إبراهيم محمود
كالكثير من القضايا الأخرى ذات العلاقة بالتاريخ، بشخصيات التاريخ السياسية والثقافية والفنية، بالمجتمع نفسه.. إلخ، بتنا نشهد يقظة ما، من داخل التاريخ وفي التاريخ من قبل “أهل الحرْف” إن جاز التعبير، ساعين إلى تجاوز محظورات كثيرة في ضوء مستجدات الراهن المتاحة “الوسائط التقنية والشعور بالكونية ضمناً يقظة الكرد كردياً، ويقظة الكرد ضمن مجتمعات هم جزء منها وفيها، وخارج المجتمعات التي انتقلوا إليها واستقروا فيها، وتعلموا لغاتها، وتفاعلوا مع ثقافاتها، وباشروا البحث في الذي فاتهم كثيراً، وفي الذي آلمهم كثيراً، على وقع المحن التي عاشوها وإلى الآن، اعترافاً بأن للبحث في التاريخ خاصية نضالية لا تخفى.
وما كُتِب ويُكتَب عن “بديع الزمان سعيد النورسي” 1876-1960 “هذا الكائن المميَّز بقوامه ومقامه، بصوته وصدى صوته، بأكثر من لغة، ولغته الأم” الكردية” أقل حضوراً مقارنة بالدفق النهري اللافت من الدراسات ذات التوجهات المختلفة، وأهليته لكل هذا التنوع، كما هو الملموس في سيرة حياته طبعاً. ليضع قارئه الكردي في مواجهة سؤاله الكردي: أي كردي مختلف هو؟
بصيغة أخرى، وتنويراً للسؤال هذا: أين تبدأ كرديته، وأين تنتهي، لحظة ربطه بالبعد الإسلامي الحميم في شخصه؟
حول ذلك يكون لون مقالنا ونبض حركته بالمقابل!
ما جعل النورسي شاغل أذهانَ كردٍ له
نحن حصيلة ما قلناه وما لم نقله. وما قلناه ليس ما جرت الإشارة إليه هنا وهناك حصراً، وإنما ما لم يُنظَر فيه في ثنيات نصه. وما العودة إلى قراءة كاتب ما، في ضوء مستجد ما، إلا اتباع خطوط احتياطية، التأكيد على أن عملية القراءة محرّرة من الالتفات إلى الماضي، أو النظر إلى المستقبل، بالمفهوم الضيق. القراءة، ما أن تُسمّى لا يعود من زمان محدد. لهذا فإن النظر، قرائياً في شخصية النورسي، نظر في الهوية الكردية التي تسمّيه، الهوية التي نعيشها، ونتحسس فيها ما هو مختلف مع متغيرات اليوم. كما لو أن النورسي هو من يحفّزنا على قراءة غفل الاسم فيه وفي تاريخه.
ثمة إشارة لباحث عن شخصيات تاريخية ثلاث، وهي كردية لها شهرتها:
تبرز ثلاث شخصيات بارزة في مسيرة بناء الدولة هذه داخل المجتمع الكردي:
(في مجال التصوف؛ مولانا خالد البغدادي الشهرزوري الكردي، ورائد البنية الجديدة للطريقة النقشبندية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
بديع الزمان سعيد (الكردي) النورسي، رائد الفكر والفلسفة والتفسير الإسلامي المعاصر.
ضياء غوكالب، كردي من ديار بكر، يُعدّ من أبرز علماء الاجتماع في أواخر العصر العثماني، ومنظّراً لتركيا الحديثة. وبالنظر إلى وضع تركيا منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، فليس من المبالغة القول إنها حُكمت من قِبل أتباعٍ اجتماعيين تشكّلوا في إطار المنصة الفكرية التي أرساها هؤلاء الثلاثة.) “1”
لعله محقٌّ في ذلك، أو على الأقل، لعل في ذلك ما يجدر النظر فيه بحثياً.
لهذا، ومن باب معرفة الآخر وتسميته قدْراً ومكانة، أشير هنا إلى ما أفصح عنه روهات آلاكوم بهذا المعنى، وهو الذي يعيش وسط ثقافات مختلفة: كردية، تركية، سويدية وغيرها، ويقرأ ويكتب بلغاتها، لهذا، فإن عمق المسطور لديه يعايَن تناسباً مع هذا التنوع في العلاقات، ومتابعة ما هو ثقافي، وفي نطاق ما نبحث فيه بالمقابل.
