• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

25 يونيو 2026
التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

مدينة حلب في مشهد من البوابة الرئيسية للقلعة | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سامي الكيال

تشكّل “الأسطورة” مبحثاً أساسياً في النظرية السياسية المعاصرة، وموضوعاً لجدل كبير بين مختلف تياراتها، مع ميل عام إلى تجاوز الطروحات التي تنتقص من قيمة الأسطورة، أو تفترض “سياسة عقلانية” تامّة. وعموماً الأسطورة ليست نقيضاً للعقلانية، أو الصدق، وبالتأكيد ليست مرادفاً للخرافة، وإنما سرد أو تصوّر ذو طابع تأسيسي، يتمتع بالتكثيف الرمزي، وقادر على الاستثارة الفكرية والعاطفية والانفعالية، ما يجعله محفّزاً للإرادة الجماعية، ويقدّم إجابات عن أسئلة التكوين، والأصل، والمثال، ولكنّ طروحاته لا يجب أن تُعامل بمبادئ التحقّق الاعتيادية، أي معايير الصدق والكذب الصارمة، فمثل كل رواية أو صورة سيحوي بالتأكيد تكثيفاً، وانتقاءً، وتضخيماً، وتهويناً، وغيرها من الآليات السردية والتشكيلية الضرورية لإنتاج المعنى. قد يتمرّد الناس على إحدى أساطيرهم المؤسِّسة، ويعدلونها أو يتجاوزونها، ولكن هذا لن يعني أنهم سيعيشون في عالمٍ خالٍ من الأساطير، فسرعان ما سينتجون سرداً جديداً عن الذات والعالم، يكتسب تدريجياً سمات الأسطورة. بهذا المعنى فلا توجد مجتمعات بشرية بلا أساطير، فهي أحد الأساليب الأساسية لإنتاج تماسك الجماعة والذات، وضمان استمراره، والإجابة على أكثر الأسئلة بساطة وحسماً في الوقت نفسه: لماذا نعيش معاً؟ وما معنى وجودنا المشترك؟ وما أصل ومبرر أنماط حياتنا وقواعدها؟ وإلى أين يجب أن نتوجّه؟ التفكير بعالم يجيب فيه العلم والعقل وحدهما عن هذه الأسئلة بشكل كافٍ ومُحرّك للبشر هو تفكير أسطوري في نهاية المطاف، يؤسطر العلم والعقل نفسيهما، ولا يمكن وصفه بالتفكير “العلمي”، لأنه لا يأخذ في الاعتبار حدود العقلانية والتجريبيّة العلمية نفسها. عملياً، لم يتوقف البشر عن صناعة الأساطير، منذ الأشكال الطوطمية والفيتيشية الأولى، وحتى الأساطير المعاصرة، التي تنشأ في السياسة والأسواق ووسائل الإعلام، بما فيها النزعة العلموية.

ربما كان آخر المدافعين الكبار عن السياسة العقلانية الليبرالية هو المفكر الأميركي جون رولز، في نظريته الشهيرة عن العدالة، حين افترض معايير عقلانية لإدارة النظام الاجتماعي من خلف “حجاب الجهل”، أي أن يتعقّل الأفراد الشروط الأكثر مناسبة للنظام بأكمله، بتعامٍ وتجريد نظري مقصود، لا يأخذ بعين الاعتبار الموقع الاجتماعي، والطبقة، والجنس، والعرق، وغيرها من التحديدات التي تنتج الذات الاجتماعية. هذا التجريد، الذي يتخيّل فيه المرء النظام الأفضل، بوصفه كليّةً لكل أفراده، بغض النظر عن موقعه الشخصي فيه، هو التأسيس الفلسفي الممكن للعدالة الليبرالية، وتجاوز للأساطير المحرّكة للصراعات الاجتماعية، التي لا ترى إلا الذات السياسية لفاعليها.

