• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

كيف غيّر الاقتصاد المؤسسي نظرتي إلى زوايا كوباني الصوفية

27 يوليو 2026
كيف غيّر الاقتصاد المؤسسي نظرتي إلى زوايا كوباني الصوفية

صورة متخيلة عبر الذكاء الاصطناعي تمثل زاوية الشيخ خضر في كوباني

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

مسلم عبد طالاس

ذكريات طفولية

كنت أعرف منذ طفولتي أن جدي كان شيخاً لإحدى الزوايا الصوفية في منطقة كوباني. لم يكن ذلك موضوعاً يشغلني كثيراً، بل كان جزءاً من ذاكرة العائلة الشفهية، تماماً كحكايات الأقارب أو سنوات القحط والهجرة.  كنت أسمع أسماء المريدين والخلفاء، وأعرف أن للزاوية مجلساً أسبوعياً يقام مساء كل خميس، يأتي إليه الناس من قرى مختلفة. أحياناً كنت أذهب مع والدي أو والدتي إلى تلك المجالس في بيت خالي. ما زلت أذكر أصوات الدفوف الرخيمة، حلقات الذكر، وحركة الناس وهم يدخلون ويخرجون. لكنني كطفل، لم أعش التجربة كما عاشها الكبار؛ لم أشعر يوماً بأنني مندمج في البعد الروحي للمجلس، ولم تكن قصص الكرامات تشدني كثيراً.

كان ما يسترعي انتباهي شيئاً آخر: كنت أستمتع بإيقاع الدفوف، وأراقب ذلك التجمع البشري النادر (فأنا معتاد على قريتي التي كانت سبعة بيوت فقط)، وأفرح لأن الليلة تعني مبيتاً دافئاً في منزل خالي (الآخرالأصغر) الذي كان يغمرني بمحبة خاصة. وكأي طفل، كنا نضحك في الخفاء على بعض المريدين ونقلد حركاتهم بتنمر طفولي عابر. لهذا السبب، لم أحمل معي تجربة روحية بل ذاكرة اجتماعية؛ بقيت صور الناس والعلاقات والوجوه والأصوات أكثر حضوراً في ذهني من المضامين الدينية نفسها.

كانت قرية أخوالي (خرخري)، حيث تقام الزاوية، قرية ريفية صغيرة (خمسة أو ستة بيوت) نائية تقع على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً جنوب مدينة كوباني، عند التخوم بين منطقتي “قراجي شيخان” (منطقة جغرافية جنوب كوباني تشكل امتداداً لسهل سروج باتجاه الجنوب) و”برية البرازية” (منطقة جغرافية تشير لمراعي اتحاد عشائر البرازية وتمتدّ من قراجي شيخان باتجاه نهر الفرات جنوباً). وفي تلك البيئة التي كانت تتسم بتباعد القرى وضعف وسائل الاتصال، كان اجتماع الناس أسبوعياً في مجلس الزاوية يتجاوز كونه مناسبة دينية، ليصبح أحد أهم مناسبات اللقاء والتواصل الاجتماعي.

صدمة الاقتصاد المؤسسي

غادرت تلك المرحلة كغيري، كبرت ودرست الاقتصاد، وانخرطت في البحث الأكاديمي والقراءة في قضايا الدولة والمؤسسات والتنمية. لسنوات طويلة، لم أفكر في الزوايا، بل كنت أتعامل معها – مثل كثير من “المثقفين” الكرد من قوميين ويساريين وليبراليين وإسلاميين – بوصفها بقايا عالم قديم تجاوزته الحداثة. كنا نرى أن التحديث يعني تلقائياً استبدال البنى القديمة بمؤسسات حديثة أكثر عقلانية وكفاءة، دون أن نتوقف لنسأل: إذا كانت هذه المؤسسات عديمة الفائدة، فلماذا استمرت كل هذا الوقت ومُنحت ثقة الناس جيلاً بعد جيل؟

تذكرتُ هذا السؤال التفكيكي عندما زرتُ لندن قبل سنوات؛ إذ لفت انتباهي استمرار سيارات التاكسي السوداء بتصاميمها الكلاسيكية المستوحاة من أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وهي تجوب الشوارع بكل سلاسة. أثارت الصورة في ذهني مفارقة صارخة: نحن في دولنا المتخلفة نتهافت على اقتناء أحدث طرازات السيارات ونظن أن التحديث هو التخلص السريع من كل ما هو قديم، بينما تستبقي إحدى كبرى عواصم الحضارة والتقدم في العالم هيئة سيارة كلاسيكية لأنها تؤدي وظيفة حضرية واجتماعية دقيقة لا تفي بها السيارات الحديثة (من التكيف مع الشوارع الضيقة إلى المحافظة على الهوية والبنية العملية).

