إبراهيم محمود
لوزان، المدينة السويسرية الجميلة، كمعظم المدن السوسرية، ومن جمالها يمكن تصور الجمال الروحي، يمكن تصور الصفاء النفسي، وسلاسة الخيال المحلّق عالياً، عبر عينين تعيشان أمن المكان أرضاً وسماء. هكذا تعلِمنا الجغرافية بروعة المنظور فيها، هكذا تعلمنا سويسرا وخيارها في أن تكون حاضنة السلام والاستقرار. لهذا، من علّمها أن تكون حاضنة شرور مخططة للآخرين ومن قبل آخرين مغايرين؟ كيف لسكَينة كهذه أن تفجر عواصف من مدينة الغرب الذائعة الصيت، لتوجّهها صوب رقعة جغرافية، لا أظن أن من فيها ككائن إلا ويراها جالبة نحس، وراعية جريمة “كُرّمت” باسمها. أعني بها معاهدة “لوزان -1923” وما في التسمية تلك من مفارقة المرئي والمخفي، بين حس البراءة، ونحس تقبّل التوقيع على جريمة إنسانية.
أكثر من قرن، ولوزان في مهب غضب شعوب قيّض لها أن تعيش انقسامات مختلفة داخلها، أن يفقد كلّ منها وحدة الهوية والاسم واللغة، لصالح من رأت فيها أوربا عدوة تاريخية لها، ولم تخف كراهيتها لها، وهي تشدد على الاستبداد الشرقي المعزز باسمها، أي تركيا، المولود المضخَّم على حساب ولادات أريدَ لها أن تكون مشوهة، منزوعة الأسماء والعلامات الفارقة الدالة عليها، حال الكرد بجلاء!
بين التعريف الطبيعي لمدينة، وكشف النقاب عما يجري وراء النقاب القائم، يكون مسار التاريخ، ثمة رسم خرائط مستقبلية، لأمم يُراد لها أن تفتخر بحدود قومية لها، بعلَمها، بلغتها المميَّزة، وأمم تُجرَّد من كل ما يبقيها أمماً، حيث يمضي تاريخ المنتصرين، كما يُزعَم في قصقصتها!
هل هي هفوة تاريخ، أم سقطة معتبَرة؟ ليس من تاريخ معرَّف به بدقة، إلا ويقول عنه، ما لا يقال من خلاله. لوزان التي تَعلَّم، حيث أقام فيها نورالدين زازا وتزوج سويسرية تتحدث الكردية بروحها، ودفِن فيها قبل قرابة عقود زمنية أربعة، وفي روحه حسرة من وطنه الممزق ولا بد أنه كان يقلب تاريخ لوزان على وجوهه مستغرباً من ضلوعها في إثم جريمة لا يُمحى، إذ شعر بوعيه النابض بالكردية وإنسانيتها، أن لوزان لا تعرف الكردية، لأن الكرد، كما يبدو، ماذا يشكّلون في حسابات الدول الكبرى وسماسرتهم، وهو نفسه من قال فيها (لقد استغرقت بضعة أيام حتى علمت أن هناك عددًا قليلاً جدًا من الأشخاص في سويسرا يعرفون المشكلة الكردية. بالطبع، كان البعض قد سمع عن شعب “جبلي” ومحارب وبطل. ومع ذلك، فوجئ معظمهم بذكر الكرد وكردستان – هل قلت “تركستان”؟ – لا، لا، كردستان، ظللت أكرر بلا كلل. في كل مرة، شرحت بصبر الكرد وكردستان. تقدمت بطلب للصحافة والإذاعة في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا لتنوير الجمهور. في الجامعة (التحقت بكلية العلوم الاجتماعية والسياسية لإعداد أطروحة دكتوراه في العلوم التربوية)، بين الفصول، فتحت نقاشات ساخنة حول المسألة الكردية مع الطلاب والمحاضرين.)، كما أوردت ذلك في كتابي “الصورة أكبر من إطارها: عن نورالدين زازا كردي القول والفعل – دهوك -ط1، 2022، ص27”.