إلا أن هذه النظرية، التي هيمنت على الفكر السياسي الأنجلوساكسوني لفترة، سرعان ما تعرّضت لانتقادات كثيرة، وأدت لظهور تيار نقدي كامل عُرف باسم “الجماعاتية” Communitarianism، الذي انتقد مفهوم الفرد العقلاني المنعزل، القادر على التجريد العقلاني، والحكم من خلف “حجاب الجهل”، للوصول إلى الإنصاف، وركّز على الهوية والثقافة والجماعة، التي تحدد الشروط الأولية لوجود الفرد، وقدرته الأساسية على الحكم، كما أولى أهمية بالغة لـ”الاعتراف”، أي نيل الأفراد للاعتراف المجتمعي والرسمي بهوياتهم ومواقعهم وميولهم ومصالحهم. رولز نفسه استوعب الانتقادات الكثيرة في أعماله المتأخرة، وصار أكثر تفهماً لتعقيد الصراعات الاجتماعية والثقافية، ودورها في إنتاج القيم، والعقلانية نفسها، هكذا انتقلت الليبرالية المعاصرة بالتدريج من التجريد الفرداني العقلاني، إلى الهوياتية والمطالبة بالاعتراف، ولم يعد بإمكانها تجاهل الأساطير المرتبطة بهما، أو إخفائها وراء حجاب.

من منظور فلسفي آخر، عمل يورغن هابرماس على نظريته في “الوطنية الدستورية” Verfassungspatriotismus، التي يمكن أن تتجاوز الأساطير السياسية، التي دفعت أوروبا ثمنها غالياً، مركّزاً على الفضاء التواصلي، الذي تؤمّنه المؤسسات الدستورية، والذي يسمح للبشر، على اختلاف مواقعهم، تداول المعايير والجدل حولها، وصولاً إلى إنتاج رابطة على أساس الانتماء لتقاليد الحيز العام الحر ومؤسساته. إلا أن هابرماس أعقد وأكثر نقديّة من أن يظن أنه تجاوز الأساطير، أو من أن يقلل من أهمية الأسطورة في الفكر الإنساني، وضرورة ترجمة “الحقيقة” التي تحويها إلى لغة يفهمها كل المشاركين في الحيز العام، تساهم في إنتاج معاييرهم وقيمهم الاجتماعية والسياسية. فضلاً عن هذا فهو دعا إلى “وطنية” في نهاية المطاف، أي مشتركاً يقوم على الانتماء والارتباط العاطفي، ويعطي المعنى العمومي للعيش المشترك، بناء على روابط لا تخلو من سرد متفق عليه اجتماعياً. وقد كان مدافعاً في فلسفته وسلوكه السياسي عن روايات كبرى، على رأسها الحداثة والعقلانية نفسيهما، اللتان اعتبرهما مشروعاً تاريخياً غير مكتمل، لا يزال لديه ما يقوله في الفضاء التواصلي المحلي المدستر، وأيضاً العالمي؛ وكذلك عمل على جعل مبادئ، مثل تجاوز مآسي الماضي النازي، واستثنائية الهولوكوست، بوصفه حدثاً تاريخياً مؤسِّساً غير قابل للمقارنة، في صدارة الذات الألمانية المعاصرة، بل وأسطورة مؤسسة للجمهورية الاتحادية الألمانية. ما سعى إليه هابرماس فعلياً هو “أساطير مخفّفة”، قابلة للتفاوض والتعديل وإعادة البناء، وليس أساطير ثقيلة تسحق البشر، وتحوّلهم إلى أدوات لها.

