا بتدميره بتصرفاتهم. إنّ العودة إلى نظام يمكن للولايات المتحدة أن تستمر بموجبه في العمل خارج إطار القانون الدولي يعني مطالبة دول الجزء الجنوبي من العالم بتقديم تنازلات خطيرة لدعم الاستثناء الأمريكي.

علاوة على ذلك، لا ترغب هذه الدول في الاستمرار في تبعية النظام الذي أسسته الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، لا يحظى حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بتقدير كبير في دول أفريقية عديدة نتيجة لتدخّله العسكري في ليبيا، والذي أدى إلى خلق ممر لنشر الموت والدمار في منطقة الساحل. دافع الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني عن موقف بلاده المحايد وأوضح للصحفيين الشهر الماضي إن الغرب “دمّر” ليبيا وكان يعمل على نشر الإرهاب خارج حدوده.

إن النتائج الكارثيّة للتدخّل الأميركي تلعب دوراً هاماً في حسابات الدول في الجزء الجنوبي من العالم. حيث تسعى معظمها لتعزيز علاقتها مع الولايات المتحدة، ولكن بسبب النظام الأحادي الذي تديره اميركا فإن هذه الدول تسعى إلى إيجاد ثقل موازن للقوة الأميركية تلجأ اليه حين الحاجة. إن بروز نظام متعدد الاقطاب يعتبر بالنسبة للدول التي تقع في الجزء الجنوبي من العالم عامل حماية ضد التدخلات الأميركية، بينما يعتبرون التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وانطلاقاً من كونه شأناً أوروبّياً، فإنه لا يغير من القواعد الدولية في شيء حيث يتم موازنة الخيارات فيما يتعلق بالولايات المتحدة أكثر منه بالنسبة لروسيا.

وفقًا لمستشار الأمن القومي الهندي الأسبق شيفشانكار مينون فإن معظم العواصم الآسيوية تنظر إلى الصراع على أنه “حرب موجهة ضد نظام الأمن الأوروبي وليس النظام العالمي”. و بالنسبة لدول الجزء الجنوبي من العالم فإن الإنجرار إلى أتون هذا الصراع غير مفيد بالنسبة لهم أو دعمهم لاستعادة نظام مخزي أعطى دور القيادة غير المستحق للغرب. في الواقع، فإن تفاؤل بعض المحللين الغربيين في اعتبارهم الحرب الأوكرانية “فرصة إستراتيجية” لإعادة إشعال فتيل الحرب الباردة بين الديمقراطيات والأنظمة الإستبدادية، حيث ذهب الباحثان مايكل بيكلي وهال براندز إلى حد القول إن بوتين “بغزوه لأوكرانيا قدّم فرصة ذهبية لاميركا و حلفائها”، والتي من شأنها ان تدفع بدول الجزء الجنوبي من العالم للابتعاد أكثر عن هذا النظام ليس دقيقاً.

ربما لا تدخل القضية الأوكرانية في سلّم أولويات الدول التي تقع في الشطر الجنوبي من العالم ولكن هناك عبرة هامة يتوجّب على الولايات المتحدة استقائها وهي أنها لو اتّبعت سياسة خارجية متّزنة على مدى العقود القليلة الماضية لكان من السهل حشد المجتمع الدولي إلى جانبها ضد غزو دولة نووية عظمى.

 المصدر:موقع قناة إم إس إن بي سي 

ترجمة: المركز الكردي للدراسات