من “سيفر” المدينة “الغربية” الفرنسية ابنة الثورة والحداثة والديمقراطية الحديثة، وذات التاريخ الاستعماري – الإمبريالي، إلى جارتها “الغربية” السويسرية، تمتد سكة تاريخ معززة بإحكام، تمرر خريطة مستقبل يمتد لأكثر من قرن، كما بات معروفاً، ويكون الكرد الضحية القومية ذات التاريخ والجغرافية التليدين، لمثل هذه المحطة التي تعدُ غربها وعملاءها في الشرق بضمان مصالح ترضي الجميع، ممن هم شركاء في لعبة القوة وتراتبيتها. لوزان أبرمت كاتفاقية لتستمر إلى أجل غير مسمى، مثلما أن معاهدة قصر شيرين دُشنت باسم تاريخ استعماري في المنطقة بين إمبراطوريتين شرقيتين، تمثّلان على أكمل وجه نمط الإنتاج الشرقي، حيث قسّمت كردستان، لتكون معدَّة، لسلسلة تقسيمات تالية وإلى الآن وأبعد. إن مساحة الطموحات والمصالح المسماة التي أثمرتها شجرة معاهدة لوزان العلقمية، تتناسب وغريزة نهب ثروات شعب هو الكرد، في مساحة جغرافية واسعة ـ وتضمن ديمومتها، ومعها تجزئة الشعب، دون ذلك ربما كان من المستحيل رؤية التموضع الاستراتيجي للدول في المنطقة وفي أوربا وامتدادها الأميركي، كما هو المشهود له اليوم.
بالطريقة هذه علينا ألا نخرج من لوزان المدينة المكان، والتجربة التاريخ بالنسبة لسويسرا التي أشرفت ولو رمزياً على تقسيم المنطقة، إنما أكثر من ذلك، واعتبارها مدينة علم وتربية ومعرفة، في بلد جان جاك روسو، وكارل غوستاف يونغ المحلل النفسي الشهير، وهما اللذان أكدا على الإنسان في وحدته. فأي زلة تاريخ، أي مزلق سياسي يحسَب على سويسرا هذه؟ كما لو أنها وهي تتابع عن قرب، في مدينتها “لوزان” مجريات وقائع معاهدة لوزان المشؤومة بتبعاتها، تناست تاريخها القريب نسبياً، في حربها الأهلية سنة “1847” وتلك الصراعات التي مزقتها وخرجت منها، لتغلق محضرها إلى الأبد كما يظهر. إزاء ذلك كيف تجاهلت الحروب المتوقعة في منطقة ملغومة من أولها إلى آخرها، وأن هناك ضحايا باستمرار لمثل هذا الوضع الذي تُسأل عنه. هل الإنسانية تتوقف حين تنتهي حدودها جهة الشرق؟؟
مسيرة القرن الملتهب
هل يصح النظر إلى الوراء، إلى ما قبل توقيع معاهدة لوزان، لنتمكن من النظر إلى الأمام ورؤية بنية المتغيرات، وما إذا كان هناك تغيير يستحق الذكر في شبكة العلاقات المرسومة بمنافذها الحدودية الخاصة؟ أرى أن هناك ما أعتبره المحرّك الرئيس بعائده الوخيم، بالنسبة للكرد، ولماذا هم الضحية الكبرى هنا؟ أسطّر ما يشبه الخطاطة الكبرى، التي تمكّن دارس التاريخ من أن يقرأ ما يتكتم عليه التاريخ لا ما يقوله:
“لوزان التي خرجت من معطف سيفر“
كيف يمكن ذلك، وبينهما أكثر من مسافة زمنية لا تقاس، في ضوء المتغيرات التالية؟
نعم، إن اتفاقية سيفر لم تكن إلا مقدمة لمعاهدة لوزان، يعني ذلك، وفي سياق لعبة المقارنات والمتابعات داخلاً وخارجاً، يعني أن المفصح عنه على النقيض تماماً من كل ما قيل ويقال حول دعوى سيفر، واعترافها بالقومية الكردية، ومنْح حقوق قومية للكرد في كيان جغرافي مرسوم، إلى جانب قوميات أخرى، لم يكن ذلك إلا استعداداً لمعاهدة لوزان التي أريدَ لها أن تكون الوحيدة والمتعلقة بوضع تركيا الجغرافي والسياسي، بصورة خاصة، وما في ذلك، من طي كل ما له صلة بالكرد قومياً وسياسياً، وذلك من قبل القوى الكبرى المتنفذة ذلك الوقت “فرنسا وبريطانيا” على وجه التحديد، حيث إن اتفاقية “سايكس – بيكو” سنة 1916، هي التي تشكّل المرجع التاريخي لكل ما له علاقة بالوضع السياسي للمنطقة، ومصير الكرد الذين جرى احتواؤهم ضمن عملية تقسيم وطنهم القومي التاريخي “كردستان” بجعلها أربعة أجزاء، وبتقسيمها يجري طي اسمها بالمقابل.
وأن تكون كردستان هي الفريسة الجغرافية الكبرى التي جرى تمزيقها و”التهامها” بين مجموعة الدول التي تقاسمتها، ومن قبل دول خططت لذلك، إنما لأن عملية التخطيط والتقسيم، والحرب العالمية الأولى كانت قائمة، تظهِر لنا مدى ضمان استمرارية تدخل القوى الكبرى في المنطقة وديمومة قواها عن قرب وعن بعد، مع تغيير في وسائل اللعبة، وعلى وقْع هذا التقسيم، لتسهيل عملية التلاعب بالمصائر تالياً، وإبقاء الدول المتقاسمة عينها لكردستان في وضعية توتر، وتأثر الكرد السلبي بكل ذلك، إلى ما بعد مئوية لوزان الأولى.
إن قراءة استراتيجية لهذه الاتفاقية في ضوء الدبلوماسية الدولية، ومن قبل القوى المتنفذة في المنطقة، وعن قرب، تضعنا في صورة مغايرة لما هو مشاع ومتداول بصدد حيثيات سيفر.
وما شهدناه من تبعات لوزانية، وما نعايشه، ويستجد سياسياً وفي صراعات سياسية مختلفة، هو الذي يقطع شكنا المكاني بيقين زماني يُقرَأ في الكثير من السجلات التاريخية الاستعمارية وتفعيلاتها في المنطقة، وأن الخريطة السياسية اليوم، ونحن على أبواب المئوية الثانية للوزان، تشدنا إلى المناخ الساخن، و”الطبخة” المعمولة وقتذاك، ليخرج الكرد في مجموعهم، أكثر من غيرهم، من “المولِد السياسي” بلا حمّص جغرافي، أي جوعى، مجردين من كل ما يعرّف بهم اسماً ومقاماً.
لوزان خرجت من معطف سيفر، وسيفر بحكم الطارىء والمبرمَج له في سياق “سايكس – بيكو” وصلاحية لوزان قائمة، ما دامت المصالح الدولية في المنطقة تتطلب تفعيلاً للتوترات، لتضمن بقاءها، وليس من ضامن لطي لوزان، في ضوء لعبة المصالح تلك، مما يعني إبقاء الكرد في وضعية التقسيم والتجزيء وكيفية الدفع بهم هنا وهناك، قرابين حية لهذه اللعبة إقليمياً ودولياً.