جاءتني الإجابة الأكاديمية لهذا التساؤل من باب الاقتصاد السياسي المؤسسي. فكلما تعمقت في أعمال باحثين مثل دوغلاس نورث وجويل ميغدال وجيمس سكوت، لاحظت فكرة محورية: المؤسسات لا تستمر لأنها جميلة أو صحيحة أخلاقياً، بل لأنها تؤدي وظائف حقيقية يحتاجها المجتمع. قد تؤديها بكفاءة متدنية أو آليات بدائية، لكن مجرد بقائها يعني أنها استجابت لحاجات قائمة. فاستمرار المؤسسة لا يعني بالضرورة أنها عادلة أو خالية من العيوب، لكنه يعني أن المجتمع وجد فيها، في لحظة تاريخية معينة، حلاً لمشكلة لم يجد لها بديلاً أفضل. ولهذا فإن السؤال العلمي لا يبدأ بالحكم عليها، بل بمحاولة فهم المشكلة التي كانت تحلها.

عندها أدركت أننا وقعنا في خطأ منهجي؛ كنا نركز على شكل المؤسسة وخطابها لا على وظيفتها، ونسأل إن كانت تنتمي للماضي أم المستقبل، دون أن نسأل ما الذي كانت تفعله داخل المجتمع. وهذا ينطبق على العشيرة والمجالس التقليدية وشبكات التنظيم الأهلي التي تفككت تحت ضغط الدولة الحديثة والأحزاب والتعليم والهجرة.

الوظائف الخفية للزاوية الصوفية

تحول السؤال في ذهني من التقييم الأيديولوجي (“هل كانت هذه المؤسسات جيدة أم سيئة؟”) إلى السؤال العلمي: “ما الوظائف التي كانت تؤديها؟ ولماذا عجزنا عن رؤيتها وتوثيقها؟” فالناس لا يلتفون حول بنية اجتماعية لقرون لمجرد خطابات مقنعة؛ ما يبقي المؤسسة حية هو تلبيتها لحاجات حقيقية كالأمان، بناء العلاقات، حل النزاعات، وتخفيف العزلة. حين أستعيد ليالي الزاوية بعين الباحث، أستحضر القادمين من قرى بعيدة يبيت بعضهم حتى الصباح. كانت المناسبة لقاء اجتماعياً واسعاً يتبادل فيه الناس الأخبار وحديث الزراعة والمواسم، ويجددون شبكة علاقاتهم. لم يكن مئات الأشخاص يقطعون تلك المسافات لأجل الطقس الديني فحسب، بل لأن الاجتماع نفسه كان يؤدي وظيفة اجتماعية لا تقل أهمية.

كما أن المريدين لم ينتموا لعشيرة واحدة، بل جاؤوا من قرى وعشائر متعددة يرتبطون بعلاقة مشتركة مع الشيخ. وفي مجتمع تشكل فيه العشيرة الإطار الأساسي، كان وجود شبكة تتجاوز القرابة ينتج نوعاً من رأس المال الاجتماعي القائم على الثقة والانتماء المشترك لا على رابطة الدم.

حتى حضور المرضى النفسيين والمضطربين، لا يمكن محاكمته اليوم بمعايير الطب الحديث؛ فالمجتمع كان يواجه معاناة حقيقية في ظل غياب العيادات وأطباء الدعم النفسي.  وجود مكان يمنح الإنسان شعوراً بأنه ليس وحده، وأن هناك من يستمع إليه ويدعو له ويحتويه (مع بعض حالات العنف العلاجي الفظ)، قدم وظيفة نفسية واجتماعية حقيقية خففت من وطأة الأزمات الفردية. يضاف إلى ذلك نظام الهرمية والانتقال المنظم للشرعية عبر الإجازات والخلافة، مما يعكس وجود قواعد وتنظيم داخلي وضبط أهلي للمكانة والسلوك.