هناك مقال طويل نسبياً لآلاكوم يتمحور حول النورسي. ماذا ورد فيه؟
“لن أستبدل رأس بصلة بألف تفاحة حمراء!” هذا هو عنوان المقال “2”
لا بد أن عنواناً كهذا، ولمن لم يُحَط به علماً، يثير سؤال نشأته.
لا بد من إضاءة أولية لسيرة حياة هذا الرجل العالِم الكردي:
(وُلد سعيد الكردي (1876-1960) في قرية نورس، بالقرب من مدينة هيزان في محافظة بدليس بشمال كردستان. ولهذا السبب، يُعرف أيضًا باسم سعيد النورسي. في البداية، كان يُطلق على نفسه اسم سعيد الكردي، لكنه لم يتمكن من استخدام هذا الاسم كثيراً بعد قيام الجمهورية بسبب صعوبات قانونية وأسباب أخرى. ومع ذلك، ظلّ معروفًا بهذا الاسم لدى عامة الناس الذين عرفوه. ما أراده سعيد الكردي من الكُرد هو التضامن الوطني والحب الوطني. ونظرًا للمعاناة الكبيرة التي تكبّدها المجتمع الكردي لقرون بسبب الانقسام والتشرذم، كانت دعوات سعيد الكردي للكُرد دائمًا في هذا الاتجاه، كما سنرى لاحقًا. من جهة أخرى، لجأ سعيد الكردي، الذي جادل بأن الكُرد كانوا دائمًا مخدوعين أمام هذا التشرذم، إلى هويته الكردية، وحوّل هذه الملاحظة إلى حكمة: “نحن كُرد، نحن مخدوعون، ولكن…” “لن نخدع”.).
لتكون هناك وقفة ومتابعة لهذه النقطة المركّزة على أعمال النورسي:
(عند دراسة أعمال سعيد الكردي، نلاحظ أنه اختار بعض المراجع الكردية. ويُعدّ تأثير هذه الشخصيات الكردية البارزة الأخرى على حياته بالغ الأهمية. فقد تأثر بشخصيات مثل صلاح الدين الأيوبي، وملا أحمد جزيري، وأحمد خاني، ومولانا خالد، وكان يكنّ لهم احترامًا كبيرًا. ومن جهة أخرى، نجد أن بعض القوميين الكُرد المعاصرين، مثل خليل حيالي، وحمزة موكسي Müküslü Hamza ، وأحمد رامز، كانوا من المقربين لسعيد الكردي في اسطنبول مطلع القرن العشرين.
عندما ندرس القومية الكردية الحديثة التي نشأت في بداية عصرنا، نرى أن سعيد الكردي كان أحد الشخصيات المهمة. تُذكر شخصيات بارزة واسمه كثيرًا. يسعى سعيد الكردي إلى توحيد الكُرد، ويُسدي لهم النصائح في هذا الشأن. ويطرح وجهة نظر مفادها أن إحدى أكبر مشاكل الكُرد هي الصراعات الداخلية. ويلفت الانتباه إلى المخاطر التالية باعتبارها الأعداء الرئيسين للكُرد: الفقر، والجهل، والصراع. ويرى سعيد الكردي أن السبيل الوحيد للتخلص من هذه المخاطر هو التوحد. ويؤكد أن سبيل الوصول إلى هذا المستوى الرفيع هو التعليم، ويُسدي نصيحة أخيرة للكُرد: “اقرأوا، اقرأوا، اقرأوا”.).
هناك لفت انتباه إلى سيرة حياة تتعدى ما هو فردي في الرجل، وتوسّع دائرة البحث، وما يمكن الكشف عنه في حياة صاخبة، وضاجة بالمعاني:
(مرّ أكثر من 25 عامًا على نشر مقالتي، *قصة النسيان: سعيد الكردي*، عام 1990 في مجلة بيرغهاد السويدية. وبعد عام، نُشرت نسخة موسعة من المقال في كتيب يحمل العنوان نفسه. وكما لاحظ أحد القراء، فإن عنوان المقال أو الكتاب يحمل دلالات عميقة: “…حتى عنوان الكتاب يعبّر عن خيانتنا القديمة وعودتنا إليها.” عند نشر هذا المقال، أثار نقاشًا واسعًا بين القراء. ولأول مرة، تمّت دراسة الهوية الكردية لهذه الشخصية الكردية بهذا الشمول. في تلك السنوات التي هيمنت عليها الأفكار الأتاتوركية واليسارية، لم يكن إدراج هذه الشخصية الدينية الكردية في التأريخ الكردي وتقييمها في هذا السياق موضوعًا مرغوبًا فيه. لأن الشخصيات الدينية خلال تلك الفترة كانت هدفًا للانتقاد والوصم بـ”ضيق الأفق” و”الرجعية”. لكن التاريخ أثبت خطأ هذه الادعاءات. فقد تبوأ سعيد الكردي مكانته المرموقة في التاريخ الكردي، وأصبح أحد أبرز الشخصيات الكردية في عصرنا. وفي العقود الثلاثة الماضية، ازداد عدد المصادر المكتوبة عنه بشكل كبير. ولا تزال هناك حاجة إلى إعداد قائمة شاملة بمؤلفات سعيد الكردي. وعندما يُكتب مثل هذا العمل في المستقبل، سأكون، كغيري الكثيرين، متشوقًا لمعرفة عدد المصادر المكتوبة بلغات مختلفة حول هذا الموضوع.).
لا يخفي آلاكوم تقديره لهذه الشخصية التي تحمل في وعيها تاريخاً كاملاً ليس لبني جلدته وحدهم، وإنما لهم ولمن يعيشون وإياهم في مجتمع واحد، وبدين واحد، وخطورة اسمه في التاريخ مع لقبه، وحبه لشاعر الكرد الأيقونة القومية خاني، وليس ما يجري ضبطه أو حصره في خانة تقويمات ارتجالية، كما هو موقفه من الثورات الكردية، أو من الدولة التركية وغيرها في زمانه، وقد نبّه إلى ذلك في حوار معه:
(من المعروف أن ضياء غوكالب كان يلتقي ويناقش باستمرار مثقفين كُرْداً في ذلك الوقت، مثل سعيد كردي، وملا أحمدي شاشي، وعبد الله جودت. وكان غوكالب وشاشي ونورسي يلفون ويدخنون التبغ أمام الجامع الكبير في ديار بكر. عندما كتب غوكالب قصيدته “التفاحة الحمراء”، غضب نورسي منه بشدة، بل وزارَه في اسطنبول. لم يُعِر غوكالب اهتمامًا كبيرًا له، فقال نورسي ساخرًا: “لن أستبدل رأس بصلة بألف تفاحة حمراء”. تمثل “التفاحة التركية” لغوكالب و”البصلة الكردية” لنورسي طرفين متناقضين، فتناولهما معًا يُسبب الإسهال. في ذلك الوقت، كانت الإمبراطورية، التي كانت حصنًا للجميع طوال الأربعمائة عام الماضية، تنهار. إن خلاف غوكالب مع إبراهيم باشا الملي في ديار بكر معروفٌ جيدًا. كانت هناك طبقة فكرية كردية نابضة بالحياة في اسطنبول وديار بكر، شهدت نقاشاتٍ ودراساتٍ وصراعاتٍ حادة. ما طبيعة علاقة غوكالب بالكُرْد خلال تلك الفترة؟ على سبيل المثال، هل كانت تربطه أي صلة بمواطنيه من ديار بكر، أو بعائلة جميل باشازاده، أو بعائلة بدرخان؟) “3”.
في كتابات آلاكوم، وبالنسبة لقارئ معني بعملية القراءة الفعلية، يُلاحَظ ذلك التركيز على ما هو إشكالي، على ما هو هامشي في التاريخ في كتبه المختلفة والتي تتقاسمها لغات ثلاث: الكردية، التركية والسويدية.
إنها معرفة تقوم على وعي الآخر وتقديره، وعلى كيفية الحوار معه كذلك.
