الحكومة الألمانية تمول «دولة الشريعة»

توماس تيل

بقرارها حل «الدائرة المختصة بمتابعة نشاط الإسلام السياسي»، قدمت وزيرة الداخلية الالمانية نانسي فيسر خدمةً كبيرة لأجندة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. تأسست «الدائرة المختصة بمتابعة نشاط الإسلام السياسي» بقرارٍ من وزير الداخلية السابق هورست زيهوفر في يونيو/حزيران 2021. وعلى الرغم من بعض الالتباس في الاسم، إلا أن المقصد كان واضحاً في متابعة نشاطات الإسلام السياسي الذي ينشد السيطرة، إيديولوجياً وفكرياً، غالباً باتباع وسائل شرعية وقانونية، بغية تحويل العالم كله إلى دولة دينية تحكم الشريعة الإسلامية فيها وعليها. إذاً، كان مصطلح «الإسلام السياسي» ضبابياً، ولم تتمكن اللجنة في تلك الدائرة من الاتفاق على التسميات والمهام طيلة عامٍ كامل من العمل. ولم ينته الخلاف إلا بقرار وزيرة الداخلية حل الدائرة نفسها.

وظهرت من خلال التباين وعدم الاتفاق الحاصل داخل الدائرة حالة من الخوف والاضطراب واللامهنية، مردها انعدام جرأة السياسيين في الحكومة على تعريف الظاهرة وتحديد مخاطرها، ومن ثم تبيان آليات التعامل معها. إن حل الدائرة المختصة خطأ كبير. وظهرت الوزارة، بقرار الحل هذا، وكأنها لا تحتاج إلى الخبرة والمشورة في ملف نشاطات «الإسلام السياسي»، بل تستطيع، من خلال المحاضرات والندوات، أن تجدد معلوماتها وخبراتها بشأن هذا الموضوع.

من الواضح، من خلال مراقبة الأوساط السياسية، أن وزارة الداخلية ستبدي اهتماماً فقط حين وقوع هجمات وسقوط قتلى أو اقتحام شاحنة ما لجموع المدنيين أو حدوث جرائم قطع الرؤوس. وعندما تحدث مثل هذه الهجمات والجرائم، يبدأ السياسيون بالمزايدة على بعضهم البعض في الالتفاف على الأسباب والدوافع الحقيقية والتستر عليها، واعتبار المجرم مختلاً عقلياً أو ذئباً منفرداً، مع أن الهجوم الاخير الذي وقع في فيينا كشف الحاضنة التي ينمو فيها هذا الإرهاب.

تمثّلت وظيفة «الدائرة المختصة بمتابعة نشاط الإسلام السياسي» بتحليل ودراسة هذه الحاضنة. لكن مهمتها تعثرت بسبب عدم الاتفاق على تعريفها وتحديد عملها. ولم يكن مستغرباً حل الدائرة. لكن المستغرب والسخيف في الأمر، أن تبقى الفجوة الكبيرة في هذا الموضوع المهم مفتوحة، وبكون المخاطر الآتية من الإرهاب كبيرةً وخطيرة. وتتفق «دائرة حماية الدستور» مع المخاوف من مخاطر الإرهاب، من خلال تقييم الحالة والتقارير الدورية التي تصدرها وتشير فيها إلى مخاطر توسع وتمدد «الإسلام السياسي» على ألمانيا وأوروبا.

كان من المفترض أن تقوم الدائرة الملغاة بمراقبة مستمرة لمشهد وتطورات «الإسلام السياسي». وهذا عمل شاق وضخم، نظراً لتجذر مظاهره ونشاطاته المختلفة في المجتمع وصعوبة الحكم عليها. فمن ناحية الخطاب الموجه إلى الخارج، يتعامل «الإسلام السياسي» مع المؤسسات القائمة ويظهر احترامه للنظام واستعداده للحوار ويقدم لغة مرنة تعترف بالتعددية والتنوع. لكن الخطاب الموجه إلى الداخل مختلف: نكوصي ومنعزل، يرفض أسس دولة القانون والنظام الديمقراطي لصالح رؤية وإيديولوجية دولة الشريعة التي ترفض الآخر المختلف وتحط من شأنه. وطالما لا يمكن لـ«الإسلام السياسي» تطبيق هذه الرؤية وترجمة خطابه هذا على أرض الواقع في أوروبا، فهو لا يجد أمامه إلا أن يتعاطى مع الأمر بشكلٍ دبلوماسي وسلمي. وكمثال، بإمكان المرء الإشارة إلى الفتوى التي تبناها «المجلس الإسلامي الأوروبي»، فرع مدينة روزلهايم، بحق «المرتدين عن الإسلام»، والتي أجازها منظّر «التنظيم العالمي للإخوان المسلمون» يوسف القرضاوي الذي يدعو إلى جلد المثليين مئة جلدة، وإلى أسلمة أوروبا، ومطالبة المسلمين باستكمال «الهولوكوست» والقضاء التام والمبرم على اليهود. إن هذه الفتوى التي تدعو إلى قتل من يرتد أو يٌبدل دينه، مازالت قائمة حتى الآن، ويعمل بها تنظيم داعش حرفياً.

يحاول ممثلو «الإسلام السياسي» المتمظهر قانونياً، على وجه التحديد، التأثير على السياسة والمجتمع، لا سيما من خلال التعليم. نجحوا بشكل خاص في هذا مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) الذين ينتشر بينهم الرأي القائل بوجوب محاربة الإسلاموية «العنيفة» باستخدام الإسلاموية «الشرعية»، أي استخدام النار ضد النار. ودائماً ما يظهر سياسيون من الحزب في حملات ونشاطات تقيمها تنظيمات الإخوان المسلمون. ويمكن الحديث هنا عن ليديا نوفل، السياسية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، التي تشرف على الجمعية التي تدير مسجد «إنسان» (Inssan) في برلين. وموخراً، توقّفت مراقبة الجمعية من قبل «هيئة حماية الدستور». وكان ايرهارد كورتينغ، السيناتور عن برلين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من أوقف عملية المراقبة، علماً أنه، وبحسب محضر إحدى الجلسات، اعترف بوجود علاقات وتشابكات شخصية وتنظيمية بين الجمعية وجماعة الإخوان المسلمون.

من جانبها، توضح مديرة «مركز دراسات الإسلام العالمي»، ومقره فرانكفورت، سوزانا شروتر أن «الدائرة المختصة بمتابعة نشاط الإسلام السياسي»، والتي سبق وعملت فيها، تحولت إلى مصدر إزعاجٍ  وخوف لوزيرة الداخلية، التي تنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعد الاطلاع على حجم وقوة الاتصالات والعلاقات بين «الإسلام السياسي» والسياسة الألمانية. وكون أن الأولوية في الوزارة لمحاربة «الإسلاموفوبيا» والتمييز العنصري ضد المسلمين، يعني ذلك أن الدائرة إياها لم تكن محط اهتمام، إذ لم يخصص لها سوى مبلغ 600 ألف يورو.

ومع تسيّد مصطلح «الإسلاموفوبيا»، فإن التجربة مع «الإسلام السياسي» القانوني تشي بأن منظمات الإسلام السياسي ستوجه تهمة «الإسلاموفوبيا»، بشكلٍ واضح ودائم بحق كل نقدٍ يطال الإسلام السياسي أو الأصولية الإسلامية. كذلك، ستعمد هذه الجهات إلى كم أفواه كل من يتوجه بالنقد للغلو القومي أو الشمولية التي تمارسها بعض الأنظمة في العالم الإسلامي. واستخدم البعض البرنامج الذي قدمته وزارة شؤون الأسرة تحت عنوان «دروس مساعدة لصناعة المواقف والرؤى»، بهدف دعم الديمقراطية والتوعية من التطرف، ذريعةً ضد « الدائرة المختصة بمتابعة نشاط الإسلام السياسي» بدعوى أن لا حاجة إليها، وبالتالي توجّب حلها. وأطلقت وزارة شؤون الأسرة، عبر برنامج دعم الديمقراطية والاندماج هذا، وبالتعاون مع مبادرتيّ «إنسان» (Inssan) و«كليم» (Claim)، مبادرةً لمحاربة «الإسلاموفوبيا» بدعمٍ مالي من الاتحاد الاوروبي، بهدف رصد حالات العنصرية ضد المسلمين.

ووضع أستاذ السياسة فريد حافظ التعريف العملي لمصطلح «الإسلاموفوبيا»، بما يستند إلى الكتيب الموسّع الذي ألّفه حافظ نفسه وتبناه الاتحاد الأوروبي الذي قام بنشره وتوزيعه. واليوم، تبين بأن هذا الكتيب يفتقد إلى المصداقية والرصانة العلمية. وكان هدف حافظ  التشويش على النقد الموجه إلى الإسلام السياسي (وليس الإسلام)، واتهام هذا النقد بمعاداة الدين و«الإسلاموفوبيا».

وليس سراً أن نشاط حافظ تلقى دعماً من منظمة «سيتا» ( SETA) التركية التي، بحسب «دويتشه فيليه» (Deutsche Welle)، صوت الرئاسة التركية، وتعكس آراء الرئيس التركي الذي يدعم «الإسلام السياسي». وتعتبر هذا المنظمة ذراع الحكومة التركية في قمع الاصوات المنتقدة لسياساتها في الداخل والخارج، وشن حملات تشويه السمعة والافتراء على الأقلام التي تنتقد أردوغان وحكومته، ومن ضمنهم صحافيون في هذه الصحيفة (فرانكفورتر ألغماينه تسايتونع) ممن تعرضوا لحملات تشويهٍ ممنهجة. وبالطبع، الاتهام المفضل والأكثر فائدةً هو «الإسلاموفوبيا».

وكان من السخف أن يقطع الإتحاد الأوروبي الدعم المالي المقدّم إلى تقرير «الإسلاموفوبيا»، بعدما تأكد من دعم «سيتا» لمشروع حافظ، في وقتٍ لا يزال يدعم مصطلح «الإسلاموفوبيا» الذي طوّره حافظ. والأمر السخيف الآخر، أن من يطّلع على شبكة القائمين على أبحاث «الإسلاموفوبيا»، التي تتمتع بدعم ورعاية الدولة من خلال حضورها الدائم في اللجان المكلفة مكافحة العنصرية، يدرك حجم تغلغل «الإسلام السياسي» في الشبكة واللجان وحالة العداء للسامية الواضحة.

ومن الملاحظ، جرّاء تعريف حافظ لما يسمى بـ«الإسلاموفوبيا»، اعتبار رفض ارتداء الحجاب في بعض الأعمال والمهن كنوعٍ من العنصرية وعداء للمسلمين، وهو ما يجافي الحقيقة، لأن المنع يشمل كل غطاءٍ للرأس لا الحجاب فحسب. وعبر الدعم السخي من وزارة رعاية الأسرة، تتم مصادرة الحق في نقد التطرف والأصولية ونزع مشروعية هذا النقد واعتباره غير مرحَباً به، من خلال تقديم وتسويق مفهوم فضفاض ومبهم للعنصرية، بحيث يصب كل ذلك في مصلحة «الإسلام السياسي». وللمرء أن يتخيل عدد منظمات المجتمع المدني المرتبطة بـ«الإسلام السياسي» القانوني التي ستستفيد من التمويل السخي الدائم، إذ ما نجحت كل من وزيرة رعاية الأسرة ليزا باوس ووزيرة الداخلية في تمرير قانون دعم الديمقراطية المشترك بين الوزارتين. ومن هنا، فإن بقاء فريقٍ من الخبراء في «الإسلام السياسي» حول الوزيرتين، أمرٌ ضروري للتغطية على عملهما، وكذلك لدفع الحرج عنهما هنا وهناك.

* صحيفة (Frankfurter Allgemeine Zeitung). الترجمة: المركز الكردي للدراسات.