ورغم أن هذا المقال ينطلق من تجربة شخصية في ريف كوباني، فإن المقصود ليس الإيحاء بخصوصية هذه المنطقة أو استثنائيتها. فقد عرفت مناطق كردية كثيرة زوايا ومؤسسات اجتماعية مشابهة، اختلفت في أسمائها وتقاليدها المحلية، لكنها أدت وظائف متقاربة في بناء الثقة، وتنظيم العلاقات، وحل النزاعات، وربط القرى والمجتمعات الريفية بعضها ببعض. ولذلك فإنني أتعامل مع تجربة كوباني بوصفها حالة قريبة أعرفها من الداخل، لا بوصفها النموذج الوحيد، بل مدخلاً لإعادة التفكير في التاريخ الاجتماعي للمجتمع الكردي من خلال وظائف مؤسساته المحلية، لا من خلال أحكامنا الأيديولوجية عليها.

هجرة الوظائف والتحديث

لم تكن الزوايا سرية، بل كانت عماد الحياة اليومية في كثير من الأحيان، لكن انشغالنا بأسئلة أيديولوجية (تقدم أم تخلف، تنوير أم خرافة) جعلنا نغفل وظائفها.  انصب اهتمامنا على بناء الدولة والحزب والنقابة، وهو اهتمام مشروع، لكن الخطأ كان في افتراض أن ظهور المؤسسات الحديثة يعني تلقائياً انتهاء الحاجة للمؤسسات القديمة.

تعاملنا مع البنى التقليدية كأنها مجرد أفكار، بينما كانت في الواقع شبكات تُنتج الثقة وتنظم العلاقات.  وإزالة المؤسسة لا تعني إزالة الحاجة التي كانت تلبيها؛ قد يُغلق مبنى الزاوية لكن حاجة الناس للانتماء لا تُغلق، وقد تتوقف حلقات الذكر لكن الحاجة للتضامن والوساطة تبقى قائمة. حينها، تهجر الوظائف أجسادها القديمة لتسكن في أشكال جديدة: الحزب، المسجد، الجمعية، أو حتى مجموعات التواصل الاجتماعي، وللمفارقة قد تشوهها.

وهنا تكمن أزمتنا المعاصرة: كثير من أزمات الثقة (بما فيها انشقاقات الأحزاب السياسية اللانهائية) وهشاشة العمل الأهلي اليوم تعود لتفكك المؤسسات التقليدية قبل أن تنجح المؤسسات الحديثة في ملء الفراغ وتلبية تلك الوظائف بالكامل. فالتاريخ يعلمنا أن المهندس الجيد لا يهدم جداراً قبل أن يعرف إن كان يحمل السقف، والباحث الاجتماعي لا يدعو لإلغاء مؤسسة قبل أن يفهم ما الذي كانت تحمله داخل البناء الاجتماعي. ولعل الحداثة نفسها لم تنتصر لأنها ألغت هذه الوظائف، بل لأنها أعادت توزيعها بين مؤسسات جديدة: المدرسة، والمحكمة، والمستشفى، والجمعية، والنقابة، والحزب، ثم لاحقاً وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ولذلك فإن نجاح أي عملية تحديث لا يقاس بعدد المؤسسات التي أزيلت، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على أداء الوظائف التي ورثتها.

من السياسة إلى المجتمع

حين أستعيد تلك الليالي اليوم، أستعيدها بعين الباحث الذي يحاول فهم ما كان يحدث أمامه ولم يكن يراه. لم أعد مهتماً بأسئلة علماء الدين والمؤرخين حول صحة الطقوس من خطئها، بل بالسؤال السوسيولوجي: ماذا كانت هذه المؤسسة تفعل داخل المجتمع؟ وكيف أعاد المجتمع تنظيم نفسه بعد تراجعها؟

لقد كتبنا تاريخ السلطة أكثر مما كتبنا تاريخ المجتمع؛ كتبنا تاريخ الحكام والثورات والأحزاب، بينما بقي تاريخ المؤسسات التي عاش الناس داخلها حياتهم اليومية أقل حضوراً بكثير. وربما لا يقل فهم المجتمع أهمية عن فهم من حكمه. نعرف من حكم المجتمع، ونعرف أقل بكثير عن الكيفية التي كان المجتمع يحكم بها نفسه. فالسياسة لا تفسر وحدها كيف تتكون الثقة، وكيف تنتقل القيم، وكيف يتعلم الناس التعاون وحل الخلافات.