إن تأجيل الحكم القطعي على الآخر، مهما كان نوعه أو جنسه، أي لغته، أو قوميته، سمة لافتة في الكتابات التي تقوم على تعددية أصواتها، وتحذّر من إطلاق أي حكم “مبْرم” على أي كان، أو أي شيء، لأن هناك دائماً ما يتجاوز المؤطَّر. وما يخص شخصية كهذه، يعزز هذا الموقف.
وأن يكون محور ملف كردي
لعل الملف الذي خصّص للنورسي، وفي مجلة لها أهمية ثقافية فعلية، تصدر عن المعهد الكردي في باريس، اعتراف بمثل هذا القصور، من جهة، ومحاولة تدارك النقص الموجود في التاريخ الثقافي الكردي من جهة أخرى، وإبقاء الطريق مفتوحاً، كما هو مفهوم الاسم، من جهة ثالثة.
ما الذي أثيرَ في الملف حول النورسي، وبالكردية طبعاً؟ “4”
من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً إيراد كامل النقاط ذات التنوع التي تدور حول النورسي: سيرة حياة، علاقات اجتماعية وسياسية، معايشة دينية وتبعاتها، فعاليات ثقافية، مواقف واجتهادات… إلخ.
ما يهم، هو إيراد جوانب ” لقطات/ مشاهد” تظهِر تنوع الاهتمام به فكراً ونقداً ، قولاً وعملاً في سلوكه اليومي وتنوع محطاته حتى مماته:
ربما كان الدافع وراء هذا الملف يخص كاريزميته ومحاولات تشويهها.
في التقديم نقرأ:
(بناءً على ذلك، يبدو أن بعض من يُعرفون بأتباعه قد ارتكبوا هذا الظلم الفادح بحق هذا العالم الكردي. ويتحمل أتباع فتح الله غولن وطأة هذا الفعل الشنيع. إن أعظم المصائب والأذى هو التلاعب بمضمون عمل هذا العالم وأصالته؛ حيث تُحذف بعض الكلمات والمفاهيم منه وتُضاف إليه أخرى.
وعند مقارنة الأعمال الأصلية بتلك التي تم التلاعب بها، يتضح جليًا حجم التشويه والتحريف. والأهم من ذلك، أنه في مؤلفات سعيد كردي، حُذفت تقريبًا جميع الكلمات المتعلقة بالكُرْد وكردستان. وبدلاً من هذه الكلمات، تم ملء الفراغ بكلمات دينية أو تركية. ص 5).
ولهذا كانت أصوات الذين تناولوا شخصه سعياً إلى إضاءته داخلاً. مثلاً:
ميرهم عكَيد: المعرفة الذاتية أساس كل شيء
حين يشير إلى اقتباس للفنان جون هيل، الذي أُعدم في أمريكا منذ سنوات عديدة، والذي كان يردده رئيس الوزراء السويدي أولوف بالمي كثيراً، والذي رُسم ذات مرة على جدران مترو أنفاق ستوكهولم: توقفوا عن الشكوى من العتمة، أشعلوا شمعة بدلاً من ذلك! ص9.
ومنه تكون انطلاقته:
منذ أوائل التسعينيات، ازداد البحث حول بديع الزمان سعيد، وتم تنظيم الندوات، وعقد المؤتمرات، وبث البرامج على التلفزيون والإذاعة. ص8
كما هو معلوم، فإن اسم بديع الزمان يختلف عن اختياره لهذا الاسم من بين الأسماء التي استخدمها في حياته. ففي عهد بديع الزمان، كان الكردي سعيد على قيد الحياة، وقبله بزمن طويل، كان المثقفون الكُرْد يستخدمون ألقابهم وأسماء قراهم ومدنهم الأصلية، وأسماء عائلاتهم، مثل ملا جزيري، وأحمد خاني، وملا محمود بايزيدي، وبرتو بك هكاري، وكمال فوزي بدليس، وعبد الرحيم هكاري، وموسى عنتر، وغيرهم. وتُعدّ مسألة الأسماء هذه مسألة شائكة: أي اسم يُنادى به؟ فقد اضطر بديع الزمان، الشخصية التي لا تستطيع استخدام اسمها بحرية دون التعرض لمشاكل خطيرة، كالسجن والقتل والنفي، إلى استخدام أسماء وألقاب مختلفة. ص9
وما يمكن تبيّنه في مقابلة مع مدني فرحو
جهة استفسار منه حول التالي: يقول الكاتب جمال الدين جانلي: “لفهم سعيد النورسي، لا بد من فهم كردستان القرن التاسع عشر، وفهم جهود قادة تلك الحقبة”. (شبكة كردستان، 25 أيلول 2010). هل هذا شرط أساسي؟ إلى أي مدى تتفق مع هذا الرأي؟
والرد:
لا يمكن للجمهورية الغاشمة Hovanger إلا أن تكون مصدرًا للفظائع. لذا، فإن الإجابة على هذا السؤال بالغة الصعوبة. ففي تاريخ الجمهورية التركية، سُجن أشخاصٌ مثل بديع الزمان أو سعيد الكردي في “الجنة الملعونة”. هذه هي السياسة الخاصة لحزب الاتحاد والترقي، والتي لا تزال تُطبَّق اليوم بطريقةٍ أكثر صرامةً وقسوة. وكشبكةٍ، تُخفي هذه العقلية الوثائق وتُخفيها، وتُطلق أحدث التصريحات، أي الأكاذيب. فهم لا يُدلون بشهاداتٍ موثقة، بل يبحثون عن الكلمات، ويُلقّنونها لمن يستهدفونهم، ثم يُبقونهم أسرى في “الجنة الملعونة”.
وتأكيد كرديته عند يوسف سرحد فايق: بديع الزمان سعيد كردي
تلقى العديد من العلماء والشعراء والكتاب والوطنيين تعليمهم في المدارس الكردية. ومن أبرزهم الملا سعيد كردي، الذي حظي بمكانة مرموقة في جميع أنحاء العالم. فعلى سبيل المثال، يقول الأستاذ اليهودي يحزقيل لاندو عن الملا سعيد كردي: “سعيد نورسي (الكردي) كاتبٌ بارع، يرسم بكلماته صورًا بديعة، يوقظ العقول من سباتها، ويحفزها على العمل”. ص62
كان للشيخ سعيد الكردي أربعة مبادئ في حياته: لم يقبل الزكاة أو الهدايا من أحد قط، ولم يسأل العلماء، وكان يقول: “لا أشك في علمهم، فإن كان لديهم شك فليسألوني”. ولم يدفع طلابه الصدقات أو الزكاة، وكان يُلبي جميع احتياجاتهم. كانت حياته بسيطة، ولم يكن يكترث لأمور الدنيا. أينما حلّ، كان يحمل في يده شيئًا يسيرًا. فعلى سبيل المثال، عندما توفي في أورفة في 23 مارس 1960، كانت وصيته سلة من القصب تحتوي على وشاح (سجادة)، وإبريق، ومنديلين، وجوربين، وشورتين، وفانيلتين، وفي جيب قميصه وُجد 7.5 ليرة تركية في قطعة قماش. (موسى عنتر: مذكراتي، اسطنبول، صفحة 79) ص65
وما يمكن نقله في مقابلة مع ملا شافلي
جهة الفرق بينه وبين غيره من علماء الدين:
ثمة فرق شاسع بين السيد الملا سعيد الكردي وعلماء الشرق الأوسط، فالسيد الملا سعيد الكردي لم يكتفِ بقراءة الكتب الدينية، بل درس وحفظ مختلف العلوم، وكان دائم النقاش والحوار مع أعلامها. سافر السيد إلى ماردين عام ١٨٩٢، وأقام في مسجدها فترةً من الزمن. سمع والي ماردين بقدوم السيد الملا سعيد، فخاف منه، وقال إنه سيُلحق الضرر، وأنه لا بد من إخراجه من ماردين. فاستدعاه وأرسله قسرًا إلى بتليس. وصل نبأ قدوم السيد إلى والي بتليس، عمر باشا، فاستدعاه وقال له: “سأُهيئ لك مكانًا”. رفض السيد في البداية، لكنه وافق بعد إلحاحٍ وترجٍّ. هناك، قرأ السيد وحفظ نحو ثمانين كتابًا في الأصول والمبادئ الدينية. وهناك، كان دائمًا ما يجري مناقشات مع الحاكم حول مواضيع علمية مثل الفيزياء والرياضيات والجغرافيا. ص102
وفي مقابلة مع روني آلاسور
وذلك بخصوص الجهل والجامعات:
عمل سعيد الكردي من أجل تعليم الشعب الكردي ومعرفته وتوعيته. قال: عدو الكُرْد هو الجاهل. كان هذا اعتقاده. قال: يجب استئصال الجهل من أجل الهوية الكردية، ومن أجل وحدة الكُرْد وحريتهم. كما اعتبر التعليم ضروريًا جدًا لمواجهة الجهل. حتى أنه قال في مناظراته إن الجهل قتل كردستان. لهذا السبب، طالب بفتح جامعات كردية. كان ضد الخرافات والبدع. تحدث عن الجامعات العلمية والدينية، وعبر عن ذلك بقوله: “نور العقل هو المعرفة العلمية، ونور الضمير هو المعرفة الدينية. وحدتهما تكشف الحقيقة. إذا انفصلا، فإن العلم والفلسفة سيكشفان الخداع والإنكار والشك. من ناحية أخرى، سيكون هناك رجعية وخرافات وتعصب.” ص168
ومع كَرناس كوجر، في مقاله: بديع الزمان والملا عبد المطلب من كُوراندشتي
هناك واقعة لافتة: يقول الملا عبد المطلب: “سألتُ ذات مرة السيدة بديع الزمان، فقلتُ: يا سيدي، يُقال في الدنيا إن النبي خضر بصق على لسان بديع الزمان، وبسبب ذلك فُتح له باب كنز العلم، وأصبح مالكًا لهذه الثقافة والمعرفة. فقلتُ: يا سيدي، هل هذا صحيح؟” نظر إليّ السيد بديع الزمان وابتسم وقال: “الله شاهد على ذلك، لم يحدث شيء من هذا القبيل. إن كان هناك فضل من الله فتح لي أبواب العلم، فهو بفضل الشيخ أحمد خاني. فخلال دراستي في بازيد، كنت أتردد على قبره وأستند بظهري إلى كتفه وأتلو دروسي. طوال فترة دراستي في بازيد، كان هذا دأبي، وقرأت كتبًا كثيرة. درست وأتممت دراستي عند قبر الشيخ أحمد خاني، وواصلت دراستي هناك على هذا النحو. أعتبر نفسي دائمًا مدينةً للشيخ أحمد خاني، وأقول إن كل ما لدي من علم هو من فضله”. ص174
وما هو ساخن وحيوي وحتى استفزازي في مقابلة مع مالميسانج، ومالميسانج باحث مقتدر، وما يسمّيه، تحفيز لدافع معرفي ومعرفة الخطأ والاعتراف به في تاريخنا الكردي، كما في التالي:
– سيدي، هل أقول إن مدحه للاتحاد والترقي جاء قبل عمله أم بعده؟ إذا قلت بعده، فهل يعني ذلك أن سعيد النورسي أصبح مؤيدًا لقمع الاتحاديين؟
م. مالميسانيج: لا أقول إن سعيد النورسي أيد قمعهم عن علم، ولكن مهما كانت النية، كان دعمه خاطئًا. كما قلت، لقد دعمهم خلال الحرب. ماذا حدث في النهاية؟ وضع الكُرْد في الميدان. قُمعت لغتهم، ونُكر وجودهم. إذا لم يخطئ علماء الكُرْد وقادتهم آنذاك، فكيف خدع المسؤولون الأتراك الكُرْد؟ الحكيم من ينظر إلى المستقبل. إذا كنتُ أدعم غيري فيُحيون دولتهم، ثم يقمعون لغتي الأم، وينكرون وجود الكُرْد، ويستعبدون أمتي، ويجبرون أبناء هذه الأمة كل صباح على ترديد “أنا تركي، أنا أؤمن بالعلم”، فأين علمي وقيادتي الآن؟ ص186
– هناك قسم في كتابك بعنوان “سعيد النورسي: استقلال الكرد” يذكر أن جميع الكُرْد أرادوا الاستقلال، بينما لم يكن سعيد النورسي من بينهم. هل هذا صحيح؟
م. مالميسانيج: هناك قسم في كتابي بعنوان: غير مؤيد للاستقلال ” Bağimsizliktan Yana Olmayişi “. لم يدافع عن استقلال الكُرْد، وقد كتبتُ هذا أيضًا. لم أقل “كل الكُرْد دافعوا عن استقلالهم إلا سعيد نورسي”. هناك أمر آخر: سعيد نورسي ليس كل الكُرْد. لم يكن كل الكُرْد، بل شعوب أخرى أرادت استقلالها، وقد أثرت عليها ظروف ذلك الوقت، فأصبحت دولًا. اليوم، لا يردد أطفالهم كل صباح: أتمنى أن يكون وجودي هبَة للأمة التركية ” . varliğim Türk varliğina armağan olsun
أراد اليونانيون الاستقلال، وأراده الألبان، والبلغار، والصرب، والعرب، والأرمن، فأصبحوا دولًا. هناك دولة للأتراك وأخرى للفرس. من بقي بلا دولة؟ الكُرْد بقوا. ربما لم يكن الكُرْد الجاهلون وغير المتعلمين على دراية بتلك الشعوب، لكن لا بد أن الكُرْد المتعلمين كانوا على دراية بها. يبدو أن بعض الكُرْد، مثل جماعة المنظمة الاجتماعية الكردية، فكروا بنفس طريقة علماء وقادة الأمم الأخرى: فرغم أن الاستقلال حقٌ لنا كباقي الأمم، إلا أننا لسنا ملزمين بخدمة الأتراك. لكن في أغلب الأحيان، لم يكترث “علماؤنا” وشخصياتنا البارزة لأمرهم، أو تجاهلوه، أو أداروا ظهورهم لهم. ص 188)
ما لا يمكن تجاهله، هو في تسمية ما تم ويتم تجاهله تجاه التهرب من مسؤولية التاريخ، الوعي بالتاريخ، وشجاعة الاعتراف بالخطأ التاريخي الذي قد يكون أحياناً عنصراً مؤثراً في بروز انعطافة تاريخ سلباً أو إيجاباً. والنورسي المركّب بثقافته، ودينه ودنياه، كما قيل فيه، لحظة تناوله في مركّبه الحياتي، يمكن رؤية كم وافر من الذين كانوا رموز حركة كردية، وأنشطة ثقافية وسياسية كردية، وأن وراء سلسلة الانهيارات أو النكبات، أو الهزائم الكردية، ليس وجود عدو قوي أو أعداء أقوياء، وإنما وجود حالة الاستهواء بما هو عاطفي، تهرباً من استحقاقات التاريخ، ولوثة أي خطأ يُظَن أنه “إهانة ” رحالة في تاريخ هذا أو ذاك، بينما الذي نتحراه في المجتمعات التي تشهد تقدماً في الثقافة، هو منحها للخطأ قيمة درسية مثلى.
وأن نعاين النورسي كإنسان، واعتبارنا من نوعه، نكون بذلك قد أدركنا أي صواب كان في انتظارنا، وأي حياة نتوسلها تصبح في متناولنا قومياً “5”.
مصادر وإشارات
-1 yahya-munis/turk-milliyetciligi-turke-kurulmus-birtuzak-mi-2
هل القومية التركية فخٌّ منصوب للأتراك؟ -1
-2 Rohat Alakom: Bir kelle soğanı bin kızıl elmaya değişmem!”
روهات آلاكوم: “لن أستبدل رأس بصلة بألف تفاحة حمراء!”
-3 Rohat Alakom: Türkçülüğün Esasları’na karşılık Kürtçülüğün esasları yazılmalıydı
روهات آلاكوم: على النقيض من كتاب “أساسيات القومية التركية”، كان ينبغي كتابة كتاب “أساسيات القومية الكردية”.
-4 LÊKOLÎN Li ser Bedîûzeman Seîdê Kurdî- Kovara Înstîtûta Kurdî ji bo lêkolîn û zanist-Hejmar 17-payîz 2021
5- أنوّه إلى أنني تناولته في كتابي: معذّبو النور “في التصوف الكُردي”، دار تموز، دمشق، ط1، 2015، تحت عنوان: بديع الزمان النورسي وفق أي تصوف كردي يكون؟ ص378-413.





