حسين جمو
لم يكن قد مضى يومان على انطلاق حملة جديدة لمكافحة الفساد في العراق، حتى كان القائد السابق للقوات الأميركية في العراق، ديفيد بترايوس، قد نشر مقاله في صحيفة واشنطن بوست معتبراً فيه على نحو سريع – وللمفارقة قبل ظهور نتيجة كبيرة – أن الحملة واحدة من أهم التطورات السياسية في البلاد منذ سنوات: عودة سلطة الدولة العراقية.
لم يفت بترايوس أن الحملة ليست جديدة من نوعها، لكنه أضفى نوعاً من الاستثناء عليها بسبب «احتمال أن تكون مؤسسات الدولة الرئيسية في العراق — القضاء، ومكتب رئيس الوزراء، وأكثر الأجهزة الأمنية احترافاً في البلاد — تتحرك معاً لإعادة تثبيت سيطرة الدولة».
على امتداد معظم العقدين الماضيين، نظر صانعو السياسة في الولايات المتحدة إلى العراق في المقام الأول باعتباره مشكلة ينبغي إدارتها. أما اليوم، فيمكنهم أن يبدأوا بطرح سؤال مختلف: هل أصبح العراق أخيراً مهماً استراتيجياً بذاته؟
بترايوس، المتمرس الذي ترأس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) قبل أن يستقيل بسبب اطلاع صديقته على مراسلات سرية، يقرأ حملة العراق الجديدة في أجواء إقليمية مضطربة، وهو يأمل أن يكون العراق قادراً على استغلال الفرصة من هذا الاضطراب حيث تبدل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بصورة دراماتيكية خلال العامين الماضيين. ووفق تعبيره: «فقد تعرضت إيران لنكسات عسكرية مهمة. وضعف حزب الله بشكل كبير. وسقط نظام الأسد في سوريا. وبالتأكيد، لا تزال إيران قوة إقليمية شديدة التأثير، فهي تحتفظ بنفوذ سياسي كبير في العراق، وتواصل دعم شركاء مسلحين في أنحاء المنطقة، وتظهر قدرتها على فرض كلفة استراتيجية عبر الضغط البحري في مضيق هرمز. لكن التوازن الإقليمي بات أكثر سيولة، وفترات الاضطراب الاستراتيجي تخلق فرصاً للدول القادرة على استغلالها بمرونة. والعراق يملك الآن مثل هذه الفرصة».
وبطبيعة الحال، اسم بترايوس مطروح – وإن لم يكن رسمياً حتى الآن – لقيادة خطة أميركية لتفكيك ميليشيات الحشد الشعبي. وهي خطة، كغيرها، إذا صحّت، تنتمي إلى عالم المبعوث الإقليمي توم باراك الذي يتحرك في مساحة فراغ الفكر السياسي الأميركي في عهد ترامب ويحرث عبر عماله في أراضٍ مهجورة وفق نظام الالتزام العثماني؛ أن يجد قوياً في كل منطقة يجمع الضرائب بالطريقة التي يختارها هذا «القوي». وبالتأكيد لن تغيب أطروحة توم باراك من السياق، وهو «تسليم العراق إلى تركيا» (وهذا توصيف غير واقعي إنما استخدمته لمجاراة ثقافة باراك السياسية).
في كل الأحوال، وقبل الدخول في بعض تفاصيل حملة رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، فإن طبيعة السلطة وتركيبة بنائها في العراق وسوريا – على سبيل التخصيص هنا – توقع «دهاقنة العصر الترامبي» في أخطاء مركّبة. فافتراض أن شخصاً في بغداد يرتدي ربطة عنق ويقول في اجتماعات سرية مع الأميركيين أنه يريد التخلص من ميليشيات الحشد الشعبي، يجعل فريق الدهاقنة يستمعون بجدية إلى الأمر، وكأن البناء الميليشيوي في العراق حالة (ظاهرة) ضد الدولة في النسخة العراقية، وكأن الزيدي نفسه ليس نتاج هذا النظام القائم بميليشياته وتكنوقراطه.
ليس جديداً أن يعلن رئيس الوزراء حين يتسلم منصبه في العراق، إطلاق حملة لمكافحة الفساد. فمنذ بداية الحملات الانتخابية البرلمانية عام 2005 تُعدُّ مكافحة الفساد بنداً رئيسياً في البرامج السياسية، لكنها المرة الأولى التي يبدأ فيها رئيس وزراء عراقي حملة ميدانية عبر مداهمات وملاحقات علنية لقائمة المطلوبين بتهم فساد واختلاس أموال الدولة وبحجم أثار الفزع لدى من يعتقد أن الحملة ستشمله، وأثار ضجة على المستوى الدولي لأن خيوط الترابط بين ملفات الفساد والنفوذ الإقليمي، وخاصة الإيراني ليست خافية.
مصرفي ورجل أعمال
دخل علي فالح الزيدي رئاسة الوزراء في العراق من باب غير مألوف. فمسيرته متمحورة كونه رجل أعمال ومصارف، ومرشح تسوية داخل نظام سياسي لا ينفك يبحث عن شخصيات تسوية حتى تشتد الأزمة السياسية. لكن المصرفي جاء ليتخلص مبكراً من وظيفة “شخصية تسوية نزاع بين التيارات”، ليحاول بدء مسيرة تثبيت نفسه بدون وصاية سياسية من القوى التقليدية الراسخة، والتي استنفدت رصيدها الشعبي لكثرة وعودها غير المتحققة. مع عدم إغفال أن الرصيد الانتخابي المتدني لا يهم قوى مسلحة ترى وظيفتها أبعد من نيل رضا «العوام» فهي – وفق ما تعتقد – تحمي الحاكمية الشيعية في العراق التي تهددت وكادت تسقط في عام 2014.
بدت حملة الاعتقالات الأخيرة كأنها صولة أمنية وقضائية على شبكات فساد داخل الدولة. لكن معناها السياسي أعمق من ذلك. فهي أول امتحان حقيقي لرئيس وزراء، جاء إلى الحكم وسط انقسام داخلي، وضغط أميركي، وحذر إيراني، وخزينة عامة تتعرض لاستنزاف كبير بعد إغلاق مضيق هرمز واضطراب صادرات النفط العراقية.
رجل تسوية
ولد الزيدي في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وينحدر من محافظة ذي قار. وتقدمه المصادر القريبة من محيطه بوصفه حاصلاً على تأهيل في القانون والمال والمصارف، وعضواً في نقابة المحامين، قبل أن ينتقل إلى عالم الأعمال وإدارة المؤسسات المالية والتعليمية والطبية. وقد ارتبط اسمه سابقاً بمصرف الجنوب الإسلامي، المرتبط بالميليشيات التي يريد حلها، وبمؤسسات اقتصادية وتجارية واسعة، إضافة إلى حضوره في قطاعات الإعلام والتعليم والتجارة.
كيف سيحارب رئيس وزراء جاء بتفاهمات القوى نفسها التي صنعت الفساد؟
جاء صعود الزيدي إلى رئاسة الوزراء بعد أزمة طويلة داخل التحالف الحاكم «الإطار التنسيقي»، الذي بحث عن شخصية قادرة على تمرير الحكومة من دون تحطيم التوازنات الداخلية. وفي 14 مايو 2026، منح البرلمان الثقة لحكومته جزئياً، بعد التصويت على 14 وزيراً وتأجيل حقائب أخرى. ومنذ اللحظة الأولى، بدت حكومته محكومة بالتوازن في بلد لا يمنح رؤساء وزرائه ترف البدايات الهادئة.
لكن الزيدي حاول أن يصنع لنفسه عنواناً سريعاً: مكافحة الفساد. ومع حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت نواباً ومسؤولين وشخصيات مرتبطة بملفات النفط والمال العام، أعلن نقل المعركة إلى الميدان. فتحولت الوعود الأولى إلى مداهمات في المنطقة الخضراء، وأوامر قبض، وكشفٍ لشبكات يشتبه بأنها نهبت المال العام أو وظفته في السياسة والانتخابات والنفوذ.
حدود النفوذ والقانون
تكتسب هذه الحملة فرادتها من أنها تمس مناطق ظلت محمية لسنوات حيث تشكلت منظومة كاملة جعلت الدولة مورداً للأحزاب والفصائل والشركات والوسطاء. ومنذ 2003، ضاعت مئات المليارات بين عقود متلكئة، ومشاريع وهمية، ورواتب فضائية، ومنافذ حدودية منفلتة، وقطاع نفطي ظل أكثر قطاعات الدولة إغراءً للشبكات السياسية والاقتصادية.
لذلك تبدو مهمة الزيدي رهناً بقدرة الحكومة على الوصول إلى البنية التي جعلت الفساد جزءاً من نظام الحكم. هل تستطيع الدولة استرداد المال العام؟ هل يمكن للقضاء أن يواصل التحقيق بعيداً عن التفاهمات السياسية؟ وهل يملك رئيس الوزراء القدرة على حماية مسار المحاسبة حين يقترب من شخصيات تمتلك جمهوراً وسلاحاً وعلاقات خارجية؟
بالتالي، يقع الزيدي مبكراً بين ضغوط مزدوجة، وهي غير محسومة رغم الجولة الأولى من المداهمات التي استهدفت بشكل صامت جزءاً من شبكة إيران المالية. من جهة، تريد الولايات المتحدة من بغداد تقليص نفوذ الميليشيات المحسوبة على إيران، وضبط المال والسلاح، ومنع استخدام الدولة العراقية كقناة للالتفاف على العقوبات أو تمويل الشبكات المسلحة. ومن جهة أخرى، لا تريد إيران أن يتحول شعار حصر السلاح ومكافحة الفساد إلى مدخل لتفكيك نفوذ حلفائها داخل مؤسسات العراق.
ما شأن بترايوس بحملة مكافحة الفساد في العراق؟ شأنه أنه يقرأها بعين جنرال أميركي قديم رأى العراق ساحة حرب وقاد جانباً من تلك الحرب وينظّر الآن في «آداب السلام». يرى أن العراق دولة تجازوت «اختبار النجاة» وأن عليها أن تبدأ اختبار الحكم. وليس هناك بداية أفضل من الحرب على الفساد، أطول معركة إدارية مستمرة في تاريخ البشرية.
هل حقاً لم يعد العراق دولة تحاول النجاة بينما يصول توم باراك في المنطقة بخططه القائمة على عوائد الاستثمارات لا على البشر ومصائرهم؟





