د. عقيل سعيد محفوض
حين نستدعي الجدلية الهيغلية لفهم الطائفية المشرقية، فإننا لا نستعير أداة تفسيرية عابرة، بل نراهن على افتراض جوهري: أن التاريخ لا يتحرك عبثاً، بل عبر تناقضات تحمل في داخلها بذرة تجاوزها. غير أن هيغل نفسه، في “ظاهريات الروح”، لم يَعِد بأن كل تناقض يفضي بالضرورة إلى تركيب متجاوز؛ فالسيرورة الجدلية قابلة للاعتقال، للتجميد، وأحياناً للانحراف نحو أشكال زائفة من “التركيب” تُعيد إنتاج الاستلاب بدل حله.
هذا هو الحال في المشرق المعاصر: تناقضات طبقية وهووية حقيقية، أُجهض تركيبها، وأُعيد توجيهها نحو مسار جانبي يخدم ديمومة السلطة القائمة ذاتها. ما يحاوله أو يقترحه هذا النص ليس تطبيقاً حرفياً لمخطط هيغلي مستورد، بل توظيفاً نقدياً لـ “عدسته”، مُطعَّماً بابن خلدون في فهم العصبية، وبغرامشي في فهم آليات الرضا، وبالأدبيات النقدية المعاصرة حول “الطائفية” كصناعة سياسية لا كقدر وجودي/أنطولوجي.
أولاً: الأطروحة الأولى وسراب “كمال المعقولية“
ينكشف السر الهيغلي في أقصى درجات كبحه المعرفي حين ندرك أن “الدولة الوطنية” في الفضاء المشرقي لم تكن يوماً منتجاً عضوياً نابعاً من سيرورة التاريخ المحلي، ولا تجسيداً لـ “كمال المعقولية” – تلك الدولة التي رآها هيغل ذروة تحقق الحرية الموضوعية، حيث يتصالح الفرد مع الكلي عبر مؤسسات القانون والحق. لقد وفدت الدولة إلى المشرق كـ “جهاز سلطاني” قسري ومستورد، رسمته الخرائط الاستعمارية أكثر مما أنتجته سيرورة تاريخية داخلية، فجاءت قشرة حداثية وبيروقراطية هشة، مثبَّتة فوق بنية تحتية صلبة ومستدامة من القبائل والمِلَل والعصبيات الأهلية.
وهنا يصبح ابن خلدون أكثر دقة تفسيرية من أي مفهوم أوروبي مستعار: فما تصفه “العصبية” الخلدونية ليس تخلفاً ما قبل سياسي ينتظر التحديث ليمحوه، بل بنية اجتماعية ذات منطق داخلي متماسك، تعيد إنتاج نفسها كلما تصدّعت شرعية السلطة المركزية. الدولة الحديثة في المشرق لم تُذوّب هذه العصبيات في مواطنة جامعة كما وعدت الحداثة الأوروبية بنفسها؛ بل أعادت توظيفها، فتزاوجت أدوات العنف البيروقراطي الحديث مع منطق الولاء الأهلي التقليدي في مسخٍ لا هو دولة حق بالمعنى الهيغلي، ولا هو نظام عصبية بالمعنى الخلدوني الصرف، بل “سلطنة مموهة” بشعارات وطنية وقومية مفرغة من مضمونها.
هذا التوليف بين النسقين المتباعدين (هيغل – ابن خلدون) ليس تلفيقاً مفاهيمياً؛ بل هو رصد دقيق للحظة تاريخية هجينة، تخلت فيها العصبية الخلدونية عن بداوتها الرعوية لتسكن أحشاء البيروقراطية الحديثة. وقد أعادت السلطات المشرقية – خلال قرن أو أكثر- إنتاج العصبية عبر تحويل أجهزة الدولة السيادية – من جيش وأمن ومؤسسات ريعية – إلى “عصبية مؤسسية” مغلقة، تقنن الإقصاء وتوزع الامتيازات بأدوات الحداثة الصلبة، مما أجهض إمكانية ولادة “كمال المعقولية” الهيغلي قبل أن تبدأ سيرورته.
ومارست هذه السلطات كبتاً إكراهياً للتناقضات الأهلية والطبقية تحت سطح أمني صلب، واهبةً “المجتمعات” استقراراً مغشوشاً يقتات على سلب السياسة وتأجيل استحقاقات المواطنة إلى أجل غير مسمى.
ثانياً: تزييف الأطروحة المضادة واستدعاء “الثابت الأنطولوجي“
مع الانهيارات البنيوية الكبرى التي زلزلت المنطقة، كان من الطبيعي أن تندفع “الأطروحة المضادة” الحقيقية؛ منزع انعتاقي تاق فيه المجتمع إلى الخروج من شرنقة الرعية واستعادة المجال العام المنهوب، والمطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية. لم يكن هذا المنزع طارئاً؛ كان النقيض المنطقي لعقود من القمع المُقنَّع بالاستقرار.
لكن أمام هذا التهديد الوجودي لمصالح كارتيلات السلطة والمال، جرى تشغيل آلية “تملص إستراتيجي” فائقة الخبث: بدلاً من صهر العصبيات في هوية مواطنية جامعة، جرى كشط القشرة الحداثية الوافدة للدولة، واستدعاء وتعميق ما يبدو “ثابتاً أنطولوجياً” للمنطقة، والمتمثل في منطق المِلَل والنِّحَل. غير أن الدقة المنهجية تقتضي هنا تصحيحاً جوهرياً: هذا “الثابت” ليس ثابتاً البتة، بل هو، كما تُبيّن الأدبيات النقدية المعاصرة حول تاريخ الطائفية في المشرق، بناء سياسي حديث نسبياً، تشكّل عبر تفاعل معقد بين الإصلاحات العثمانية المتأخرة، والتدخل الاستعماري، ونظم الحكم القائمة على المحاصصة. الطائفية إذن ليست عودة إلى جوهر قديم، بل إنتاج سياسي متجدد – ما يمكن تسميته بـ “الطائفية” أو ”التطييف” كفعل وممارسة، لا كحالة سكونية موروثة.
وبالطبع، لا ينبغي قراءة هذا “التملص” بوصفه “مؤامرة غرف مظلمة” حُبكت بوعي كلي مسبق، بل كاستجابة غريزية وآلية دفاع بنيوية أطلقتها فواعل السلطة لحماية شروط بقائها. فعندما اهتزت الأرض تحت أقدامها، لم يكن أمامها من خيار حيوي إلا تفعيل خطوط الانكسار الزلزالية الكامنة تاريخياً في وجدان المجتمع، مستغلة خزان الخوف الأهلي المكبوت لـ “إعادة هندسة” الصراع، فتحول التطييف من خطة طارئة إلى “عطالة ذاتية” تقود المجتمع نحو الانتحار.
هنا وُلدت “الأطروحة المضادة الزائفة”: جرى حقن (بالأحرى: إعادة حقن) الفضاء المشترك بالسموم المذهبية، وتحويل الصراع من مواجهة بنيوية وطبقية بين مجتمع مفقر وفواعل مهيمنة، إلى اقتتال أفقي ومدمر بين تكوينات هووية مذهبية. الطائفية هنا لم تكن نكوصاً طارئاً أو رِدة جينية لـ “المجتمعات”، بل كانت “الأداة العبقرية” (!) التي نفى بها التحالف التسلطي – الرأسمالي نقيضه الحقيقي، مستغلاً حقيقة أن الدولة الوافدة لم تقدم تاريخياً للإنسان المشرقي الأمان الوجودي والبديل العقلاني الذي يدفعه للتخلي عن حمايته الأهلية الفرعية. وحين تفشل الدولة في أن تكون ضامناً وجودياً، يعود الفرد بالضرورة إلى الجماعة الفرعية التي توفر له، ولو وهماً، هذا الضمان.
ثالثاً: التركيب المجهض وسخرية “السيد والعبد“
تفترض الحركية الطبيعية للتاريخ أن يُفضي الصِّدَام أو التناقض إلى “تركيب جدلي” متجاوز – نفي النفي – أي ولادة عقد اجتماعي جديد يتخطى قمع الدولة الوافدة وبدائية الطائفية معاً. غير أن المفارقة المشرقية تجلت في تجميد النفي الثاني وتقنينه؛ حيث تزاوجت أدوات العنف الحديثة مع العصبيات البدائية لينتجا مسخاً سياسياً أصبحت فيه الطائفية هي نفسها “نظام التشغيل” والإطار البنيوي الجديد لـ ”إعادة إنتاج” شروط الاستغلال والتبعية ذاتها.
