مسار الحياة السياسية السورية

محمد سيد رصاص 

بدأت الحياة السياسية السورية في العشرينيات من القرن العشرين. في ذلك العقد، ظهر الحزب الشيوعي عام 1924 والكتلة الوطنية في 1928، وهي ذات اتجاهٍ ليبرالي، ثم ظهر الحزب السوري القومي الاجتماعي بين 1932 و1935. تبلور الاتجاه الاسلامي مع ظهور فرع جماعة الإخوان المسلمون السوري عام 1946، فيما لم يتبلور الاتجاه القومي العروبي سوى في 1947 مع نشوء حزب البعث العربي وبعده حركة القوميين العرب عام 1951، ثم حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في 1964.

تسيّدت التيارات الأربعة الحياة السياسية السورية في القرن العشرين أوشكلت ملامحها الأساسية، أي التيارات الليبرالية– الماركسية– العروبية– الإسلامية. ثم برزت ظاهرة جديدة في القرن الحادي والعشرين هي الأحزاب الكردية (ظهر أول حزب كردي ظهر في سوريا عام1957) التي احتلت مكان الحزب الشيوعي الذي كان حتى الثمانينيات القوة الحزبية الرئيسية في الوسط الاجتماعي الكردي السوري. وظهرت انشقاقاتٌ في الحياة السياسية السورية، مثل انشقاق الكتلة الوطنية في 1948 إلى الحزب الوطني ويتمركز في دمشق، وحزب الشعب ويتمركز في حلب. كما انشق حزب البعث في 1962 ألى حزب البعث- القيادة القومية وحركة الاشتراكيين العرب بقيادة أكرم الحوراني وحركة الوحدويين الاشتراكيين. وبدوره، انشق الحزب الشيوعي في 1972 إلى الحزب الشيوعي (خالد بكداش) والحزب الشيوعي (المكتب السياسي) الذي نادى بالاستقلالية عن الهيمنة السوفييتية.

برزت ظاهرةٌ جديدة عام 1965 عندما أفرز التيار العروبي اتجاهاً جديداً لبس القميص الماركسي بدلاً من العروبي حينما تحول حزب البعث اليساري الذي انشق عن حزب البعث في 1964 إلى حزب العمال الثوري العربي، وحينما ظهرت رابطة العمل الشيوعي في 1976، وهي التي نبعت من حركة الاشتراكيين العرب وحركة القوميين العرب ومن بعث «23 شباط». اختفى التيار الليبرالي بعد انقلاب 8 مارس/آذار 1963 بحكم انهيار بنيته الاقتصادية- الاجتماعية بعد تأميم البنوك والمصانع، ثم عاد للظهور عبر ظاهرة الليبراليون الجدد في بداية القرن الحادي والعشرين من خلال ماركسيين تركوا الماركسية أتوا بشكلٍ أساسي من الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) ومن رابطة العمل الشيوعي التي أصبح اسمها حزب العمل الشيوعي عام 1981، وإلى حدٍ أقل من الحزب الشيوعي (خالد بكداش) الذي انشق عام 1979 إلى الحزب الشيوعي- منظمات القاعدة بقيادة مراد يوسف وإلى الحزب الشيوعي– يوسف فيصل عام 1986 (توحدا عام 1991 تحت اسم الحزب الشيوعي الموحد) وإلى «تيار قاسيون» بقيادة قدري جميل. لم يتبلور التيار الليبرالي الجديد عبر صناعيين ورجال أعمال، بل فضًل هؤلاء البقاء في حضن السلطة، وهم الذين نشأ معظمهم وولدوا من رحمها إثر السياسات الاقتصادية الجديدة للسلطة بعد حركة 16 تشرين الثاني 1970. وفي هذا السياق، يعتبر الصناعي رياض سيف حالة فردية لم تلاقي امتداداً اجتماعياً.

مع أزمة ما بعد 2011، تبلور اتجاهٌ سياسي جديد ضمن التيار الإسلامي هو الاتجاه السلفي- الجهادي الذي ظهر خلال الأزمة بأنه أقوى من الأصولي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمون التي انشقت عام 1975 إلى تنظيم الطليعة المقاتلة بقيادة الشيخ مروان حديد والتنظيم العام بقيادة عدنان سعد الدين وتنظيم الطلائع الاسلامية بقيادة عصام العطار، ثم توحدت الأجنحة الثلاثة في مؤتمر الوفاق الذي انعقد في إيطاليا في ديسمبر/كانون الأول 1980. ثم انشق الإخوان المسلمون في 1986 إلى تنظيمين قبل أن يتوحدا في 1996. ولد من الاتجاه السلفي- الجهادي تنظيم جبهة النصرة في 2012، ثم تنظيم داعش بعده بعام. يمكن ادراج تنظيمات إسلامية مثل حركة أحرار الشام ضمن الاتجاه السلفي- الجهادي ولو أنها أقرب للحالة الوسطية بينه وبين الاتجاه الأصولي الإخواني.

كانت حركة المعارضة ضد نظام حزب البعث، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب 8 مارس/آذار 1963 بالمشاركة مع الناصريين الذين أبعدهم البعثيون بعد أربعة شهور، مؤلفة من الناصريين الذين تبلوروا في عام 1964 في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، ومن الاشتراكيين العرب، ثم من حزب البعث- القيادة القومية الذي عارض نظام حزب البعث بعد 23 فبراير/شباط 1966. وتجمعت الأطراف الثلاثة، بالتشارك مع حزب العمال وحركة القوميين العرب، في جبهةٍ موحدة تم إعلانها في مايو/أيار 1968. وهو ما قاد إلى اعتقال جمال الأتاسي وجورج حبش وياسين الحافظ. بدأت المعارضة ضد نظام حافظ الأسد في 1973 حينما عارض الإخوان المسلمون الدستور وقاموا باحتجاجاتٍ وتظاهرات في حماة وحمص واللاذقية. ثم ظهرت معارضةٌ يسارية عندما وقف الحزب الشيوعي- المكتب السياسي ضد التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1976. وتلاقى الحزب الشيوعي- المكتب السياسي مع الاتحاد الاشتراكي بقيادة الأتاسي بين عامي 1976 و1979 ليقوما في ديسمبر/كانون الأول، بالمشاركة مع حركة الاشتراكيين العرب وحزب العمال بعث «23 شباط»، بتأسيس التجمع الوطني الديمقراطي. وطرح هذا التجمع برنامجاً ديمقراطياً للتغيير في عملية تخلٍ يساري عن مقولاتٍ سادت في الستينيات والسبعينيات عند عموم اليسار الماركسي والعروبي مثل الديمقراطية الثورية والديمقراطية الشعبية. ثم ما لبث أن تفارق التجمع الوطني الديمقراطي ببرنامجه مع الإسلاميين الذين دخلوا في صدامٍ مسلح مع السلطة في أحداث 1979-1982، وفي مرحلة ما بعد 1982، إذ كان التجمع الوطني وحزب العمل الشيوعي عماد المعارضة في الداخل.

تشّكل مشهدٌ سياسي سوري جديد بعد وفاة حافظ الأسد في يونيو/حزيران 2000 حينما تقاربت المعارضة بشقيها اليساري والإسلامي في مؤتمر لندن للمعارضة السورية في أغسطس/آب 2002. وتبلور هذا التلاقي عبر «إعلان دمشق» في ديسمبر/كانون الأول 2005 ،والذي كان ركنه الثالث الأحزاب القومية الكردية. ثم انشق «إعلان دمشق» في ديسمبر/كانون الأول 2007 مع خلاف مكوناته الأخرى مع حزبي الاتحاد الاشتراكي والعمل الشيوعي بشأن الموقف من المشروع الأميركي للمنطقة الذي ظهر عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد عامٍ من غزو العراق في 2003. وليتبلور الخط الثالث الذي جمع الحزبين المذكورين مع الحزب الشيوعي- المكتب السياسي الذي ضم الرافضين للذهاب إلى مؤتمر تأسيس حزب الشعب الديمقراطي في أبريل/نيسان 2005 بقيادة رياض الترك،  ومع الحزب اليساري الكردي وشخصياتٍ مستقلة. واستمرت اجتماعات الخط الثالث من يناير/كانون الثاني 2008 إلى يوليو/تموز 2010. وتمحورت توافقاته على ضرورة وجود خطٍ ثالث بين السلطة والمعارضة لا يراهن على تكرار سيناريو خارجي للتغيير مثل عراق 2003. وكان الخط الثالث نواة هيئة التنسيق الوطنية التي تأسست في يونيو/حزيران 2011 الني أضيف إلى خلافها مع ثنائي الإخوان المسلمون- حزب الشعب بشأن المشروع الأميركي للمنطقة خلافها المستجد معهما حيال الأزمة السورية عندما اتجه هذا الثنائي نحو شعار إسقاط النظام والمراهنة على تدخلٍ عسكري خارجي وتشجيع العمل المسلح، فيما نادت الهيئة بتسويةٍ للأزمة السورية تقوم على مرحلة انتقالية نحو نظامٍ ديمقراطي تتشارك فيها السلطة والمعارضة. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2011، شكّل هذا الثنائي المجلس الوطني ثم الائتلاف الوطني 2012. كان التنويع الجديد على الحياة السياسية السورية حزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه الحزب الأقوى في الوسط الاجتماعي الكردي السوري  في مرحلة الأزمة  السورية. وهو الحزب الذي وقّع على الوثيقة التأسيسية لهيئة التنسيق الوطنية ثم جمد عضويته فيها في 2016 بعد ولادة مجلس سوريا الديمقراطية في مؤتمر المالكية في ديسمبر/كانون الأول 2015.

عملياً، تقوم المعارضة السورية الآن على ثلاثة أقسام رئيسية هي الائتلاف الوطني، هيئة التنسيق الوطنية، ومجلس سوريا الديمقراطية (وأيضاً حزب الإرادة الشعبية بقيادة قدري جميل). وكانت الجياة السياسية السورية، بالقياس للبلدان العربية، الأكثر إنتاجاً للمفكرين السياسيين، مثل ساطع الحصري وقسطنطين زريق وميشيل عفلق وياسين الحافظ وإلياس مرقص ومصطفى السباعي، وللقادة السياسيين الذين كان لهم  تأثيراتٍ على أحزاب خارج سوريا، مثل ميشيل عفلق وخالد بكداش وياسين الحافظ وهاني الهندي ومصطفى السباعي. وولدت من رحم الحياة السياسية السورية اتجاهاتٍ سياسية كان لها فروعٌ في عديدٍ من البلدان العربية، مثل حزب البعث وحزب العمال. وفي سوريا، ولدت اتجاهاتٌ فكرية، مثل الاتجاه السلفي الإسلامي على يدي الدمشقيان محب الدين الخطيب وناصر الدين الألباني. ويمكن القول إنه انبثق عنه الاتجاه السلفي– الجهادي بعد تلقيحه بتأثيرات فكر سيد قطب، وكان تجسيده الرئيسي في تنظيم القاعدة الذي ولد في مدينة بيشاور الباكستانية عام 1988، ثم تحول بعد عقدٍ إلى تنظيم قاعدة الجهاد، مع اندماج تنظيم الجهاد الاسلامي في مصر بقيادة أيمن الظواهري مع تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. أصبحت الحياة السياسية السورية في القرن الحادي والعشرين موزعةً على تياراتٍ سياسية رئيسية خمسة هي: التيارات الاسلامية- الليبرالية الجديدة- الماركسية- القومية العروبية- والقومية الكردية. ولو أن هناك ظاهرة ملفتة تتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي العابر للقوميات، وهو الأقوى في الوسط الكردي السوري، في ظل دعوته إلى أمةٍ ديمقراطية تتحد فيها القوميات ضمن البلد الواحد عبر اتحادٍ ديمقراطي.