في محاولة مكاشفة ما تقدم، أنوّه بداية إلى المقولة التي باتت تعرف كثيراً في نهاية القرن التاسع عشر، عن الدولة العثمانية بأنها “رجل أوربا المريض homme malade de l’Europe ” والسؤال، أي نوع من المرض أصيبت به، وأوقعها “أرضاً”؟
هل خسارة العثمانيين كإمبراطورية لأصقاع واسعة من جسدها الإمبراطوري في قارات ثلاث، وظهور تركيا الحديثة والخارجة من “رحم لوزان” جعلتها في مقام “الرجل المريض”؟ أكان القيصر الروسي نيقولاي الأول صاحب هذه المقولة سنة “1853”، دقيقاً في وصفه، ليطرب لها أعداء هذه الإمبراطورية، ويشمت بها من أعدوا أنفسهم لمواجهة المرحلة التالية، والكرد من بين تلك الشعوب المقهورة؟

في الغرب، لمعرفة ما يجري تاريخياً، من الأسلم النظر في سلوكيات الكبار، أما في الشرق، فمن الأسلم، النظر في سلوكيات المحيطين بمن هم في سدة الحكم. بالنسبة للدولة العثمانية، التي لفظت أنفاسها الأخيرة، كما يقال على وقْع طبول إعلان الحرب العالمية الأولى، لا بد أن ننتظر قليلاً، لنرى ما إذا كانت الميتة هذه كاملة، فالغرب الذي شن حرباً على السلطان العثماني، وهو بمفهومه الاستعماري وما بعده، هو نفسه من يعرَف أنه وراء ظهور أتاتورك “مصطفى كمال باشا”، والحيلولة دون ظهور الكرد في كيان سياسي. إنه التحدي المصيري والمفصلي للغرب واستمراريته المستقبلية في المنطقة. لا بد أن يكون هناك تكافؤ بين اللعبة الاستعمارية بمتروبولاتها ومن هم تابعون فيها: جل الحكام في المنطقة في مقام الدرجة الثانية من القوة، وليس لهم أي هم “وطني” كما يقال، إنما همُّ استمرارية مصالحهم. أكان أتاتورك، كما سمّي لقباً دقيقاً في وصفه، سكت عنه الغرب المتمثل خصوصاً في إنكلترا وفرنسا، وعجز عن القضاء عليه، أم أن ما تم كان مخططاً عملياً للعبة رسمت معالمها لأمد طويل في “سايكس – بيكو”. في الغرب يمكن أخذ ما يردده قادته الكبار بعين الاعتبار، أم في الشرق، فعلينا التأكد من خلفية كل كلمة من خلال علاقة كل منهم بالغرب.
أتاتورك لم ينتصر على الغرب “بريطانيا” في الواجهة، إنما نُظِر في سلوكه الذي درِس جيداً في غرف خاصة بمثل هذه الموضوعات المستقبلية، ليكون خير من يديم الغرب مصالحياً في المنطقة.
ثمة من يتحدث عن الانقسام الكردي الذي برز قبل سيفر، وتجلى بعمق في لوزان، كما يقول: نِك دانفورث، في مبحثه: تم التوقيع على المعاهدة التي تشرح الشرق الأوسط اليوم في فرنسا
Nick Danforth : Le traité qui explique le Moyen-Orient d’aujourd’hui a été signé en France
طبعاً لا يمكن التقليل من النتائج السلبية للانقسامات الكردية ولها صيتها التاريخي، وإلى الآن، ولكن الغرب، بوصفه القوة الكبرى، يكون في معرض السؤال. كما يمكن ملاحظة ذلك راهناً. يمكن لقوة كبرى مثل أميركا أن تعلن كردستان اسماً على مسمى، ولكن مصالحها تحول دون ذلك.
بالمقابل، من السهل جداً اعتبار القائمة الطويلة من الخطب ذات العلاقة بالحدود القومية للدول التي ظهرت في خرائط مستقلة في المنطقة، على أنها مقرَّرة من خلال “سايكس – بيكو” والتفاخر النضالي في مواجهة المستعمرين بتنوع لغاتهم، إنما بتشارك أدوارهم التخريبية أو التدميرية والمميتة في المنطقة. الموجود حاضراً يصادق على ما يقولونه، ويقدّمون أنفسهم أبطالاً لشعوبهم. من المؤكد أن الذين يراقبون عن بعد، يضحكون في عبهم، ويتركونهم ماضين في تباهيهم، طالما أن مصالحهم تزداد كماً وكيفاً حال تركيا.
في مقاله: ما هي أزمة الشرق؟ Qu’est-ce qu’une crise d’Orient، يقول هنري لورنس، عن جانب من الصراعات في الشرق الأوسط:
(هناك شعور بأن الصراعات في الشرق الأوسط هي صراعات تبدأ بين لاعبين محليين وتتحول تدريجياً إلى حروب للآخرين. على حد تعبير غسان تويني، لم تعد الحرب الأهلية اللبنانية حربًا لبنانية فحسب، بل حربًا للآخرين أيضًا. تنعكس جميع التغيرات في علاقات القوة الإقليمية في الشرق الأوسط على الخريطة السياسية اللبنانية مع انعكاسات التحالف. في الواقع، تكررت كل مجموعة تحالفات محتملة في الحرب في لبنان، حتى أكثرها عبثية. في 1985-1986، كان هناك تحالف بين القوات اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية ضد الشيعة عندما كان الهدف الأصلي لهذه الحرب هو القضاء على الفلسطينيين من قبل القوات اللبنانية.).
ذلك صحيح بنسبة عالية. وإذا كان المسطور آنفاً ينطبق على من ذكرهم، فالكرد يتقدمونهم بكثير، إن راعينا حضورهم الديموغرافي، والمساحة الجغرافية التي يتواجدون فيها، والموقع الاستراتيجي لوطنهم التاريخي، على الأقل عندما نتابع ما يجري على الأرض من محاولات لبناء كيانات ولو شبه دولتية “في فلسطين، مثلاً”. أما بالنسبة للكرد، فيظهر أن عداد الزمن الذي تم تركيبه بالنسبة للوزان، هو أن تستمر اللعبة المدمرة لأبعد من حساب القرن المذكور، وها نحن نعبر من القرن الثاني لوزانياً سنوات ثلاثاً. المفارقات هي التي تدلي بشهادتها.
(إن حق تقرير المصير حق معقد. غالباً ما يظهر كحق تعسفي، لكنه لا ينطبق بالطريقة نفسها على جميع الشعوب. وعلى عكس ما يُنقل في كثير من الأحيان، لا يمكن حصر نطاقه في الحق في الانفصال. وفي الواقع، فإن هذا الأخير غير موجود خارج السياق الاستعماري. فبعد أن اختفى الاستعمار الكلاسيكي من عالمنا، قد يعتقد المرء أن الحق في الانفصال قد تلاشى مع نهاية هذه الظاهرة. ومع ذلك، على الرغم من أن الانفصال حدث نادر للغاية هذه الأيام، فإن حالة كوسوفو كافية لإثبات أنها لا تزال قائمة حتى اليوم. ومع ذلك، فإن إحجام المجتمع الدولي عن قبول سابقة، مما يخلق حقًا في الانفصال، يجعل وضع الشعوب الأخرى، مثل كوسوفو، التي تتطلع إلى الاستقلال، إشكالية للغاية.).
هوذا قول لباحث في هذا الشأن، أي: كميل دينيكور فوفيل: تقرير المصير والانفصال: الحالة الكردية
Camille Denicourt-Fauvel:Autodétermination et sécession : le cas Kurde
نحن لسنا في غاب، ولكنه الغاب المفتوح، وتدار اللعبة تبعاً للرهانات، وتغيّر القوى ومواقعها ومآلاتها الغدَوية! وفي السياسة، إذا كانت الحرب تمثيلاً حدّياً لها، فإن هذا التمثيل يمتلك قواعد مختلفة، في حالة لعبة جارية بين مجموعة كبيرة من اللاعبين، لأجل مكافأة ضخمة، وضمن ملعب كبير يضج بالمتفرجين. وعلينا أن نعرف هذه القواعد جيداً: كل شيء يمكن استدعاؤه واعتباره داخلاً بطريقة ما في اللعبة، ما عدا اللعبة المألوفة نفسها.
في حال أوربا، كما هي حاضنة اللعبة “لوزان” من المستحيل الدفع بها خارج حركية المصالح هنا.
ذلك يذكّرنا بالقائل:
قتل امرىء في غابة جريمة لا تغتفرْ
وقتل شــــــعب آمن مسألة فيها نظر
إنها الحياة خلف واجهة برّاقة، وفي كل مباراة من هذا القبيل، حتى لو كانت من نوع كرة القدم الأخيرة؟! لكن المنصوص عليه في معاهدة لوزان، وما يسمح لنا التاريخ بمتابعته وسبر قاعه السياسي، يغيّر في حركية اللعبة ومسارها، كما هو المرئي في سياسة أردوغان ذات التعبئة الإسلاموية وبعلامات فارقة عثمانية، وما في ذلك من تثبيت التاريخ الذي لا يمكن تثبيته، لأن التاريخ ليس قوة حيادية تتبع واضع صورتها بتلوينات محددة. أردوغان وجه من الوجوه المركبة في الصميم: العثماني الإمبراطوري، والأتاتوركي الحداثوي، ويظهر أن استحالة نجاح الخلطة تفسّر استحالة تثبيت محتوى لوزان.

أستعين بمقاربة تحليلية بسيطة ولكنها عميقة في تبين المفارقات، تلك التي تعرّي الوجه الأردوغاني الذي يتقدم السياسة التركية، وعجزه عن إيقاف حركة التاريخ خارج المسار المتمسك به:
(…فيما يتعلق بالكرد، تم اعتماد بعض الإصلاحات بالفعل. إذا حطَّموا الإيديولوجية الكمالية المتمثلة في رؤية الكرد على أنهم جماعة غير موجودة أو معادية، فإنهم مع ذلك أفرغوا على الفور من معناهم. في الواقع، من الممكن الآن أن يكون البث التلفزيوني باللغة الكردية، ولكن لا يمكن أن يتجاوز نصف ساعة في اليوم (في الوقت الحالي، نصف ساعة في الأسبوع)، ويجب أن يتم البث إجباريًا عن طريق قناة عامة، وليس فيه برامج الأطفال ولا يكون حول مواضيع سياسية. ويجب أن تكون البرامج المبثوثة باللغة الكردية تحوي شريط ترجمة باللغة التركية. وبالمثل، يمكن للوالدين الآن إعطاء أسماء أولى كردية لأطفالهم، بشرط أن لا يستخدما الأحرف الثلاثة الموجودة في اللغة الكردية، التي لا تحويها اللغة التركية (q ، w ، x)، وهكذا لا يتمّلك الأطفال في أسمائهم، الأحرف التي تميّز لغتهم عن التركية، ما يعرقل فهمهم لهويتهم، وتمايزها عن الهوية التركية.
أخيرًا، يمكن للمعاهد الخاصة تدريس اللغة الكردية، ولكن فقط إذا خضعت للشروط الصارمة ولسيطرة وزارة التعليم.
لماذا كل هذه المقاومة؟
أثبتت جميع القيود التي فرضتها أنقرة تقريبًا في مجال حقوق الأقليات أنها غير فعالة. على سبيل المثال، في ازدراء بث نصف ساعة باللغة الكردية على قناة عامة تركية، يشاهد معظم الكرد إما قناة قريبة من حزب العمال الكردستاني – معادية لأنقرة – أو إحدى القنوات في كردستان العراق، والتي تبث عبر الأقمار الصناعية. مثال آخر: تعترف جميع البلدان باستثناء تركيا بالوضع المسكوني لبطريركية اسطنبول (أو الأسوأ من ذلك، “القسطنطينية”). أخيرًا، إن كل الأيديولوجية القومية في قاعدة الجمهورية هي التي تجد اليوم صعوبة في الإقناع بأن “أقليات لوزان تعيش حياة سعيدة في تركيا” وأنه “لا توجد أقليات مثل أقليات لوزان”).
ما يذهب إليه المؤرخ والباحث الكردي حميد بوز أرسلان بالذي أفصح عنه في دراسته “الأقليات في تركيا”، ينبني على حسابات دقيقة في التعامل مع ما يجري على الأرض، وفي الآونة الأخيرة خاصة.
هناك ما يعطي وجهاً أكثر وضوحاً للمتشكل تاريخياً في نطاق الحدود “التركية” والحدود التي تعبرها من موقع القوة، السورية والعراقية، ومخاطر الجاري في إيران. هل يمكنها مواجهة كل هذه التحديات؟
في جواب توضيحي على سؤال:
كيف تأثر الفضاء الكردي منذ بداية الربيع العربي عام 2011؟
وفي حوار مع غوردي تيجيل غورغاس، في نهاية آب 2014، شهر الغطرسة “الداعشية” وعنفها الدموي في المنطقة، وضد الكرد، والكرد الإيزيديين بشكل أخص، وتحت عنوان: المسألة الكردية من حيث الفوضى الإقليمية La question kurde au regard du désordre régional
نقرأ ما يدعم تصور أرسلان التحليلي للجاري في تركيا:
(هزت الثورات العربية في 2010-2011 الشرق الأوسط، بما في ذلك المنطقة الكردية. من ناحية، وعلى الهامش الطويل، تم دفع القضية الكردية في سوريا إلى مقدمة المشهد الوطني والإقليمي، في أعقاب تطور الثورة السورية/ التي انطلقت في آذار 2011. قرر بشار الأسد، بتاريخ 19 تموز 2012، سحب قواته جزئياً من شمال سوريا، مما ساهم في ظهور حالة استقلالية، بحكم الأمر الواقع، والذي نجح في غضون عامين بالكاد في أن يصبح مؤسسياً ويضمن استدامته في سياق عنف شامل. من ناحية أخرى، تم محو الحدود بين سوريا والعراق جزئياً بسبب ظهور جهة أخرى عابرة للحدود هي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي استفاد من الفوضى السائدة في سوريا لاستعادة كل شيء. بقوة أكبر في العراق لدرجة تهدد بقاء الحكومة في بغداد. بالإضافة إلى ذلك، يهاجم داعش الآن المقاتلين الكرد في شمال سوريا وشمال العراق، مما يعرض للخطر المكاسب الإقليمية والسياسية الكردية التي تحققت على مدى العقدين الماضيين.).
أردوغان ونصب عينيه كيفية جعْل لوزان حقيقة راسخة في التاريخ ومؤبدة، لم يدخر جهداً في هذا المضمار، كما هي جملة المناورات في الداخل “مع الكرد أنفسهم” وخلف الحدود المجزأة، وإقليمياً ومحلياً، ورفع نصاب ما هو ديني إلى أعلى مستوى له “تلقين أتباعه من الداخلين في حربه، ومرتزقته، كيفية حفظ سورة “الفتح” لحظة غزو “عفرين” السورة التي قرأها أسلافه في غزو الآخرين، ودلالة هذه السورة، في ركاب صدام حسين، والأنفال، وكيفية تسخيرها في حرب الإبادة ضد الكرد، وهذا التركيز على الكرد من قبل متقاسمي وطنهم، والمستبدين بهم، بدعوى أنهم كفار، أو عصاة، وعبدة الشيطان… إلخ، كيف يجري تفسير ذلك، تحت راية تعبوية غيبية، راية “الله أكبر” الإسلاموية، والهزائم المنكرة التي تعرض لها شراذمة “داعش”؟
بعملية حسابية ومنطقية بسيطة، إذا كان هؤلاء كفاراً ومن أتباع الشيطان، كيف ينتصرون على من يزعمون أنهم يؤمنون بالله الواحد الأحد، رب السموات والأرض؟ يا للسياسة الماضية إلى حتفها ومن يمثلها!
ثمة شهادة يدلي بها سلمان رشدي وهو يتحدث عن باموق المطارد من نظام بلده، وذلك في مقاله: جرائم الهوية في تركيا Délit d’identité en Turquie,25-11-2005
(تجاذبت أطراف الحديث مع باموق خلال مهرجان أدبي في تموز الماضي في مدينة باراتي الساحلية البرازيلية الجميلة. خلال تلك الأيام القليلة، بدا متهورًا على الرغم من التهديدات بالقتل في وقت سابق من العام من قبل القوميين الأتراك المتطرفين (قال أحدهم: “لا ينبغي السماح له بالتنفس”) التي أجبرته على المنفى لمدة شهرين. لكن السماء التي فوقه كانت تبدأ بالظلام. إن تصريحه للصحيفة السويسرية: مؤشر اليوم Tagesanzeiger في 6 شباط 2005 ، الذي أثار غضب القوميين المتطرفين، لم ينته من التسبب في مشاكل له.
وصرح للصحيفة السويسرية بأن “30 ألف كردي ومليون أرمني قتلوا في تركيا. بصرف النظر عني، لا يكاد أحد يجرؤ على طرح هذه الحقائق”. كان باموق يشير إلى المذابح التي ارتكبتها القوات العثمانية لآلاف الأرمن بين عامي 1915 و 1917. ولا تجادل تركيا في وقوع وفيات، لكنها ترفض مصطلح الإبادة الجماعية. إن الضحايا “الثلاثين ألف” الذين أشار إليهم باموق هم ضحايا الصراع المندلع منذ عام 1984 بين الدولة التركية والمقاتلين الكرد.
يمكن المضي في هذا المنحى كثيراً، لأن لدينا تاريخاً ماراتونياً، وما حاولنا النظر فيه، هو الخط الجيوستراتيجي بطابعه الزلزالي الذي يتوضع أسفل لوزان، بالمعنى المجازي، حيث إن لوزان لا يمكنها تأكيد ضمان بقاء المعاهدة الموقعة باسمها، كما يريد ساسة الترك، ومن هم شركاء الترك في استمرارية عنفهم المشترك والموروث ضد الكرد وغير الكرد ممن يمتلكون إثباتات أنهم في الأصل شعوب أعرق من الترك أنفسهم، وغيرهم، جزئياً أو أكثر: اليونان، البلوش، الأرمن، السريان …إلخ.
يعني أن لوزان التي لا تعرف الكردية، تكتشف مع الزمن أن ذلك يسجَّل عليها. أن يكون تعلّم لغة الآخر إلزاماً، غير وارد إنسانياً، أما أن يُرى حامل اللغة هذه، في قوام شعب كامل، ممثَّلاً فيه: دماً مسفوكاً، وجهاً مطلوباً، هوية مغيبة، إهدار حقوق، وتجاهل تاريخ وجغرافية… إلخ، ففي ذلك يستحيل التبرؤ من المسؤولية.
نعم، ستستمر لوزان بنسخة المعاهدة، لكن الزمن، كما هو الشاهد راهناً، يشير إلى أن صلاحية بقائها بكامل محتوياتها، أو كما هو موقّع عليها من الأطراف المختلفة، تفقد قيمتها مع الزمن.. أرى أن “لوزان” وإن كانت لا تعرف الكردية، كما يجب، لكنها على بيّنة أنها لغة شعب، وباتت تحيط به علماً. كيف ستبرىء ذمتها؟