وجرى نفي وتزييف التناقضات الاجتماعية الحقيقية، بآلية شديدة الإحكام. وإذ نستعير هنا مجاز “السيد والعبد” من هيغل، يجدر التذكير بأن جدليته الأصلية تقوم على لحظة اعتراف متبادل مؤجل: العبد، عبر عمله وكفاحه، يكتسب وعياً بذاته يتجاوز به وضعه، بينما يظل السيد أسير اعترافه بمن لا يعترف به كنِدّ. لكن ما يحدث في المشرق هو انحراف أخطر عن هذا المسار: فالعبيد، بدل أن يراكموا هذا الوعي التحرري عبر مواجهة السيد، يستدير كل منهم ليقاتل شريكه في البؤس من الجماعة الأخرى، محبوساً في بنيته الأهلية القديمة، فيما يبقى السيد الفعلي – البنية الاحتكارية – غائباً عن ساحة المواجهة تماماً.
وهنا يصبح غرامشي أكثر دقة من هيغل نفسه في تفسير آلية الرضا: فما يجري ليس مجرد قمع مباشر، بل هيمنة (hegemony) تُنتج قناعة “طوعية” و”امتثالية” لدى المقموعين بأن عدوهم هو الجار المختلف مذهبياً وعرقياً وثقافياً … لا الفواعل والشبكات الناهبة. وتتحول الطائفية (بمعية فواعل وأدوات أخرى) إلى أداة كفيلة بصيانة البنية السلطانية وتأبيدها؛ فالنخب تواصل نهب الموارد، والفقراء غارقون في كراهية بينية مستعرة، ينفذون بالوكالة معارك جلاديهم باسم دعوات ونزعات وادعاءات هووية مذهبية. إنها اللحظة الفلسفية التي تدفع “سيد العبيد” للقهقهة في موقعه؛ فالعبيد لم يثوروا على السيد التاريخي المُحدَث لينتزعوا حريتهم، بل صاروا يكرهون ويقتلون بعضهم بعضاً بهمة واندفاع باسم حرية متوهمة، في حين تبقى فواعل وشبكات الهيمنة، ثابتةً في امتيازاتها، محولة أفكار وفواعل التغيير إلى أدوات انتحار ذاتي.
إن انخراط الجماعات المقهورة والمهدورة في هذا الاقتتال البيني ليس نكوصاً جينياً طوعياً نحو البدائية، بل هو “شَرك بنيوي” محكم؛ فحين تتملص الدولة التسلطية من مسؤوليتها الحمائية والخدمية وتترك الفرد عارياً أمام الموت أو المسغبة، تصبح العودة إلى الطائفة “عقلانية أداتية” اضطرارية للبقاء. وتصبح الجماعة الفرعية هي الملاذ الوجودي الأخير الذي يمنح الخبز والأمان (وقد لا يمنحهما)، ولو كان الثمن هو توقيع العبد على صك استعباده الأبدي وتأمين ريع التسلط والاستبداد.
رابعاً: الاقتصاد السياسي للاستلاب الهووي
وهنا تحديداً، يرتطم الديالكتيك الهيغلي المثالي بحدوده القصوى في الفضاء المشرقي، لينقلب إلى ما يسميه أدورنو بـ “الديالكتيك السالب“؛ حيث لا يفضي النفي إلى تركيب تصالحي أعلى، بل إلى احتجاز مادي صلب للتناقضات. فالاستلاب الأيديولوجي ليس غيمة تحلق فوق الرؤوس، بل هو إفراز مباشر وشريان حياة لبنية مادية صلبة؛ إذ لم يقف هذا الاحتجاز الجدلي عند حدود الاستلاب الأيديولوجي (وعياً زائفاً يُفرض من فوق)، بل تجذر في البنية المادية والاقتصادية لحقبة الصراع.
تحولت الطائفية إلى “آلية محاصصة واحتكار واعتراف متبادل” بين أمراء الحرب، تضمن لنخب الحرب السيطرة المطلقة على الموارد المنهوبة، والاستئثار الحصري بعقود “إعادة الإعمار الوهمية”، وتحويل الفتات الإغاثي إلى أدوات زبائنية لـ “إعادة إنتاج” الولاء والتبعية.
بهذا المعنى، لم تعد الطائفية أيديولوجيا بالمعنى الكلاسيكي (وعياً زائفاً يُفرض من فوق)، بل صارت – كما تُظهر اقتصادات الحروب الأهلية المشرقية المعاصرة – بنية تحتية مادية قائمة بذاتها: شبكات تهريب، وريوع نفطية أو عقارية موزعة طائفياً، ونظم توظيف مبنية على المحاصصة، تجعل من استمرار الانقسام مصلحة اقتصادية مباشرة لطبقة أو شريحة أو شبكة من المستفيدين، لا مجرد وهم يمكن تبديده بالتوعية وحدها.
وتبدو الطائفية في المشرق أقرب لـ “نظام تشغيل” إقليمي ودولي عابر للحدود يضمن بقاء وديمومة “السيّد الأكبر” – الرأسمال العولمي والقوى الإقليمية المهيمنة – الذي يجلس مطمئناً خلف ستارة التصدع الاجتماعي الهووي، يصفق لرقصة العبيد الانتحارية، ويحصي أرباحه الاستراتيجية والمالية المتدفقة من شريان الدم المشرقي المهدور. الطائفية هنا ليست مجرد جهل أو غياب وعي، بل استثمار رأسمالي وإستراتيجي فائق العقلانية من منظور النخب المهيمنة والمتسلطة.
خامساً: انتصار اللاعقل وأفق الانعتاق المرتجى
السر الأعظم إذن بجملة واحدة: أن الطائفية في المشرق ليست قناعاً طارئاً للتناقضات الاجتماعية الطبقية والعرقية والثقافية … بل هي الآلية البنيوية بالغة الدهاء لتحديث وتأبيد البربرية الأهلية وتخليد الاستغلال إلى ما لا نهاية. إنها اللحظة الكارثية التي استحالت فيها “المجتمعات” المشرقية إلى جلادٍ ذاتي، ينفذ حكم الإعدام التاريخي على نفسه بيديه، مسمّياً انتحاره “انتصاراً”، ومصنّفاً شريكه في المعاناة في خانة “العدو”، ومهرقاً دمه في سبيل وعي زائف بالهوية؛ بينما شبكات الاستغلال الحقيقية تعمل في مأمن، تراقب تفتت البنى المجتمعية بهمة وإقدام كارثيَّين!
هذا المأزق الوجودي لا يعكس فشل الديالكتيك، بل انتصاره الأكثر وحشية وقرفاً في التاريخ الحديث: انتصار اللاعقل على العقل، والموت المجاني على الحياة، والغريزة البدائية على الوعي الإنساني المتجاوز.
والآن، أين يكمن “نفي النفي” الملغى؟ ليس في انتظار حتمية تاريخية تُفضي بذاتها إلى التجاوز – فقد أثبت الزمن المشرقي أن التاريخ لا يتحرك بمعزل عن إرادةٍ فاعلة. والمخرج، إن وُجد، وهذا من باب الأمل وربما اليوتوبيا، يبدأ من لحظة وعي نقدي ذاتي تُدرك فيها هذه “المجتمعات” أو “الجماعات الهووية” أن عدوها الوجودي ليس الأخ في القيد والمسغبة، بل فواعل وشبكات الاستبداد والهيمنة. هذا الوعي لن يُصنع بمعجزة فلسفية، بل بتفكيك تدريجي وصبور للبنية المادية التي تجعل الانقسام مربحاً – أي بمواجهة الاقتصاد السياسي للاستبداد قبل مواجهة خطابه الأيديولوجي. حينها فقط يمكن الخروج من سجن الهويات القاتلة، وتفكيك بنية المِلَل والنِّحَل لصالح بناء عقد اجتماعي عضوي يفرز دولة حقيقية تجسد العقل والحرية والكرامة، لا دولة تسلطية مستبدة تحرس الموت.
وبدون هذا الوعي المتجاوز، سيظل هذا المشرق، وبكل أسف، يصفق لرقصة العنف والموت المستدام.





