الحياة السياسية في تركيا رهينة لدى الدولة العميقة

أصلي أيدين تاشباش

غطّى الصمغ المثير للاشمئزاز ويُشبه القيء منطقة الساحل في اسطنبول وجزءً من بحر مرمرة في الأسابيع الأخيرة, وكان ذلك تماهياً مع مستويات المناخ السياسي الملوث في شؤون الدولة التركية اليوم.

على مدار الأسابيع القليلة الماضية, نشر سيدات بيكر، زعيم المافيا التركي المعروف، مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي, تضمّنت مزاعم عن جرائم الفساد والقتل والاغتصاب والمخدرات, ارتكبها أشخاص مُهمين وأقوياء في تركيا, بمن في ذلك، برلمانيون, كبار المسؤولين الأمنيين السابقين, وحتى وزير الداخلية الذي قدّم شكوى ضد بيكر بتهمة الافتراء.

فعلياَ،ينبغي أن نتذكر المسلسل المكسيكي (Narcos)الذي يظهر على شاشةNetflix, بحيث تشبه مع رؤيةالشخصيات التركية التي تظهر في مقاطع فيديو أسبوعية،فقد اصبح ظهور سادات بيكر مصدر إدمان للملايين من الأتراك، حيث يستمعون لأحدث ما يكشف عنه, وهو منفيٌّ جالس في غرفته بالفندق في دبي. 

بيكر ليس رجل عصابة اعتيادي, بل هو رئيس عصابة معروف ومُدان في تركيا, وأعاد اكتشاف نفسه مؤخراً كحليفٍ للائتلاف الحاكم في تركيا, حيث نظّم لحشود جماهيرية تدعم الحكومة قبل الانتخابات, حصل على حماية رسمية من الشرطة التركية, ووجّه تهديدات متكررة لمنتقدي الحكومة, بمن في ذلك بعض الأكاديميين الذين طالبوا بالعودة إلى عملية السلام مع الكرد عام 2016 , الذين تمّ تحذيرهم من أن بيكر سيحاربهم (سيغرقون في دمائهم).

 ووفقاً للإشارات ما بين سيغموند فرويد وعلم اللاهوت الإسلامي، والكاتب سيرانو دي برغراك, يتحدث بيكر في مقاطع الفيديو التي نشرها عن الأفعال السيئة التي يزعم أنه كُلّف بها أو يدّعي معرفتها, مثل قتله لصحفي قبرصي تركي, وضربه لعضوٍ في البرلمان كان قد أهان عائلة أردوغان, وإرسال شحنات أسلحة غير مشروعة للجهاديين السوريين, لكن لأسباب غير واضحة يبدو أنه انشقّ عن التحالف الحاكم في تركيا.

بيكر هو الناشط التركي لـ ( الدولة العميقة), إنها مفاجأة للأمريكيين أن الدولة العميقة كانت ذات يوم تسمية مفضلة لدىقاعدة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والآن ظهرت في تركيا, وهذه الدولة العميقة أخطر بكثير مما يتخيّله معظم الأمريكيين.

بيكر يشير إلى شبكة مظلمة وسرية من مسؤولي الأمن والبيروقراطيين والجريمة المنظمة التي تعمل خارج القنوات الرسمية، وتشارك في أنشطة غير مشروعة بحجة حماية مصالح النظام, لكنها في الواقع طريقة للحفاظ على سياسات أمنية متشددة، وعلى الأغلب مناهضة للديمقراطية.

لقد أدى ما نشره بيكر إلى حدوث صدعٍ داخل المعسكر القومي التركي, وأيضاً يسلّط الضوء على اعتماد الدولة بشكل روتيني على وسائل غير مشروعة لمحاربة أعداءها, وفي أوقات مختلفة من التاريخ التركي الحديث, فإنها استهدفت الشيوعيين والأقليات والإسلاميين والسياسيين الكرد, اعترفَ كلٌّ من الرئيسين التركيين السابقين، سليمان دميرال وكنعان آفرين، علناً بوجود (الدولة العميقة). وقال دميرال ” عند الضرورة تخرج الدولة عن الروتين”.

في التسعينيات عندما كان يتم قتل السياسيين الكرد بعيداً عن القضاء, واغتيالات رفيعة المستوى للصحفيين, وتدخل المافيا في مناقصات الدولة كان تحت عنوان “النزعة القومية”, أدّى ذلك تعزيز نفوذ الجيشعلى حساب جعل الحكومات المنتخبة عاجزة عن اداء دورها. 

وما حدث هو أن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، وصل إلى السلطة منذ عقدين من الزمن, بهدف تنظيف الدولة من العصابات, حيث تمكّن من كبح تأثير الجريمة المنظمة والشبكات المشبوهة لفترة قصيرة خلال ولايته, بمساعدة خاصة من الاتحاد الأوروبي في تركيا, ولكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016 ، أصبح أردوغان رئيساً قويّاً لتركيا, حيث اعتمد على العناصر السابقة في الدولة العميقة بشكل كبير, وأقام تحالفات مع القوميين المتطرفين, ودعا شخصيات مثل بيكر ومسؤولي أمنٍ سابقين إلى إدارته بشكل شرعي.

كل ذلك يجعل من الصعب الشعور بالتفاؤل بشأن الديمقراطية التركية على المدى القصير, حيث يفترضمناردوغان أن ينظّف كل هذه الملفات, لكن ليس من الواضح ما إذا كان يستطيع فعل ذلك أو حتى يردّه.

في أحد الأيام، كنت أتحدث هاتفياً مع والدتي البالغة من العمر 75 عاماً، وأخبرتني ” أشعر بالخجل حتى من الاستماع إلى مقاطع الفيديو التي نُشرت”, إن كثيراً من الأتراك مثل أمي غير راضين عن سياسة البلاد ويُريدون التغيير, ومن المحتمل أنه تم التراجع عن دعم أردوغان, وقد أظهرت بعض استطلاعات الرأي أنّ الأغلبية مستعدة لدعم مرشح معارض.

لكن مثلما غطّى ذلك الصمغ الساحل التركي, فإن الدولة العميقة قد أخذت السياسة كرهينة, إنهم يفعلون كل ما في وسعهم لحرمان ديمقراطيتنا من الأكسجين, تحت ذريعة حماية النظام, إن ذلك أمر محزن جداً, ولكنه ليس صدمة.

كانت بوصلة تركيا من وجهة نظر الغرب،تقاس من خلال ديمقراطيتها حيّةً, حيث وضعت الدولة العميقة تحت السيطرة, لكن الآن ومع اختفاء هذه المرساة, أشعر بالقلق من تعفّن نظام الدولة, والغرق في بحرٍ من الصمغ اللزج المثير للاشمئزاز.