من زاوية الفكر الجمهوري، حاول المفكر الإيرلندي فيليب بيتيت إعادة بناء المبادئ الجمهورية على أساس تعريف مكثّف للحريّة: عدم الخضوع للهيمنة. أي لا يكفي أن يكون مواطنو المتحد الجمهوري غير خاضعين للقمع المباشر، بل يجب أن يُبنى الشرط الجمهوري على أساس الحد من إمكانيات وشروط إنتاج الهيمنة السلطوية. وبالتالي فإن كل المبادئ التي تميّز الفكر الجمهوري، ومنها مفهوم “المصلحة العامة”، و”الفضيلة المدنيّة”، والثقافة العلمانية الداعمة للفكر النقدي، والرقابة الشعبيّة، يجب أن تتجه نحو التحرر الشامل، وهكذا يكون الجواب على أسئلة مثل “من نحن؟” و”لماذا نحن هنا معاً؟” يحمل سمات أسطورية لا يمكن تجاهلها، مثل “نحن مجتمع أحرار متساوين، نحمي بعضنا من الهيمنة، عبر مؤسسات قابلة للمساءلة، تحمل روح الفضيلة والشجاعة المدنيّة، استناداً إلى تراث المناضلين والمفكرين الأحرار”. وعموماً يصعب أن نجد فكراً معاصراً اتسم بالرموز الأسطورية البرّاقة، وإحياء الأساطير السياسية من الحقب الرومانية والإغريقية، أكثر من الفكر الجمهوري، وذلك منذ تأسيسه الأكثر راديكالية مع الثورة الفرنسية.

هذه العلاقة المتوترة مع الأسطورة السياسية، والتي تشمل الاعتراف بضرورتها، وتجذرها في الوعي الإنساني من جهة، ومحاولة تقييدها، وإنتاج فضاء مؤسساتي ودستوري وحقوقي ينزع قمعيتها من جهة أخرى، موجودة في التيارات الأكثر احتفاءً بالديمقراطية الغربية المعاصرة، مثل الليبرالية والجمهورية والنظرية النقدية والنزعة الدستورية، فما بالك باليسار الراديكالي، الذي أعاد إحياء أهمية الأسطورة، كما نجدها لدى مفكرين مناهضين لليبرالية، بل ومؤثرين في الفاشية، مثل كارل شميت وجورج سوريل، وهو ما نراه بوضوح لدى أرنستو لاكلاو وشانتال موف وتيار “الشعبوية اليسارية” عموماً، الذي دعا لإنتاج أساطير لائتلاف متعدد الفئات والمطالب، هو “الشعب”، الذي يقوم على ثنائية “نحن” و”هم” (أعداء الشعب)، ويصوغ “دوال الهيمنة” الخاصة به، أي رموزاً تجسّد وتكثّف بذاتها تعددية المطالب والذوات الحاملة لها. أيضاً نرى ذلك لدى أنطونيو نيغري، الذي تحدّث عن ضرورة مفهوم “الأسطورة الحيوية”  لدى جورج سوريل، في التحركات الاجتماعية ضد “الإمبراطورية”. والأسطورة الحيوية تعني الصورة الذهنية، القادرة على تحريك الإرادة الجماعية، وتنتج التضامن عبر العاطفة والصراع، وهي قوة حيّوية تولّد الفعل، وليست مفهوماً متعالياً جامداً.

باختصار، مفاهيم مثل المواطنة، والحريات العامة، والحقوق الفردية والجماعية، بل حتى العلمانية، لا يمكنها أن تكون بديلاً عن الأسطورة المؤسسة، فهي تعالج مجالاً آخر أصلاً، هو العقد الاجتماعي والقوانين والقواعد العامة، ولكنها لا تجيب عن أسئلة الوجود الاجتماعي والحضور التاريخي والذات السياسية، ولذلك لم توجد يوماً دولة لم تبن أسطورتها، مهما كانت بعيدة عن الأيديولوجيات التي توصف بالشمولية، مثل الشيوعية والفاشية والقومية المتطرفة، ففي أميركا لدينا أسطورة الثورة الدستورية والآباء المؤسسين و”الحلم الأميركي”؛ وفي ألمانيا أسطورة تجاوز الماضي النازي والهولوكوست، نحو مستقبل يقوم على الازدهار؛ أما فرنسا فقد نشرت أسطورة الثورة والجمهورية عالمياً؛ في حين صدّرت بريطانيا أسطورتها بوصفها إمبراطورية متعددة، جمعت احترام التقليد والخصوصية والتدرّج التاريخي، مع أقصى درجات الحداثة والحريات الاجتماعية، وهذه الأساطير هي معنى أن تكون أميركياً أو ألمانياً أو فرنسياً أو بريطانياً، وعضواً في المتحدات السياسية والدستورية لتلك الدول، وبدونها لن يعود للدساتير والحقوق، والانتماء إليها، أي معنى سياسي أو اجتماعي، وتفقد الجماعة تماسكها. ومهما ظهرت حركات اجتماعية وثقافية مشككة بالأسطورة، بل وساخرة منها، تستطيع الأساطير القائمة استيعابها، وتدمجها فيها، بل وتعتبر مجرد وجودها دلالة على رحابتها، والفضاءات الفكرية التي تتيحها. عموماً لا تزال الأساطير الغربية الأساسية قادرة على الصمود، بل والتمدد في أحيان كثيرة، وتتمتع بالحد الأدنى من القدرة على التكيّف وتعديل الذات، مبقيةً معظم الصراعات على السرد والرواية في إطارها العام الأوسع.

سوريا ليست استثناءً من ضرورة الأسطورة السياسية، فهي بالنهاية بقعة جغرافية تجمع مجموعات سكّانية شديدة التعقيد والاختلاف، وتبدو حدودها اعتباطية إلى حد كبير، ولا بد من البحث عن علّة ما لجمع كل هؤلاء البشر، ضمن هذه الحدود، وإيجاد مشترك ما بينهم، وهو السؤال الذي يبدو أن السوريين قد عجزوا عبر تاريخهم عن تقديم إجابة مقنعة له، وغالباً ما سعوا إلى تجاوزه نحو ما هو أكبر: أمة عربية برسالة خالدة، تجمع اثنتين وعشرين دولة، بمئات ملايين السكّان؛ أو معارك تاريخية كبرى ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية؛ أو “الإسلام” الذي سيعود لسابق عهده، ويؤستذ على العالم. وهي أساطير مؤسسة، ربما كانت فعّالة في حقب تاريخية ما، رغم كل قمعيتها، بل وحتى استئصاليتها للشعوب التي لم تجد لها مكاناً ضمن “الأمة”، مثل الكرد واليهود وغيرهم، إلا أنها لم تعد مقنعة اليوم، ولم يعد بإمكانها أن تحقق الحد الأدنى من الإجماع، وإنتاج “شعب” الأمة.

هل يمكن لهذه الكتل السكانية الاستمرار معاً بغياب أسطورة مقنعة؟ أم أن الأوان قد فات لتأسيس “أسطورة سورية” بعد عقود من الصراعات الدموية والحروب الأهلية؟ وأي نمط ممكن من السلطة والخطاب بين شتات بشري، عاجز عن إيجاد مشتركاته، والإجابة عن أسئلته التأسيسية الأكثر حيوية؟

مجالات أسطورية

يجب التمييز بين مفهوم “الأسطورة السياسية” ومفاهيم أخرى مقاربة، تمتزج معها، وتساهم في تشكيلها، وعلى رأسها “الذاكرة الجماعية”، و”السرد المؤسِّس”، و”الهوية”. فالذاكرة الجماعية هي مجموعة من الأحداث والشخصيات والتقاليد والأوضاع التاريخية، المُتناقلة بين البشر، والمُتصارع عليها بينهم، فيصبح التذكّر، وكيفيته، وتفاصيله، وكذلك النسيان أو التناسي، موضوعاً سياسياً شديد الإشكالية. وهنا تلعب الدول والحركات السياسية والثقافية دوراً أساسياً في إعادة إنتاج الذاكرة الجماعية، عبر سرد مؤسِّس، يصوغ رواية متكاملة، ومنطقية، وذات معنى واضح، تحدد ما يجب تذكره فعلاً، وما يجب التركيز عليه، وماذا علينا أن ننسى أو نتجاهل، وكيف نرتب الأحداث، ونضخّمها أو نهونها. ولكن ليس كل سرد أسطورة، فقد يكون السرد مجرد رواية منظّمة لتثبيت منظور معيّن عن الحدث التاريخي، أما الأسطورة فهي إطار عام يمنح المعنى التأسيسي والتكويني، الأعلى والأكثر اتساقاً وتكاملاً، لوجود المجتمعات التي تتقاسم الذاكرة والسرد التاريخي. مثلاً يمكن اعتبار القصة المعيارية عن التحرر الوطني العربي من الاستعمار الأوروبي سرداً مؤسِّساً، أما القول بأمة عربية وجدت بشكل غير منقطع عبر التاريخ، ولديها رسالة، لا تصل إلى تحققها إلا بتحطيم الاستعمار العالمي، فتلك هي الأسطورة. وفي الختام تكون “الهوية” السياسية نتيجة لتنظيم الذاكرة عبر السرد، وإكساب السرد معنىً تكوينياً عبر الأسطورة، إذ تصبح لدينا عناصر متكاملة للإجابة عن أسئلة الهوية، وفي مقدمتها سؤال: “من نحن؟”، نعتبرها ما يميزنا عن الآخر، وما ننظم على أسسه حياتنا. بالعودة إلى جورج سوريل فهو قد ركّز بالعمق على حيوية الأسطورة، كي لا تضيع وتتجمد بمفاهيم السرد والهوية والذاكرة، إذ يجب أن تبقى الأسطورة، بحسبه، قوّة خلّاقة، غير متجمدة في ماهية ثابتة، وصورة ذهنية مؤثّرة وجدانياً أكثر من كونها قصة، ما يكسبها القدرة الفيّاضة على التأثير والحشد وشحذ الإرادة.

في سوريا توجد ذاكرة مشتركة بالفعل، وهي شديدة الإيلام والدموية، إذ لدى كل مجموعة، وربما كل فرد، ذكريات عن انتهاكات، ومظالم، ومجازر، وتهديدات وجودية من الآخر، وشعور بالظلم من جهة، وبالاستحقاقية والتفوّق من جهة أخرى، إذ غالباً ما يؤوّل الظلم في الذاكرة الجماعية بوصفه نتيجة لتفوّق ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، كان لا بد من كبحه وإلغائه من قبل الآخر/العدو، الذي هو دائماً أدنى، وإن كان يكتسب أحياناً سمات خارقة، من جهة قدرته على التآمر والتدمير والشر.

فيما مضى تم إنشاء سرد تأسيسي للتعاطي مع الذاكرة السورية الدموية، انبنى على فكرة التحرر العربي من الاحتلال العثماني ومآسيه، ومن ثم الاصطدام بالاستعمار الأوروبي، والنضال ضده، وصولاً إلى الاستقلال، ثم اغتصاب الصهاينة لفلسطين، والحرب ضدهم، وصولاً إلى التحرير، وهي حرب تحمل أبعاداً كونية، إذ إنها مواجهة مع كامل المنظومة الاستعمارية العالمية، ويجب حشد المجتمع في إطار هذه المعركة التاريخية، وتجاوز آثار أية هزيمة. ما أنتج هوية عربية، سوريا في قلبها، بوصفها قطراً طليعياً في العروبة، ومواجهة الاستعمار والصهيونية. أما الصراعات الداخلية فهي فتن أنتجها التخلف العثماني، والاستعمار الغربي، والمؤامرة الصهيونية، والاقتتال الداخلي ليس إلا جانباً من معركة التحرير الكبرى، التي لا تقتصر على مواجهة أعداء الخارج، بل تدمير أعداء الداخل أيضاً، وربما قبل التفرّغ للمعركة مع العدو الخارجي.

أنتج كل هذا هوية عربية/إسلامية، تقوم على صهر جميع “المكونات” فيها، وإلغاء أي وجود مستقل خارجها، فالمسيحيون اعتبروا “مسلمين ثقافياً”، وموافقين تماماً على الامتياز العربي الإسلامي، باعتباره العنصر الأول للهوية الجامعة؛ أما غير العرب فهم شعوب عربية نسيت أصولها ولغتها، أو وافدون من بلدان وأمم أخرى، وليسوا أكثر من ضيوف على العرب؛ فيما تم ترسيخ أسلمة كل الأديان والطوائف غير المعيارية، مثل العلوية والدرزية؛ أما الوجود اليهودي فقد اعتُبر كأنه لم يكن، أو طابوراً خامساً داخل الأمة، ظهرت نواياه الشريرة مع بروز الصهيونية. أو في أفضل الأحيان، اعتُبر اليهود أفراداً غرّرت بهم الصهيونية والإمبريالية، ودفعتهم لرفض العيش داخل الأمة العربية، التي احتضنتهم دائماً، رغم عدم انتمائهم وخبثهم.

الأسطورة السورية كانت “الأمة” غير المنقطعة عبر التاريخ، والتي رغم كل ما تعرّضت له من عثرات وهزائم، ستسترجع ماضيها المجيد، وهي أسطورة جمعت بين القوميين العرب والإسلاميين، مع الاختلاف على الأولوية في التركيز: هل هي عربية قبل أن تكون إسلامية، أم أن العروبة تفصيل جانبي في إسلامية الأمة؟ لا يعني هذا أن القوميين لم يكونوا إسلاميين، من زاوية إدراكهم لدور الإسلام التوحيدي، وقدرته على حشد الجماهير في معارك الأمة، والموافقة على امتيازه التشريعي والثقافي؛ كما لا يعني أن الإسلاميين نجحوا بتجاوز المنظور القومي العربي تماماً، في تعاطيهم مع القضايا غير العربية، مثل المسألة الكردية والأمازيغية، فهم ظلوا دائماً رافضين للاعتراف بتمايز وأحقية قضايا الشعوب المسلمة غير العربية.

السرد القومي/الإسلامي لم يعد اليوم مقنعاً أو جامعاً، إذ لا اتفاق على أي شيء، لا الموقف من الدولة العثمانية، ولا الاحتلال الأجنبي، ولا الكيان الوطني السوري، ولا حتى القضية الفلسطينية، التي فقدت كثيراً من قدرتها التعبوية بين السوريين على وجه الخصوص؛ أما الهوية فلم تعد جامعة، وتخلّت عنها فئات كثيرة، كان وجودها عضوياً في إظهار شمولية الذات القومية، إذ ما معنى قومية عربية بدون مسيحيين وعلويين ودروز؟ وما معنى حضارة إسلامية، صارت تُعتبر بين كثير من الأقليات اعتداء تاريخياً ممتداً على الحياة والوجود؟ وماذا تبقّى من كيان سوري، لا يستطيع تقديم معنى لوجوده، إلا عبارات إنشائية عن الوحدة والتسامح والمحبة، صارت غالباً مثاراً للسخرية والتهكّم، وربما لا يأخذها حتى مرددوها على محمل الجد؟

لا يوجد اليوم أي شكل من أشكال الأسطورة السورية، حتى لو كانت قومية عربية أو إسلامية، يوجد سرد فقط عن “ثورة”، قامت بسبب “مظلومية سنيّة من النظام العلوي”، وأنتجت “حكم أكثرية بعد تسلّط الأقليات”، ومن الواضح أن سرداً كهذا لا يمكن أن يكون جامعاً، وأكثر رثاثة من أن ينتج أسطورة مؤسِّسة، إذ لا يمكن أن تكون الأسطورة مجرد رغبات في الانتقام والإذلال وإعادة إنتاج ممارسات النظام المُتخيّلة، ولكن هذه المرة بيد من انتصروا عليه. يبدو أن البنى القائمة في سوريا اليوم أعجز من أن تقوم بالسرد، أو تخلق الأسطورة، أو تنتج الهوية. ولكنْ، إلى أين ستؤدي كل هذه الرثاثة؟

أيديولوجيا التحريض الدائم

غالباً ما يعتبر التحريض الطائفي والإثني الحالي في سوريا نتيجة تطرّف أو انحراف عن الوطنية الصحيحة، وعلى السلطة، إن أرادت الاستمرار، أن تحدّ منه. إلا أن هذا التصوّر لا يأخذ بعين الاعتبار بنيوية التحريض في خطاب الميليشيات الحاكمة. فـ”الأمة” التي كانت عربية/إسلامية، لم تعد شعاراً جامعاً، يدرج فئات متعددة فيه، ضمن هرمية امتياز معينة، بل تفتتت لتصبح انتصاراً لمجموعة واحدة، هي “السنّة”، على كل من عداها. وبات الدخول في الأمة يعني القبول بحكم السنة، والخضوع لكل أطواره وتقلباته، والتنازل التام عن أي مطالبة بحقوق أو مشاركة، لأن مجرد بقاء غير السنة على قيد الحياة هو منّة منهم بعد انتصارهم، ولذلك فالمعادلة: الخضوع للأمة لتجنّب الإبادة. فيما الماضي هو “مظلومية”، سببتها محاولات الأقليات لمنع السنة من اتخاذ موقعهم الطبيعي، بوصفهم مسيطرين وحاكمين، يتحكّمون بشؤون حياة وموت غيرهم، وفق ما يُفترض أنه شرعهم وثقافتهم.

 أيضاً “السنة” ليسوا حتى مذهباً دينياً جامعاً، فهم لا يعترفون بحقوق مسلمين سنّة آخرين، هم الكرد، ولا يتورعون عن التحريض عليهم، بل والدعوة لإبادتهم، أو تمجيد حوادت تطهير عرقي تعرضوا لها، مثل الهجوم على عفرين. “الأمة” التي نتحدث عنها إذن أقل حتى من مذهب ديني، إنها خليط من التطرف الطائفي والقومي والإثني. ومجدداً، هذا أقل من سرد، وأقل من هوية وطنية، وبالتأكيد، أقل بكثير من أسطورة جامعة.

وإذا كانت الميليشيات المسيطرة، وجمهورها، قد بنت خطابها على هكذا تصور للحدث التاريخي والأمة، فهي قد أحاطت نفسها بـ”أعداء الأمة”، وهم العلويون أولاً، ثم بقية الأقليات، والكرد بوصفهم شعباً متمايزاً، وبالتأكيد كل من لا يتطابقون مع التصور النموذجي لابن “الأمة السنية”، ما سيؤدي إلى “أقللة السنة” أنفسهم، أي تحويل مناطق ومجموعات منهم بالتدريج إلى “أشباه أقليات”.

ضمن هكذا شرط، فإن التحريض الدائم ليس مجرد “خطأ” يمكن تجاوزه أو مكافحته، بل هو “السلطة” نفسها، وطريقة فهمها لحضورها السياسي والاجتماعي، كما أنه ليس مجرّد محاولة لحرف الأنظار عن فشل السلطة أو رثاثتها، بل فعاليتها الأساسية، وطريقة تعاطيها مع المشكلات والصراعات الاجتماعية. إنه مكوّن “أصيل”، وجامع للميليشيات وأنصارها، ويؤمّن تماسك ائتلافها، وشبكات الولاء والتبعية الخاصة بها، وقد يكوّن أسطورتها الخاصة (الأمة السنيّة، المتفوّقة والمظلومة، التي ستنصب الأبراج والصواريخ، بعد قضائها على أعدائها، وتستعيد أمجادها)، إلا أنه لا يمكن أن يصير أسطورة سورية.

ولكن هل نحتاج إلى أسطورة سورية حقاً؟ ربما لا معنى لذلك أصلاً، ليس فقط بسبب كل ما حدث في السنوات الماضية، بل لأن انحلال الأمة العربية/الإسلامية، التي قامت عليها الأسطورة السورية السابقة، هو ما أدى إلى نمط “الأمة” الحالية، فقد كان الامتياز العربي الإسلامي في القلب من تلك الأسطورة، وهو يفترض بشكل ضمني أن المسلمين العرب “الحقيقيين”، أي السنة العرب، هم “جسم الأمة”، ومكونها الأساسي، وبالتالي فإن الانحلال باتجاه الطائفية والتحريض متضمّن في قلب الأسطورة السورية. وربما لم يكن الوصول إلى النتيجة الحالية حتمياً، ولكن إعادة ترميم القومية العربية/الإسلامية، بعد أن وصلت إلى هنا، يبدو أمراً عبثياً، فهل من المطلوب مثلاً أن يعود المسيحيون ليزاودوا في العروبة، أو أن يسعى العلويون بإلحاح لإثبات إسلامهم؟

قد يقودنا هذا إلى سؤال آخر: هل يمكن أن توجد أسطورة سورية بعيدة عن القومية العربية/الإسلامية؟ يرى البعض أن هذا ممكن، ولكن ماذا سيكون معنى “سوريا” عندها؟ رأينا أن المواطنة والحقوق والعلمانية وحدها لا تجيب عن سؤال المعنى والهوية والسرد التاريخي، ولا تفسّر السبب الذي يلزم هذه الكتل السكانية بالعيش سوية.

ربما يكون الأنسب البحث عن معنى ما بعد سوري، أي صيغاً للتعايش على أساس الاعتراف المتبادل، والحماية من الاعتداء والهيمنة، والخروج من الأمة الأحادية الاستئصالية، وذلك تحت ضغط الرغبة بأن لا تتكرر المآسي. إلا أن هذه الصيغ لا يمكن أن تستمر إلا بإعادة تنظيم الذاكرة الجماعية الدموية؛ وتجاوز السرد القومي والإسلامي، وكذلك السرد الطائفي التبسيطي العائد لـ”الثورة السورية”؛ وكل هذا يجب أن تدفعه أسطورة ما، وقد يكون الأنسب في حالتنا شعار :”لن يتكرر أبداً” الشهير، وهو يقوم على الاعتراف أولاً بالماضي الدموي، والجرائم التي سببها نمطنا القومي والديني، الذي ساد منذ نشأة “الأمة”، والإبادات التي ارتكبناها؛ وثانياً تحميل الأجيال الحالية والجديدة مسؤولية عدم التكرار. المعنى المؤسطر هنا: وجودنا معاً مبرَّر، إذا استطعنا بوعي تجاوز المآسي التي خلقناها، ونجحنا بإدارة الحياة، والسماح بازدهارها، رغم التركة التاريخية الثقيلة. نحن لم نعد أنفسنا، بل في صيرورة لتجاوزها، وتلك الصيرورة هي ما تجعلنا “ما بعد سوريين”، ويمكنها أن تعطينا وعداً بالمستقبل.

Tags: أزمة الحكم في سورياأزمة الدولة القوميةأزمة الهوية السوريةمحمد سامي الكيال




آخر المنشورات

التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

التحريض البنيوي: ما نتائج العيش دون “أسطورة سورية”؟

25 يونيو 2026

محمد سامي الكيال تشكّل "الأسطورة" مبحثاً أساسياً في النظرية السياسية المعاصرة، وموضوعاً لجدل كبير بين...

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

حرائق الصعود الإقليمي في الشرق الأوسط

22 يونيو 2026

محمد سيد رصاص  لم يؤدِّ الانفجار اللبناني في يوم 13 نيسان/ أبريل 1975الذي أخذ شكل...

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

مرايا فرساي: قراءة في إطار التفاوض بين واشنطن وطهران

19 يونيو 2026

د.عقيل سعيد محفوض الملخص التنفيذي تستعير هذه القراءة عدسة المؤرخ الفرنسي جاك بانفيل في نقده...

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

قراءة في بنود الاتفاق.. إيران تعود إلى «ويستفاليا» بصواريخها وحلفائها

17 يونيو 2026

وحدة الدراسات الإيرانية بنت إدارة ترامب وحكومة نتانياهو مقاربة مشتركة تجاه إيران والتي توجه بشن...

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

البنود الكاملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران

17 يونيو 2026

المركز الكردي للدراسات  لم تنشر إدارة ترامب حتى الآن اتفاقها مع إيران لإنهاء الحرب، لكن...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية