انتخابات حاسمة في تركيا في الذكرى المئوية للجمهورية

هنا لا يمكنك التجول في قصر «كليه» الرئاسي على أطراف أنقرة سيراً على الأقدام. تلتقط سيارات الاستخبارات التركية السوداء الزوار وتنقلهم عبر نفقٍ وموقف سيارات تحت الأرض وتضعهم في جناحٍ واحد. في القصر، ممراتٌ لا نهاية لها مفروشة بالسجاد تربط 1100 غرفة موزعة على 300000 متر مربع من المساحة، أي أربعة أضعاف حجم قصر باكنغهام. المساجد الضخمة كالأبراج. حراس الأمن بالزي الرياضي باللون البيج والشوارب المحفوفة بطريقةٍ خاصة يتجولون في المركبات المدرعة. يتم الترحيب بالشخصيات الأجنبية البارزة التي تزور الرئيس رجب طيب أردوغان من قبل 16 محارباً بالزي، يمثل كل منهم إمبراطورية تركية من الهون إلى العثمانيين.
في مكانٍ آخر أقرب إلى وسط المدينة، هناك مبنى وردي متواضع: قصر «جانكايا»، الذي كان مقر إقامة كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وخلفائه لأكثر من 90 عاماً. لكن أردوغان أراد أن يكون استثناءً. في أواخر عام 2014، بعد أشهرٍ من انتخابه رئيساً لأول مرة، انتقل أردوغان إلى «كليه» (وبحسب حكم المحكمة، بشكلٍ غير قانوني).
بعد عدة أشهر، سيحتفل الأتراك بالذكرى المئوية لليوم الذي تصدى فيه أتاتورك للجيش اليوناني الغازي، وكذلك البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين، بإعلان الجمهورية التركية وأصبح أول رئيسٍ لها. لو يرى أتاتورك ما يحصل في تركيا اليوم، من المؤكد أنه سيتأثر برؤية صورته في كل مكتبٍ ومدرسة وتوقيعه منقوشاً على قمصان وثياب الأتراك. وتحيي البلاد ذكرى وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام منذ ما يقرب من 85 عاماً. كان أتاتورك ليصاب بالذهول من تحولها من اقتصادٍ زراعي متعثر إلى قوةٍ إقليمية وأكبر دولة في أوروبا من حيث عدد السكان (تجاوز عدد سكان تركيا البالغ 85 مليون نسمة سكان ألمانيا).
لكنه أيضاً سيصاب بالذهول من هيمنة أردوغان على البلاد منذ ما يقرب من 20 عاماً، إذ أصبح رئيساً للوزراء للمرة الأولى في مارس/آذار 2003، ثم رئيساً في أغسطس/آب 2014. قد تكون المخاوف الأولية من أجندته الإسلامية مبالغٌ فيها. لكن نزعته الاستبدادية أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقتٍ مضى. لتركيا الآن رئاسةٌ تنفيذية استغلها أردوغان للجمع بين أدوار الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس الحزب والحاكم الفعلي للبنك المركزي، فيما تم ترويض الجيش الذي كان في يوم من الأيام لاعباً سياسياً أساسياً. لدى أردوغان سياسة خارجية جديدة تمنح الاستقلالية عن الغرب وتفضل التدخل المسلح، فضلاً عن نموذجٍ اقتصادي جديد يتعامل مع أسعار الفائدة المنخفضة كعلاجٍ وليس سبباً للتضخم المتسارع. حتى أنه بات لتركيا اسماً جديداً، إذ أصدر أردوغان العام الماضي مرسوماً يقضي بضرورة أن تُعرف باللغة الإنكليزية باسم Türkiye (اسمها التركي).
تركيا الجديدة التي وعد بها أردوغان ذات مرة، والتي يخطط لحكمها في المرحلة المقبلة، ليست النسخة النهائية التي يريدها. لكن إلى حدٍ كبير، نفّذ أردوغان ما يريد عبر إجراءاتٍ داخلية وخارجية عديدة. حيث أصبح قصر «كليه» رمز البلاد ومركزها. على مدى الأعوام العشرة الماضية، تراجعت السلطة من مؤسسات الدولة الأخرى وأصبحت في أيدي الرئيس ورجال حاشيته وأصدقائه وعائلته، في حين أصبح لأردوغان الكلمة الأخيرة في جميع السياسات العامة تقريباً. كرئيسٍ للوزراء، أعاد استقلال البنك المركزي. وكرئيسٍ، جعلها في الواقع وكالة حكومية. أما وزارة الخارجية، التي كانت ذات يوم معقلاً للمؤسسة العلمانية، فأصبحت الآن كمكتب سكرتارية سياسته الخارجية.
لقي حزب العدالة والتنمية الحاكم مصيراً مماثلاً. قال أردوغان في عام 2014 إن الحزب «لم يكن أبداً ولن يكون أبداً حزباً منفرداً». لكن عملياً، لم يطبق أردوغان ما قاله. بل بالعكس، هناك انقساماتٌ وفصائل متنافسة داخل حزب العدالة والتنمية، لكن لا مجال للمعارضة. قال أحد أعضاء البرلمان من حزب العدالة والتنمية، وهو يحمل منديلاً أبيض إنه «إذا قال الرئيس إن هذا المنديل لونه أزرق، فسيقول الناس إنه أزرق».

الضوابط والاختلالات

على الرغم من كل ذلك، توجد ضغوطاتٍ بالفعل على سلطة أردوغان. الضغط الأول هو الاقتصاد، إذ أدت التخفيضات المتهورة في أسعار الفائدة إلى ارتفاع نسب التضخم بشكلٍ متسارع، وبلغت ذروته عند 85 في المئة في الخريف الماضي قبل أن يتراجع إلى 64 في المئة قبل شهر، وفقاً للإحصاءات الرسمية، فيما تقول تلك غير الرسمية إن النسب أعلى من ذلك بكثير. فرضت المنح الحكومية الجديدة والزيادات الكبيرة في الحد الأدنى للأجور، التي تهدف إلى تعويض انخفاض مستويات المعيشة، ضغوطاً تصاعدية إضافية على الأسعار. وأثارت القواعد الجديدة التي تجبر المصارف على شراء السندات الحكومية والشركات على الاقتراض بالليرة فقط مخاوف من حدوث أزمةٍ ائتمانية.
أما الضغط الثاني، فهو صندوق الاقتراع. كان من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في يونيو/حزيران، لكن أردوغان قدمها إلى 14 مايو/أيار. أدت الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، وأبرزها رفع الحد الأدنى للأجور، إلى التقاط أردوغان وحزب العدالة والتنمية أنفاسهما، تزامناً مع تعافي تصنيف استطلاعات الرأي. وانخفضت نسبة الأتراك الذين لا يوافقون على تعامل الحكومة مع الاقتصاد من 75 في المئة في الربيع إلى 62 في المئة في نوفمبر/تشرين الثاني. لكن في ذات الوقت، تشير استطلاعات الرأي إلى أنه لا يزال من المرجح أن يخسر الرئيس التركي أمام أي من المنافسين الرئيسيين للمعارضة على الرئاسة، في حين أن حزب العدالة والتنمية، وشريكه في الائتلاف حزب الحركة القومية، في طريقهما لخسارة الأغلبية البرلمانية. بحلول الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية، قد يكون أردوغان غادر منصبه.
ومع ذلك، فإن المراهنة على أردوغان مخاطرةٌ كبيرة، لا سيما أن الأخير فاز بعشرة انتخاباتٍ برلمانية ومحلية، واثنتين رئاسية وثلاثة استفتاءات، ونجا من الاحتجاجات الجماهيرية وفضائح الفساد وحرب النفوذ مع حركة غولن القوية ومحاولة انقلابٍ عنيفة. تمكن من تحقيق ذلك من خلال القمع والرقابة، وأيضاً عبر البراغماتية القاسية والغرائز السياسية القوية. لا يمكن لأي سياسي في تركيا السيطرة مثل أردوغان، ولا يمكن لأي شخص أن يقوم بحملةٍ من دون هوادة مثله.
حرص أردوغان على خوض الانتخابات بشروطه، في وقتٍ يستولي الرئيس وحزب العدالة والتنمية على موارد الدولة لحملاتهما ويستغلان الإعلام كدعايةٍ عامة، فيما حوالي عُشر المنابر الإعلامية في تركيا فقط مستقلة أو ذات ميول معارضة. وحتى هذه، غالباً ما تبتعد عن الخطوط الحمراء الرسمية مثل الفساد الحكومي أو انتقاد أردوغان بشكلٍ مباشر. حتى الإنترنت، التي كانت في يومٍ من الأيام، ملجأ للأصوات الناقدة، لم تعد كالسابق. معظم الأدلة الموجهة ضد 200 ألف شخص تم التحقيق معهم بتهم «إهانة الرئيس» منذ 2014 جاءت عبر منشوراتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي. وضمن هذا المسار أيضاً، تم إقرار قانونٍ يجرم انتشار «الأخبار الكاذبة» ويمنح الحكومة صلاحياتٍ جديدة للرقابة على مواقع التواصل.
لقد أتقن أردوغان كيفية استخلاص المكاسب السياسية من استخدام القوة المسلحة. وأبرز مثالٍ على ذلك، العمليات العسكرية التي شنتها أنقرة ضد الكرد الذين تصنفهم الحكومة على أنهم إرهابيون (لكن واشنطن تعتبرهم حلفاء ضد تنظيم داعش) شمال سوريا. وبعد انفجار اسطنبول في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذي ألقت الحكومة باللوم فيه على الكرد، قد يكون هناك هجومٌ خامس في المستقبل القريب.
أخيراً، استخدم أردوغان المحاكم لتنفيذ مصالحه. منذ أكثر من ثلاثة أعوام، حاول سلب زعيم المعارضة أكرم إمام أوغلو الفوز الذي حققه في انتخابات رئاسة بلدية اسطنبول. في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حُكم على إمام أوغلو، الذي يمكن أن يكون المرشح الأقوى لمعارضة أردوغان، بالسجن والمنع من ممارسة السياسة، على الرغم من أنه قد يتم إلغاء الحكمين عند الاستئناف. وقد يصبح حزب الشعوب الكردي، الذي يقبع العديد من قادته في السجن منذ أعوام، مغلقاً أيضاً.
يجادل هذا التقرير الخاص بأن الديمقراطية في تركيا، على الرغم من تضررها لا تزال قائمة، ما يجعل نتيجة الانتخابات غير متوقعة مسبقاً. لكن لا شك أن خمسة أعوامٍ أخرى من «الأردوغانية» ستدفع البلاد بشكلٍ أكثر علانية نحو الاستبداد. وبالفعل، فإن شبكات المحسوبية التي يرأسها أردوغان راسخةٌ لدرجة أن الأتراك يخشون من أن الحكومة قد تذهب إلى أقصى الحدود للاحتفاظ بالسلطة.
ما يحدث في تركيا مهم للعالم بأكمله وخاصةً أوروبا، إذ سلطت الحرب في أوكرانيا الضوء على أهمية أنقرة بالنسبة إلى حلف الناتو وأمن البحر الأسود، على الرغم من علاقتها الغامضة مع روسيا. بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تركيا هي خط الدفاع الأول. لكن لا يمكن الاعتماد عليه ضد التطرف الإسلامي والهجرة غير الشرعية. ويشجّع كون محادثات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي في غيبوبة الحكومات الأوروبية على التقليل من شأن سجل حقوق الإنسان في البلاد والتركيز على قضايا مثل أمن الحدود والتعاون الاستخباراتي بدلاً من ذلك.
يمتد نفوذ تركيا إلى القوقاز وآسيا الوسطى، حيث بدأ النفوذ الروسي في التضاؤل، وأيضاً إلى إفريقيا والشرق الأوسط وغرب البلقان. في العام الماضي، أصلحت تركيا العلاقات مع إسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ويبدو أنها قريبة من المصالحة مع مصر وسوريا. تطمح تركيا إلى أن تكون دولة عبور لثروة الهيدروكربونات المدفونة تحت شرق البحر الأبيض المتوسط، عبر خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز الطبيعي من روسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى أوروبا.
في عقدٍ واحد، شهدت تركيا أعداداً قياسية من اللاجئين وهجماتٍ إرهابية ومحاولة انقلاب وحالة طوارئ، ووباء كوفيد -19. والآن، تلوح في الأفق مشاكلٌ جديدة، فيما الأمر الأكثر إلحاحاً وخطورة هو الاقتصاد.

ملف مجلة «ذي إيكونوميست»