شورش درويش
لا يُقرأ التاريخ الكردي بأنه محض تاريخ ثورات وحركات تمرّد ضد الحكومات المركزيّة، ففي ثنايا التاريخ برزت أصوات إصلاحية دعت إلى الاتحاد والمساواة والاعتراف بالوجود، إلّا أنها أخفقت جميعها، أو بقيت محاولاتها في الإطار النظري الذي لم يترجم ويجسّد في سياسات دولتيّة. ترصد هذه المادّة العديد من المحاولات الكردية الرامية إلى الاتحاد مع القوميات الأخرى في إطار الدولة الحديثة عبر رصد وقائع تاريخية والتحقيب لمراحل متناثرة ومتقطّعة لمحاولات نخب سياسية سعت للاندماج والاعتراف والمساواة، مع إشارة مقتضبة إلى آخر تلك المحاولات المتمثّلة بعملية السلام الكردية التركية الراهنة.
بين ثنائية القمع والثورة، حاول الكرد باكراً إيجاد منطقة ثالثة تليق بمكانتهم التاريخية ضمن السلطنة العثمانية مع بدء تباشير انتهاء حقبة الاستبداد الحميدي، إذ كان ثمة نشاط كرديّ/عثمانيّ يرافقه جهد للعناصر العثمانية التركية والعربية والألبانية والشركسية والأرمنية لإعادة تعريف الرابطة القانونية والدستورية لمكوّنات الإمبراطورية التي كانت في هزيعها الأخير، لتبدأ القصّة مع روّاد كرد ساهموا في تأسيس جمعية الاتحاد والترقي؛ فمن بين أربعة مؤسسين، لم يكن بينهم تركيّ واحد، كان الكرديان إسحق سكوتي والدكتور عبدالله جودت إلى جوار إبراهيم تمو (الألباني) ومحمد رشيد (الشركسي) هم من أسسوا تلك الجمعية ربيع عام 1889. وقد لعب الناشطان الكرديان دورهما في إصدار الصحف والكتابة في الصحف والدوريات المناهضة للاستبداد الحميدي والدعوة إلى تجديد الرابطة العثمانية على قواعد دستورية واضحة ومنصفة.

ركّز جودت سكرتير الجمعية والناطق باسمها في مراحلها المبكّرة في أعماله، رفقة زميله سكوتي، على فكرة إمكانية التعايش في دولة واحدة دستورية وبرلمانية. ولئن كان جودت من غير المتحمسين لفكرة تأسيس دولة كردستان، فإنّه أيّد فكرة أن تصبح الدولة العثمانية ضامّة للقوميات المتمايزة ثقافياً على أسس من العدالة والمساواة، مع الدعوة إلى مساواة الحقوق اللغوية للقوميات العثمانية بصورة تضمن لتلك اللغات “التطوّر والازدهار”.
لم تمضِ مسألة الدعوة إلى المساواة بسلام إذ جوبهت بالكثير من التشكّك رغم وحدة الهدف الرئيسي للجمعية، لتبدأ مرحلة الانقسام بين المتطرّفين والليبراليين، خاصة مع الدور الذي لعبه المتطرّف القومي التركي أحمد رضا وتشكّكه من ميول العرب والكرد والألبان. وعلى إثر تنامي دور المتطرّفين الأتراك بعد نجاح انقلاب الاتحاديين ستبرز الجمعيات الكردية خلال العشريّتين الأولى والثانية من القرن التاسع عشر ضمن مسعى لترسيخ الحضور الكرديّ في الدولة العثمانية، والدعوة تالياً إلى شكل من أشكال اللامركزية السياسية والثقافية لكردستان، وفقاً لما جرى الاتفاق عليه عام 1907 في باريس خلال اجتماع الجمعية، حين وافق الاتحاديون على “تقرير المصير والاستقلال الذاتي ضمن نطاق الدولة العثمانية”. ومن الجدير بالملاحظة إن معنى الاستقلال الكرديّ آنذاك لم يكن يحمل دلالات الانفصال وإقامة دولة مستقلّة بقدر ما كان يعني أن يصبح لكردستان، أو لبعضٍ من جغرافيتها، شخصية اعتبارية داخل الكيانية العثمانية الجامعة.
قبل مؤتمر 1907 لم يوجّه الاتحاديون الدعوة لجودت وسكوتي لحضور مؤتمرهم بحجّة قبولهما تسنّم وظائف حكومية، بكلمات أخرى: جرى طرد الثنائي الكردي وإحلال كرد آخرين في قيادة الاتحاد. وإذا كانت وفاة سكوتي عام 1902 قد وضعت حدّاً لمسيرته، فإن جودت واظب على دعواته إلى المساواة اللغوية والثقافية حتى بعد نجاح انقلاب الاتحاديين عام 1908 من خلال كتاباته في الصحف ونشاطه في الجمعيات الكردية.
لم يكن الكرد الاتحاديون وحدهم مذهولين من تحوّلات زملائهم الأتراك. علينا أن ننظر إلى العرب والأرمن واليونانيين كذلك، إذ لم يكن الكرد وحدهم متحمّسين لحالة الاتحاد التي ينبغي أن تكون واضحة. كان النزوع الاستقلالي لدى الأرمن أكثر وضوحاً مما هو عليه لدى بقية القوميات العثمانية. فعلى إثر استقلال بلغاريا 1878 عن الدولة العثمانية تنامت القومية الأرمنية واستشعر القوميون الأرمن إمكانية محاكاة تلك التجربة، غير أن المذابح الحميدية خفّضت منسوب التفاؤل الأرمني. وعلى وقع مذابح (1894-1900) تشكّلت نخبة أرمنية داعية للإصلاح السياسي والإداري وقبلت الانخراط في لعبة الاتحاد والترقي المحفوفة بالمخاطر. فقد حملت انتفاضة ساسون (باتمان) عام 1894 الطاشناق للتحالف مع تركيا الفتاة، وبعد ذلك عثر الأرمن على حلفاء ليبراليين ضمن تركيبة الاتحاد والترقي مثل الأمير صباح الدين، ومع نجاح انقلاب 1908 ومع ما حمله من مدّ قومي تركيّ، لم يفقد الأرمن، شأنهم شأن الكرد، الأمل في الإصلاح للتخلّص من سياسات التمييز الحميدية، بل حتى دفعت الحماسة للتغير مؤلّفاً أرمنياً يدعى حاكميان إلى وضع نشيد لمجلس المبعوثان جاء فيه: “عاش نيازي، عاش أنور”، ومع استيلاء أنور وطلعت وجمال باشا 1913 على السلطة، بعد سلسلة من السياسات المتمحورة حول تتريك السلطة كجعل التركيّة لغة أولى عام 1908، بدأت الشكوك تساور جميع العناصر غير التركية، ولم يكن الكرد الاتحاديون وحدهم من تضرّر من هذه اللهجة المنفّرة الجديدة، فقد أدى إخراج الأرمن واليونانيين والعرب خلال الحرب العالمية من النسق العثماني إلى تمحور صورة الدولة حول قوميتين: الكرد والترك. فخلال التئام مجلس المبعوثان، وفي جلسة 17 كانون الأوّل/ديسمبر، ناقش النوّاب “صلاحيّة النموذج النمساوي-المجري” لأجل تطبيقه في الدولة العثمانيّة، وهو الأمر الذي جال في ذهن النوّاب الذين انضمّوا لمجلس الأمّة الكبير (الكمالي) 1920 حين ضم المجلس نسبة تمثيل كردية عادلة تساوي تقريباً مجموعهم إلى عدد سكان الدولة، فبلغ عدد الكرد المشاركين في المجلس 72 نائباً من أصل 437 نائباً، وبعض أولئك النوّاب كانوا ممثّلين عن الكرد في مؤتمري أرضروم وسيواس عام 1919، وهنا أيضاً يظهر وزن الساعين إلى البقاء في ما تبقّى من الدولة العثمانية بعد أن استقلّت الأيالات الأوروبية والعربية، وبدأ الأرمن بخطّ طريقهم الخاص نحو الاستقلال.
قبل ذلك التاريخ انتهت تجربة حزب اللامركزية الإدارية العثماني تحت وطأة سياسات حلفاء الأمس (الاتحاديين)، وذلك بعد أن كان الحزب يمثّل حاضنة لعناصر “الأمة العثمانية”، بما في ذلك الكرد الذين عملوا إلى جانب العرب في الحزب مثل الأمير عبد الرحمن بدرخان الذي تولّى لاحقاً إصدار صحيفة “كردستان” بعد مغادرة شقيقه مقداد مصر. ويضاف إلى أسباب انهيار تلك التجربة تفاعلات الحرب العالمية الأولى التي أخرجت العرب والأرمن من الدولة العثمانية، ليصبح الكرد الطرف الأخير المتبقّي حتى يومنا هذا ضمن خريطة ما بعد اتفاقية لوزان 1923، على الرغم من محاولات الخروج أو التعديل على شروط البقاء التي توافرت في ثورة الشيخ سعيد وجمعية آزادي 1925 وما تبعها من حركات ثوريّة. ولأجل ذلك بدأت الحركة الكردية المنفيّة المتمثّلة برابطة خويبون تعمل ضمن شروط صعبة أثّر فيها نجاح الكماليين في إخماد ثورة آغري 1931 وانتفاضة ديرسم 1937. فعُضْوا جمعية خويبون جلادت وكاميران بدرخان سعيا إلى إقناع الكماليين بجدوى التفاهم، ويبرز ذلك في رسالة الأمير جلادت لأتاتورك بوجوب حل القضية الكردية عبر الإقرار الرسمي بوجود كردستان وخصوصية الشعب الكردي، وهو الاتجاه الذي سعى شقيقه كاميران التأكيد عليه وتطويره خلال لقائه بالقنصل التركي في بيروت بإضافة مطلب يتصل بضمان الحرية اللغوية والتعليمية للناطقين بالكردية. هذا التحوّل للاستقلاليين الكرد كان انعكاساً لواقعيّة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكنّه كذلك جاء إقراراً بوجود دول ينبغي التفاهم معها لإعادة الاعتبار للكرد وحقوقهم في المواطنة والمساواة والاعتراف بالوجود.
من الجدير بالملاحظة أن أدبيات خويبون الأولى سعت إلى سياسة حيادية في العراق وسوريا، والاكتفاء بما قدّمته سلطتا الانتداب للكرد في البلدين، وركّزت اهتمامها على الجبهة التركية والحفاظ على وحدة النسيج التعدّدي للمجتمع الكردي، وعلى وحدة النضال الكردي الأرمني في صورة تتقاطع مع ما جرى زمن العمل المشترك في صفوف الاتحاد والترقي. وأصبح خطاب خويبون يتحوّل تدريجياً ليركّز على الخصوصية الكردية لا على نشر الخطابات المعادية للأتراك، وهو الأمر الذي سيتطابق مع اشتغالات الحركات الثورية والسياسية في إيران مع تأسيس حزب توده عام 1941 والدعوة إلى الإخاء الكردي الفارسيّ، ثم الإخاء الكردي الآذري مع الإعلان عن تأسيس جمهورية كردستان (مهاباد) عام 1946 والدعوة لوحدة نضال هذين الشعبين لأجل الحكم الذاتي تحت رعاية السوفيات. تواصل التعاون المفتوح الكردي مع حزب توده واعتباره الحزب (ب) لأعضاء ومناصري الحزب الديمقراطي الكردستاني، رغم إبقاء الحزب الكردي على شعاره الأثير “الحكم الذاتي لكردستان والديمقراطية لإيران”. وبالمثل يمكن ملاحظة الأنماط التحالفية لكرد العراق مع شيوعيي العراق، ثم مع الاتجاهات السياسية العراقية الأخرى التي بلغت ذروتها عبر القبول المتبادل بفكرة الوطن الواحد وحق الكرد في إدارة شؤونهم ذاتياً، حتى أن نظام عبد الكريم قاسم قبل الدخول في صيغة الإقرار بالوجود الكردي دستورياً مع إصدار قاسم دستوره المؤقّت الذي جعل العراق دولةً لقوميتين بصورة تشابه طريقة تأسيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا. وخلال مفاوضات القوميين العرب والبعثيين مع ممثلي الحركة الكردية، برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، برزت الرغبة في الاتحاد مرّة أخرى. وبعد جولات الحوار بين القوميين الكرد والعرب في القاهرة، تجلّت أبرز محطّات التفاهم مع إصدار صحيفة التآخي (Biratî) في بغداد بعد موافقة الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف عام 1967، بل إن عارف نفسه الذي اشترط إصدار الصحيفة مقابل إغلاق إذاعة “صوت كردستان” هو الذي اقترح الاسم، وقد مرّ هذا التفاهم بقبول ملا مصطفى البارزاني ورئيس تحرير الصحيفة صالح اليوسفي. وفي المحصّلة وُضعت العراقيل أمام تطوّر هذا النهج الاتحاديّ الكردي العربي في العراق الذي بلغ ذروته مع توقيع اتفاقية الحكم الذاتي (بيان 11 آذار/مارس 1970). ورغم تعرّض الاتفاقية لانهيارات متتالية قبل الإعلان عن انهيارها نهائياً عام 1974 فإنها بقيت دليلاً آخر على وجود حلول تفاوضية وعلى إخفاق الطبقة السياسية الحاكمة في احتواء التطلّعات الكردية. وبالمثل سعى نور الدين زازا، رئيس أوّل حزب كردي سوري، إلى وقف التدابير العنصرية المتنامية في سوريا زمن الوحدة السورية المصرية، ورأى من خلال مذكّراته المقدّمة لمحكمة أمن الدولة العسكرية العليا نهاية 1960 بأنها “تسيء إلى الأخوة العربية الكردية، والتضامن بين الشعبين”، متندّراً من إغلاق جريدة “الطليعة” الصادرة في الإقليم الشمالي (سوريا) لأنها نشرت مادّة تحت عنوان “الأخوّة العربية الكردية”. واقعياً تصالح زازا مع حقيقة انتقال الكرد من عالم كان فيه احتمال تشكيل الدول المستقلة في أعقاب الحرب العالمية الأولى ممكناً، إلى عالم الدول المغلقة أمام حركات الاستقلال، ولأجل ذلك كان يأمل بأن يتأسّس في سوريا حزب على غرار “المؤتمر الوطني الهندي”، وهي الفكرة التي طرحها على السياسي السوري أكرم الحوراني، بل أبعد من ذلك كان يتطلّع إلى “اتحاد شعوب” المنطقة (الكرد والعرب والأتراك والفرس والأرمن) أسوةً بالأفكار الأوروبية التي سعت لتشكيل رابطة أوروبية متحدة.
في سياق تاريخ طويل من النزعات الاتحادية، كان فيها الكرد الطرف المبادر والساعي إلى تعديل شروط بقائه في الدول القائمة وتحويل الدول القومية/العرقية إلى دول مواطنة متساوية، تبرز حالة العمال الكردستاني الذي بدأ بحسب مارتن فان برونسن كأول حزب كردي يدعو “لاستقلال كردستان كلّها كهدف نهائي”، فيما بقية الأحزاب والحركات الكردستانية في العراق وإيران كانت حركات حكم ذاتي في إطار الدول القائمة وذلك “لأسباب براغماتية”، ليتحوّل الكردستاني غير مرّة باتجاه تغيير سياساته والدعوة إلى إقامة دولة متحدة ولامركزية، ولتنتهي تلك التحوّلات إلى الشكل الذي قدّمه مؤسّسه عبد الله أوجلان حيث رابطة المواطنة المتساوية تحلّ محل التفارق الكردي التركي ودائماً في إطار الجمهورية الديمقراطية القائمة على القبول المتبادل، وحيث إن الاندماج الكردي يحلّ بديلاً عن سياسات عزل الكرد واستبعادهم. من شأن تحقق مثل هذا التصويب الجديد لتاريخ العلاقة الكردية التركية أن يكون له أثر الممحاة لمسح خطيئة لوزان 1923 التي كرّست الحاكمية التركية المطلقة وتسيّدها العرقي والثقافي على حساب الشعب الكردي ومشروع الدولة الاتحادية.
من وجهة نظر واقعية، يبدو أن التيارات الاتحاديّة الكردية ستخضع لاختبارات صعبة، لكنها وفق خطّ تطوريّ يمتدّ لأزيد من مئة وعشرين عاماً قد تتمكّن، حال وجود شركاء من القوميات الحاكمة، من ردّ الاعتبار التاريخي لمشروع دولة المواطنة المتساوية القائمة على أساس التعدّد الثقافي واللغوي. بكلمات أخرى: لا يمكن هدم نموذج الدولة/الأمّة (وهي هنا الدول القومية القائمة في تركيا والعراق وسوريا وإيران) إلّا من داخلها عبر تطوير أشكال العمل السياسي والمدني الكردي على قاعدة تغيير مفهوم الدولة القومية القائم، خاصّة وأن مثل هذا الاتجاه تغذّيه الرغبة الدولية في احتواء مشكلات الشرق الأوسط عبر سياسات تبتعد عن الحدّة والجذرية التي تميّزت بها الأنظمة الغاصبة لحقوق الكرد، ما يعني أن القبول بـ “اندماج” الكرد و”انفتاح” العواصم هو الخريطة الوحيدة التي لم تتبعها تلك الأنظمة بعد.