كل مجتمع يحتاج دائماً إلى مؤسسات تنتج الثقة، وتخفف العزلة، وتنظم العلاقات، وتمنح الأفراد شعوراً بالانتماء. وقد تتغير أسماء هذه المؤسسات وأشكالها عبر الزمن، لكن الحاجات التي تلبيها تبقى أكثر ثباتاً من المؤسسات نفسها. ولهذا فإن دراسة تاريخ المجتمع ليست دراسة للمؤسسات بقدر ما هي دراسة للحاجات الإنسانية التي كانت هذه المؤسسات تستجيب لها، وللكيفية التي انتقلت بها هذه الوظائف من مؤسسة إلى أخرى عبر الزمن. ولعل هذا لا يخص الزوايا وحدها. فكل مؤسسة اجتماعية تقليدية، سواء كانت عشيرة أو مجلساً محلياً أو سوقاً أسبوعياً أو وقفاً، تستحق أن تُقرأ بالطريقة نفسها: ليس بالسؤال عما إذا كانت حديثة أو قديمة، بل بالسؤال عن المشكلة التي كانت تحلها، والثمن الذي دفعه المجتمع عندما اختفت قبل أن يجد بديلاً يؤدي الدور نفسه.

لا أكتب هذا المقال دفاعاً عن الزوايا، ولا دعوةً لإحيائها، ولا حنيناً لزمن مضى؛ فالمجتمعات لا تعيش بالحنين ولا تعود للوراء. لكنني أكتب بدافع شعور متزايد بأننا، في سعينا لبناء مجتمع حديث، لم نصغِ بما يكفي للمجتمع الذي كان قبلنا. لقد انشغلنا طويلاً بسؤال: كيف نغير المجتمع؟ وربما حان الوقت لنسبقه بسؤال أكثر تواضعاً وأهمية: كيف كان هذا المجتمع يعمل أصلاً؟

Tags: النقشبندية الكرديةخالد النقشبنديكردستانكوباني




آخر المنشورات

كيف غيّر الاقتصاد المؤسسي نظرتي إلى زوايا كوباني الصوفية

كيف غيّر الاقتصاد المؤسسي نظرتي إلى زوايا كوباني الصوفية

27 يوليو 2026

مسلم عبد طالاس ذكريات طفولية كنت أعرف منذ طفولتي أن جدي كان شيخاً لإحدى الزوايا...

عصمت إينونو على طاولة معاهدة لوزان: أنا كردي من بدليس!

احتضار جمهورية معاهدة لوزان

27 يوليو 2026

محمد سيد رصاص في يوم 24 تموز/ يوليو 1923 تم التوقيع على معاهدة لوزان، التي...

لوزان التي لا تعرف الكُردية

لوزان التي لا تعرف الكُردية

25 يوليو 2026

إبراهيم محمود لوزان، المدينة السويسرية الجميلة، كمعظم المدن السوسرية، ومن جمالها يمكن تصور الجمال الروحي،...

بديع الزمان سعيد النورسي: أي كردي مختلف؟

بديع الزمان سعيد النورسي: أي كردي مختلف؟

23 يوليو 2026

إبراهيم محمود   كالكثير من القضايا الأخرى ذات العلاقة بالتاريخ، بشخصيات التاريخ السياسية والثقافية والفنية، بالمجتمع...

طبقات الخذلان: ماذا بعد الفشل السوري في السويداء؟

طبقات الخذلان: ماذا بعد الفشل السوري في السويداء؟

21 يوليو 2026

محمد سامي الكيال يصعب اعتبار مجازر السويداء، في شهر تموز/يوليو الماضي 2025، حدثاً عادياً في...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية