غزو شمال وشرق سوريا… هل تخسر أنقرة ورقة التوازن بين موسكو وواشنطن؟

فرهاد حمي 

مع إصرار حكومة أردوغان بشن غزو جديد على شمال وشرق سوريا، يستحضر الأوراسيون الأتراك بكثرة هذه الأيام نصيحة أتاتورك الشهيرة، ومفادها “لا تعبث مع روسيا، ولا تكن دمية في يد الغرب“، وبدوره لا يترك زعيم حزب الحركة القومية المتطرف، دولت باهجلي، مناسبة وهو يذكر أردوغان بوجوب وضع ملف الخروج من حلف الناتو على طاولة المحادثات مع الغرب، في حين أن أردوغان، الذي يمسك العصا من المنتصف، مستغلاً فجوة بين موسكو وواشنطن عقب الحرب الأوكرانية، لا يتوانى عن إطلاق تصريحات عنجهية ضد الغرب، ويحمل دول مثل السويد وفنلندا والولايات المتحدة في توفير التغطية لقوات سوريا الديمقراطية ومؤيدي حزب العمال الكردستاني.

هذا السعار الدعائي، الذي يدفع التصادم مع الغرب على مدار اليوم، يخدم طموحات بوتين الاستراتيجية ضد حلف شمال الأطلسي في المقام الأول، لكن موسكو تملك طموحاً آخر، وهو رؤية انزياح أردوغان بشكل كلي من قاطرة الناتو. ولعل زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأخيرة إلى أنقرة كانت بمثابة إشارة إضافية لحث حكام أنقرة من أجل حسم مكانة تركيا على الخارطة الجيوسياسية العالمية، وليس هنالك جائزة تغوي اليمين المتطرف التركي سوى الحصول على الضوء الأخضر الروسي بشن غزو جديد ضد شمال وشرق سوريا من بوابة كوباني ومنبج وعين عيسى وتل رفعت. الأمر الذي سيرسخ في نهاية المطاف حسب موسكو، القطيعة مع الغرب في ظل الموقف الأمريكي الرافض للعملية العسكرية إلى هذه اللحظة. بالعموم، بدا حضور لافروف الدبلوماسي في أنقرة وكأنه يربت على ظهر أردوغان: الكرة في ملعبك الآن، هيا افعلها.

العبرة التاريخية ولعبة التوازنات

تاريخياً، ثمة متلازمة سيكولوجية تحكم السياسة الخارجية التركية عندما يعصف بحر اللايقين منظومة العلاقات الدولية وتشتد وتيرة صراع الأقطاب، فالعقل الجمعي التركي لا يزال يحمل إرث الخوف والذعر من جهة حسم خياراتها الأخيرة تماشياً مع التناحرات الدولية بين القوى العظمى، لا سيما بعد عاقبة قرار أنور باشا، المتهور، بالهجوم على القوات الروسية في البحر الأسود إبان الحرب العالمية الأولى، وإبرام التحالف مع الإمبراطورية الألمانية، على الرغم أنّ معظم التوقعات كانت ترجح تحالفاً وشيكاً بين الدولة العثمانية وبريطاني العظمى، غير أنّ قرار أنور الباشا دفع باتجاه انهيار الدولة العثمانية إلى غير رجعة.

منذ ذلك حين، بات التردد وعدم حسم القرار يحكمان السياسة الخارجية التركية المعاصرة. ولأن الجمهورية ولدت مشوهة، لا سيما بعد إقصاء الكرد والإسلاميين الديمقراطيين والشخصيات اليسارية من ميراث “حرب الاستقلال“، فإن الطبقة البرجوازية الحاكمة فصلت الدولة عن القاعدة الاجتماعية المتنوعة، طبقياً وقومياً وثقافياً، وحولتها إلى وسيلة للسمسرة بغية إدامة مصالحها الطبقية، ومن ثم باتت تحدد حساباتها لرسم السياسة الداخلية والخارجية وفق قاعدة التحالف مع القوى التي تعتبر أكثر تأثيراً على المستوى الدولي، وخاصة في الوقت بدل الضائع، مشروطاً بإطلاق يدها على الدوام في استخدام العنف اللامحدود ضد التنوع الاجتماعي الذي يعيش خارج حسابات الدولة والسلطة. وفي هذه الحالة، يشكل الكرد هدفاً محورياً لهم، وموسكو كما واشنطن ولندن وبرلين، على دراية تامة في كيفية تسخير هذا السيناريو واستثارته.

تحييد الكرد مقابل حسم تحالفات

حولت هذه الطبقة بنية الجمهورية إلى شكل قومي وعرقي واستبدادي، وتبنت سياساتها الداخلية تناسباً مع الموقف الرسمي الذي أعلنه عصمت إينونو ببلاغة في سنة 1925 أثناء ثورة الشيخ سعيد بيران، حسب ما نقله المحلل السياسي الأمريكي المعروف، غراهام فولر، في كتابه عن القضية الكردية، حيث جاء فيه:” في مواجهة الأغلبية التركية، ليس للعناصر الأخرى أي تأثير، ولهذا، علينا أن نعمل على تتريك السكان الذين يعيشون على أراضينا بأي ثمن، وسنعمل على إبادة كل من يعارض سياسة التتريك”،  وهو تصريح كرره وزير العدالة في حكومة أتاتورك عام 1930 بطريقة مماثلة :” أنا أؤمن بأنه يجب يكون الأتراك هم السادة، وهؤلاء الذين لا ينحدرون من نسل تركي خالص، يمكن أن يكون لهم حق واحد في هذه الدولة، وهو حق أن يكونوا خدماً وعبيداً“.

فالجمهورية الناشئة كانت تحدد بوصلة سياساتها الداخلية والخارجية وفق هذا الذهان الاجتماعي والمخيال العرقي، وتروج على الدوام سردية خيوط المؤامرة الكونية المدبرة ضدها، من قبل الجماعات العالمية المتنفذة بالتنسيق مع القوى” الانفصالية” على غرار سقوط الدولة العثمانية الدرامي. كما أنها تسوق لـ “عقدة سيفر” على إنها مؤامرة غربية تستهدف تقسيم تركيا، حيث يروي الباحث الايرلندي الشهير، فريد هاليدي “متلازمة سيفر” بقوله:” إن المسؤولين الأتراك كانوا يتكئون على مكاتبهم في أنقرة واسطنبول، ويعطون الزوار الغربيين محاضرة عن متلازمة سيفر، وهي تعني حسب الفهم التركي بأنها تهدف إلى تقسيم تركيا وإضعافها أو التدخل في الشؤون التركية وشؤون الدول المجاورة من قبل الغرب”. في الواقع، أوضح فرانز فانون ببراعة هذه الصدمة، عندما كشف:” بأن من يعانون من الصدمة نتيجة الحروب يمكن أن يكونوا مرتكبين للعنف، ويمكن أن يكونوا طغاة، وكذلك مقموعين”.

ومع فيض الجرائم التي ارتكبتها هذه التيارات المتطرفة التركية، سواء ضد الشعوب المسيحية أو الكرد، فإن هؤلاء المتورطون غير نادمين، ولم يتم عقابهم إلى هذه اللحظة.  لذا، فإن هذه الدولة القومية كانت على استعداد فعلياً لإبادة كل من صنفته على أنه عدو داخلي، وهي كانت على استعداد للانخراط في إرهاب الدولة من أجل قمع أي علامات على المطالب الكردية.

تبعاً لذلك، تلاعب مصطفى كمال أتاتورك مع بقايا جمعية تركيا الفتاة الفاشية في فرض التوازن من خلال البلاشفة ضد الإنكليز إبان حرب الاستقلال أولاً، ومن ثم النكث بوعوده ضد روسيا السوفياتية عام 1921 لصالح الانكليز بعد هيمنة بريطانيا على المشهد السياسي الدولي، لا سيما عقب المؤتمر الاقتصادي في إزمير عام 1923، وإبرام اتفاقية لوزان في نفس العام، بالتوازي مع الإطاحة بالكرد والإسلاميين الديمقراطيين والشيوعيين.

وبالمثل، وقعت ألمانيا وتركيا في مستهل الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في يوم 18 حزيران/يونيو 1941، على معاهدة الصداقة. وبموجب ذلك، تعهّدت تركيا بعدم التدخل ضد المصالح التوسعية الألمانية بالمنطقة ووافقت على تحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، ومع اقتراب هزيمة النازيين بالحرب العالمية، تنكرت تركيا لوعودها مع هتلر، وأعلنت أواخر شهر شباط/فبراير 1945 الحرب على ألمانيا دون أن تطلق طلقة واحدة في المعركة ضد الفاشية حسب العالم الاجتماعي، بيري اندرسون.

على ذات المنوال، وبسبب خشية عصمت إينونو من مطالبة ستالين بإعادة النظر في معاهدة عام 1936 المتعلقة بحرية الدخول إلى المضايق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط ومطالبته فيما بعد بتدشين قاعدة عسكرية على المضايق، فإنه سارع إلى عقد الاتفاقية مع الولايات المتحدة في عهد ترومان عام 1947، وأمنت تركيا بذلك عضويتها في حلف الناتو والحصول على مساعدات اقتصادية من خطة مارشال الأمريكية، حيث تم تسليم مليارات الدولارات كمساعدات أمريكية إلى النخبة التركية، إضافة إلى تدفق الدعم العسكري والمعدات التقنية الأطلسية، وهذا كان يعني التبيعة للغرب والتراجع عن معاداة الغرب والامبريالية مقابل أن تلعب تركيا كقاعدة استراتيجية للحدود الشرقية يقودها الناتو، وتنال الشرعية في تصفية الكرد والقوى اليسارية.

اعتباراً من عام 1991، لم تعد روسيا إمبراطورية توسعية على حدود تركيا، وفي ظل الحقائق الدرامية الجديدة للقرن الحادي والعشرين، باتت روسيا تتقاسم بشكل متزايد مع الصين هدف إحباط جهود الولايات المتحدة للحفاظ على دورها القديم المتمثل في الهيمنة العالمية. في غضون ذلك، أعادت الصين رسم هذه المساحة الأوراسية بمشروعها القائم على مركزية التجارة والنقل عبر أوراسيا، بمبادرة حزام واحد وطريق واحد.

الرقص على إيقاع أوراسيا

في هذه الاثناء، أحكمت قيادة اليمين قبضتها على سدة الحكم في أنقرة عقب الانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، وهي مزيج من التيار الأوراسي والقوميين المتطرفين والإسلاميين اليمينين، وباتت أنقرة  تطالب بالمزيد من الاستقلالية عن حلف الناتو لصالح التقارب من الفضاء الأوراسي، وتؤكد بأن التموضع مع موسكو والصين قد يحقق مصالحها الأمنية والاقتصادية وأحلامها الاستعمارية وقمعها الداخلي بخلاف علاقاتها مع الغرب.

هل ينبغي فعلاً تصديق رواية اليمين المتطرف من منطق المتغيرات السياسة الخارجية ومصالح الدولة التركية، أم أن الرواية التركية الحاكمة دوماً تمتطي التزييف والنفاق المفضوح؟ في الواقع، يعود حنق غالبية حلفاء أردوغان اليوم ضد التيار الليبرالي الغربي إلى إذلال بعض الضباط العسكريين “مناصري برينجك” والجماعات السياسية الهامشية “أتباع دولت باهجلي” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على يد حلف الناتو، وذلك بسبب سجلهم الإجرامي الحافل، كما أظهرتها قضية أرغنكون. فهذه المشاعر الحانقة تنطبق أيضاً على فريق أردوغان، عندما رفض حلف الناتو مساندة تركيا ضد روسيا في سوريا بعد إسقاطه الطائرة الروسية عام 2015.

عليه، فإن تحول تركيا مؤخراً إلى أوراسيا مدفوع أساساً بسخطها المتزايد من الغرب. وتغدو النزعة الأوراسيوية الحالية هي في الأساس نزعة أيديولوجية، وليست رؤية جيوسياسية متماسكةـ إذ يشير المفهوم الأيديولوجي لهذه المقاربة بأن المصالح الجيوسياسية التركية يتم خدمتها بشكل أفضل من خلال إعادة الاصطفاف مع روسيا والصين.

منذ الانقلاب الفاشل، وعزل حوالي 30 ألف جنرال وعسكري من القوات كانوا موالين للناتو في تركيا على حد تعبير عرّاب العلاقة الروسية التركية، دوغو برينجك، فإنه جرى التوافق بين ترامب وبوتين وأردوغان على قاعدة العقيدة اليمينية، الأمر الذي عزز من مكانة هذا التيار داخل الحياة السياسية التركية. ومع قدوم حكومة بايدن إلى سدة الحكم، واندلاع الحرب الاوكرانية، فإن مساحة المناورة توسعت أمام هذا التيار، من جهة أهمية الموقع الجيوسياسي التركي لدى الغرب وروسيا، واستغلال مضيق البوسفور كمنفذ للتجارة الدولية وتصدير القمح والعبور العسكري، الأمر الذي دفع باليمين التركي أن ترفع من مطامعها الانتهازية والاستعمارية إلى أقصى النطاق، بدءاً من مطالبته تأمين حقوق الطاقة في مياه البحر المتوسط مروراً إلى التهديد بعرقلة عضوية السويد وفنلندا في حلف الناتو، ناهيك عن استهداف الكرد المنفيين في الغرب، وشن حملات عسكرية مستمرة ضدهم في كل من تركيا والعراق وسوريا، وذلك بأفتك أشكال الأسلحة المحظورة والكيمياوية والطائرات المسيّرة.

الرواية الأوراسية حيال شمال وشرق سوريا

يراهن التيار الأوراسي المتحالف مع أردوغان، بوجوب فتح جبهة عسكرية جديدة من أجل إنعاش حظوظهم في السلطة، بعدما عمقت سياستهم العسكرية الاستعمارية والاقتصادية إلى ترسيخ الاستقطاب السياسي التصادمي ودفع البلاد صوب حافة الانهيار الاقتصادي والمعيشي. ولأنه من دون القمع الداخلي ومواصلة الحروب الخارجية ضد الكرد على وجه الخصوص، قد تنهار شرعيتهم التسلطية بين ليلة وضحاها، فحرب الإبادة ضد الكرد بلا هوادة تحت يافطة الدفاع عن الأمن القومي، تصبح ذريعتهم الوحيدة لتأمين قبضتهم على  السلطة أمام كتلتهم الشعبوية المتطرفة.

بناء على ذلك، تنسج هذه المجموعات سيناريوهات عدة من أجل تحقيق أهدافها حيال شمال وشرق سوريا، فعلى سبيل المثال، نشر موقع إيدلينك العائد إلى دوغو برنجيك سيناريو يدفع نحو تحقيق التطبيع بين دمشق وأنقرة أولاً، بيد أنّ العقبة التي تقف في وجه ذلك حسب مزاعمهم، تكمن في قيام مجموعة  داخل إدارة أردوغان تعطيل هذه المساعي، حتى أن كتلة برنجيك تتهم هذه المجموعة بأنها تخلق عراقيل أمام روسيا وإيران والنظام السوري من خلال إحداث الاستفزازات عبر “أمراء الحرب” في المناطق التي تقع ضمن نفوذ الجيش التركي في إدلب،  كما يلعب “الأمريكيون المختبئون” في الداخل التركي دوراً كبيراً لتحريك وتعطيل هذه المقاربة، حسب تعبير بيرنجيك.

تعتبر هذه الأصوات بأن المصالح التركية لا تكمن في مسك العصا من المنتصف، وأن التدخل في مسألة مساومة تكتيكية بين موسكو وواشنطن، قد تخلق ظروفاً مواتية للولايات المتحدة من أجل تقويض المصالح التركية. إذاً والسؤال الأساسي الذي يطرحونه هو: ما الهدف السياسي الذي تريد تركيا تحقيقه من عملياتها العسكرية؟ إذا كان الهدف هو ضمان وحدة أراضي سوريا ووحدتها السياسية حسب سرديتهم، كما جادلوا مع روسيا وإيران في أستانا وسوتشي، فينبغي التركيز على الطريقة الأقصر والأقل تكلفة لتحقيق ذلك. عملياً تذهب رواياتهم، بأن إدارة دمشق لا تملك القوة للقضاء على قوات سوريا الديمقراطية، كما أن دمشق ليست في وضع يمكنها القضاء على ما يسميه هؤلاء “الاحتلال الأمريكي” بمفردها. لكن عندما تتعاون أنقرة ودمشق، ستكون روسيا وإيران والصين وجميع القوى الأوروبية الآسيوية الأخرى وراء هذا الاتحاد، ويمكن إنشاء القوة التي ستخرج الولايات المتحدة من سوريا وتنهي معها قوات سوريا الديمقراطية، أي ينبغي خوض المعركة بأي ثمن كان.

مع اندلاع حرب أوكرانيا، يبدو أن موسكو مترددة في إثارة غضب أنقرة. ولعل هذا ما يشجع أردوغان على المجازفة، ويدفع التيار الأوراسي بوجوب فتح جبهة جديدة، فلم تعد السيناريوهات القديمة التي كانت تفضلها موسكو في العمليات التركية السابقة تفي بالغرض، فقد كانت التحركات الروسية تأتي غالباً من أجل استيعاب أردوغان من خلال هدف تأمين مكاسب حاسمة لدمشق، بما في ذلك عودة الجيش السوري إلى المناطق الشمالية، وتأجيج الانقسامات التركية الأمريكية، وذلك من خلال إعطاء الضوء الأخضر لعملياتها، بحيث يمكن أن تستخدم القوة النارية التركية كعنصر ضغط على الكرد لتمهيد الطريق لصفقة تؤدي إلى سيطرة الجيش السوري على المناطق التي يسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. فموسكو كانت تجادل أنقرة بأنه إذا كانت وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية تشكل بالفعل تهديداً للأمن القومي التركي، فإن إعادة مناطق سيطرتهما إلى الدولة السورية هي منطقياً أقصر الطرق لمعالجة مخاوف أنقرة. وهذا ما تعنيه روسيا باقتراحها اتفاق أضنة كأساس للحل. ومع ذلك، فبدون وجود النفوذ التركي على الأرض، سيحرم أردوغان من “رواية النصر” التي يحتاجها في الداخل لتعزيز دعمه الشعبي المتراجع قبل الانتخابات.

من وجهة نظر التيار الأوراسي، فليس لتركيا الكثير لتخسره، على الأقل فيما يتعلق بأمنها حال قطع علاقاتها مع الناتو، وذلك عقب شراء أنظمة الصواريخ الدفاعية الروسية S-400، وعلى الرغم من إدراك هذا التيار أنه سيكون من الغباء كي يقدم على قطع جميع العلاقات مع الغرب – خاصة الاقتصادية منها – وأنه سيكون من الحماقة أيضاً إعادة توجيه نفسه تماماً إلى الغرب وإدارة ظهرها في المستقبل إلى هذا المشروع الأوراسي النامي القوي، بيد أنّ بعض الأصوات في الأوساط السياسية والعسكرية التركية تود أن تذهب إلى أبعد من ذلك، عبر تفضيل خيار الاعتماد على روسيا الساعية إلى تحقيق نظام أمني غير غربي في أوراسيا على الاعتماد المستمر على الناتو، وهو ما يبشر به علناً باهجلي وبرنجيك وبعض من الاوساط المقربة من أردوغان.

 الرواية الغربية

إلى هذه اللحظة، أبدت إدارة بايدن من خلال تصريحات ورادة من البيت الأبيض عن رفضها أن تقوم أنقرة بشن حملة عسكرية جديدة في شمال وشرق سوريا. وتزعم الرواية الغربية، بأنه ثمة عوامل أخرى قد تحسم خيارات أردوغان، من بينها قد يُنظر إلى أي مبادرة، التي تُظهر “الدور القوي” لتركيا في أزمة دولية كبرى على غرار أوكرانيا، على أنها مربحة من الناحية السياسية، خاصةً إذا تم تأطيرها حول الحرب ضد الكرد. وهو خيار تشجعه موسكو لشن حرب ربما على شمال شرق سوريا، وربما تلزم واشنطن الصمت في حال نفذت أنقرة تهديداتها نتيجة انشغالها في الملفين الاوكراني والصيني.

ولكن إذا استمرت معارضة تركيا لانضمام السويد وفنلندا على المدى المتوسط، فقد تتعرض أنقرة لضغوطات متزايدة بسبب سياستها الميالة بعناية تجاه روسيا، وستواجه أنقرة بذلك خيار الانحياز إلى أحد الجانبين، فكلما ازداد الصراع سوءاً، قل مجال المناورة لأردوغان. وإذا استطاع الناتو، تشكيل رد قوي وموحد يجعل من غزو أوكرانيا نكسة استراتيجية لموسكو، حينها، قد تتغير حسابات أردوغان أو أية قيادة تركية جديدة تسلم دفة الحكم في الانتخابات القادمة، لصالح المحور الغربي. ونظراً أن قيادة اليمين التركي تسابق الزمن من أجل استغلال الهامش السياسي المتاح أمامها، فربما تتغاضى واشنطن تحت ضغط عامل الزمن وأولوياتها الخارجية، عن المغامرة العسكرية التركية المحتملة في شرقي الفرات تحديداً. وغالباً ستنظر تل أبيب بعين الرضا إلى كل توسع تركي في سوريا، على أنه بمثابة تطويق لنفوذ إيران.

ومع ذلك، يحذر النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات الأمريكية، غراهام فولر، من سذاجة هذه الرواية، إذ يقول بأنه:”سيكون من الخطأ الفادح افتراض أنه عندما تظهر قيادة تركية جديدة، فإنها ستعود إلى الوضع القديم “الحليف” الذي اعتمد عليه الغرب منذ مدة طويلة. قد يسعى أي قائد جديد في البداية إلى تسوية بعض الخلافات هنا وهناك مع الغرب، ولكنه سيواصل بالتأكيد متابعة ما تعتبره تركيا مصيرها الجيوسياسي الموسع الذي يشمل الانخراط العميق في أوراسيا “.

مهما يكن، فطالما تتحرك حكومة اليمين المتطرف في أنقرة بمنطق الحرب والإنعاش على دماء الكرد، لذا، سيكون خيار الهجوم العسكري على شمال وشرق سوريا وراداً في أي لحظة، وحينها، لن يكون أمام الكرد والعرب والمكونات الأخرى في المنطقة خيار سوى المقاومة من أجل الوجود.