محمد سيد رصاص
في يوم 24 تموز/ يوليو 1923 تم التوقيع على معاهدة لوزان، التي كانت الرحم الذي ولدت منه الجمهورية التركية بعد ثلاثة أشهر بزعامة مصطفى كمال (أتاتورك لاحقاً)، وقد كانت القابلة القانونية، والأب والأم لذلك المولود، هي بريطانيا، التي أرادت استخدام الجمهورية التركية ضد البلاشفة الروس وضد الفرنسيين في سوريا.
ذلك المولود البريطاني كان أول تجربة قومية في منطقة الشرق الأوسط، وعلى غرارها وبتأثيرها بدأت التجربة القومية الفارسية مع رضا شاه بهلوي (1925-1941) وابنه محمد (أسقطته ثورة الخميني عام 1979). وقد تأثرت التجارب القومية العروبية بالأتاتوركية، خاصة على يد مفكرين مثل ساطع الحصري. وكانت لندن، منذ تصريح وزير الخارجية أنطوني إيدن عام 1941 عن “تأييد بريطانيا للوحدة العربية”، راعيةً لمشاريع عروبية مثل “مشروع الهلال الخصيب”، الذي بسببه قامت المنظمة الصهيونية “ليحي: عصابة شترن” باغتيال الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط اللورد موين عام 1944 بالقاهرة.
هنا، انبنت تجربة مصطفى كمال – أتاتورك على نزعة قومية تركية، كانت طبعتها الأولى مع “جماعة الاتحاد والترقي” التي انفردت بالسلطة في الدولة العثمانية عام 1913، وقامت بإبادات قومية للأرمن والسريان عام 1915، وهو في “حرب الاستقلال 1919-1922” قام بمذابح ممنهجة ضد اليونانيين وبطرد ما يفوق المليون يوناني من أماكن سكناهم التي كانت في الأراضي التي أقيمت عليها جمهورية 1923 التركية. وأتاتورك كان له سجل من المذابح ضد الكرد الذين قاموا بثورات 1925 و1930 و1937-1938، وقد كان شوفينياً في محاولات محو الهوية القومية للكرد ولباقي القوميات في الجمهورية التركية ومن ضمنهم العرب. والأتاتوركية ذات نزعة توسعية رأينا تجسداتها في مطالبتها بضم الموصل، وهو ما فشلت فيه أمام محاولات التصدي البريطانية، ثم في عملية سلخ لواء إسكندرون عن سوريا بفترة 1937-1939 بتواطؤ فرنسي.
تجربة مائة وثلاثة أعوام من عمر الجمهورية التركية، التي أعلنت ولادتها في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1923، تدل وتخبر عن بنية مليئة بالألغام، انفجرت بأعوام 1925 و1930 و1937-1938، ثم انفجرت مع انطلاقة 15 آب/ أغسطس 1984 التي أعلنها حزب العمال الكردستاني، والتي أوقفت أعمالَها العسكرية مبادرةُ 27 شباط/ فبراير 2025، التي أطلقها السيد عبدالله أوجلان. هذا غير ألغام انفجرت مع انقلاب 27 أيار/ مايو 1960، الذي نفذه عسكر أتاتوركيون ضد رئيس الوزراء الإسلامي الميول عدنان مندريس، ما دشنّ بداية حرب باردة، وأحياناً عنيفة، بين العلمانيين الأتاتوركيين وبين الإسلاميين في داخل المجتمع التركي وفي الحياة السياسية، وهي حرب داخلية تركية لم تنتهِ مع وصول إسلاميي حزب العدالة والتنمية للسلطة في انتخابات برلمان 2002.
ما كان يحمي تلك البنية التركية المليئة بالألغام هو الأوكسجين الخارجي، سواء كان حاجة لندن لأتاتورك ضد روسيا البلشفية أو ضد المنافسين الفرنسيين في سوريا، والذين ظل البريطانيون يرفعون ضدهم سيف عودة الهاشميين لدمشق عبر مشاريع مثل (الهلال الخصيب)، أو كان حاجة لندن وباريس، مع تجمع غيوم الحرب العالمية الثانية أواخر الثلاثينيات، لعدم تكرار تحالف الأتراك مع الألمان، الذي كان في الحرب العالمية الأولى، ثم أخيراً الدور الأساسي الذي لعبته تركيا في الحرب الباردة 1947-1989 ضد السوفيات. وقد رأينا كيف كان وجود أنقرة محورياً في مشاريع ربط منطقة الشرق الأوسط بحلف الأطلسي (الناتو)، سواء مشروع (قيادة الشرق الأوسط – 1951) أو (حلف بغداد – 1955). وفي عام 1962، أثناء أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا، قايض السوفيات سحبها بسحب الأميركان لقواعد التنصت ولصواريخهم من الحدود التركية – السوفياتية.
مع انتهاء الحرب الباردة، بانتصار البيت الأبيض على الكرملين، فقدت تركيا وظيفتها عند الولايات المتحدة. وهذه العطالة الوظيفية التركية هي التي قادت لطرح ثلاثة مشاريع في أنقرة، وخاصة مع إغلاق باب الاتحاد الأوروبي بوجه الأتراك: 1- وظيفة تقوم بها الدولة التركية لملء فراغ التفكك السوفياتي في آسيا الوسطى في “عالم تركي يمتدّ من تركستان الصينية لبحر إيجة” وذلك لصالح الولايات المتحدة ضد الصين وروسيا وإيران. 2- الاتجاه جنوباً نحو رباط اقتصادي – سياسي مع مثلث إيران – العراق – سوريا، وعلى الأرجح بسبب هذا الطرح أطاح العسكر الأتاتوركيون، وبدعم أميركي في يوم 28 شباط/ فبراير1997، برئيس الوزراء الإسلامي الميول نجم الدين أرباكان. 3- “إسلام أميركي” طرحه رئيس الوزراء التركي، منذ عام 2003، رجب طيب أردوغان “يُوضع فيه تلاميذ حسن البنا ضد أسامة بن لادن الذي كان وراء هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن”، وقد قبلت واشنطن هذه الوصفة الأردوغانية وطبقتها في تونس 2011 وفي مصر 2012، ثم تخلت عنها مع دعمها لانقلاب 3 يوليو 2013 في القاهرة ضد حكم الإسلاميين، اليوم الذي شكّل بداية الافتراق بين أردوغان والأميركان، ولم يعودا للتلاقي معاً إلا في دمشق 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بعد فترة فاصلة شهدت تلاقيات أردوغان – بوتين في سوريا 2016-2020، تلك التلاقيات، التي شكّلت طهران خامنئي ثالث مثلثها لاحقاً، والبادئة بينهما بعد أسابيع من محاولة انقلاب 15 تموز/ يوليو 2016 في تركيا، التي اتهمت أوساط قريبة من أردوغان الأميركان بالضلوع فيها.
ولكن، على ما يبدو، فإن الشرق الأوسط قد انتهى مشهده القديم في يوم 7 أكتوبر 2023، وهناك اتجاه أميركي جديد بعد ذلك اليوم نحو بناء “شرق أوسط جديد” كانت واشنطن قد طرحته مع غزو واحتلال العراق عام 2003، ثم تخلت عنه مع ميل توازنات القوى الإقليمية لصالح إيران في أعقاب حرب 2006. ومن الواضح أن واشنطن في حربي 2025 و2026، بعد ضرب أذرع طهران في غزة ولبنان بعامي 2023 و2024، وإسقاط الجسر السوري للمحور الإيراني الإقليمي الذي كان يمثله نظام بشار الأسد، تتجه نحو تليين الرأس الإيراني لتلك الأذرع المضروبة، من خلال احتواء ذلك الرأس الموجود بطهران، في هذا الشرق الأوسط الجديد.
من دون هذه السياسة الأميركية الجديدة في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، والتي فيها عودة أميركية لاستخدام الشرق الأوسط، عبر السيطرة على مصادر الطاقة فيه، ضد الصين وروسيا (والأرجح أميركياً ضد الاتحاد الأوروبي)، والتخلي عن سياسة باراك أوباما 2009-2017 الانسحابية من الشرق الأوسط، لا يمكن تفسير التقاربات الأميركية – التركية، خلال فترة 2024-2026، والتي من الواضح أن فيها قبولاً أميركياً بدور محوري لتركيا في منطقة الشرق الأوسط وفي منطقتي القفقاس وآسيا الوسطى.
هذا الدور التركي، المطلوب أميركياً، تدرك الدولة العميقة في أنقرة، ومعها القابلة القانونية الجديدة (واشنطن) للجمهورية التركية الثانية، أن جمهورية معاهدة لوزان ليست صالحة له، بل إنها معيقة له. وعلى الأرجح، تدرك أيضاً القابلةُ البريطانية لمولود 1923 أنه مولود يحتضر وموته قريب.
غروب الشمس الإيرانية في المنطقة، هو ما يفسّر مبادرة رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، التي حظيت بتأييد أردوغان، تجاه السيد أوجلان وحزب العمال الكردستاني. ويبدو أن مبادرة بهجلي، القومي التركي الطوراني الذي ينادي بعالم تركي يمتدّ من تركستان الصينية لبحر إيجة، والذي كان من أكثر المعادين للكرد، تتجه نحو تأسيس جمهورية تركية لا تقوم على رجليها وتؤدي أدوارها الإقليمية، المطلوبة دولياً، من دون حلّ جذري للقضية الكردية هناك. أي عملية سلام من المرجح أنها ستقود إلى دفن هذا الجسم المحتضر لجمهورية معاهدة لوزان، بعد موته المتوقع بأيدي هؤلاء الثلاثة الرافضين لإرث أتاتورك: رجب طيب أردوغان وبهجلي وعبد الله أوجلان.




