محمد سامي الكيال
يعتبر مصطلح “كاكيستوقراطية” Kakistocracy إشكالياً للغاية في الخطاب السياسي الحديث، وربما أقل من أن يكون من المصطلحات المنضبطة للعلوم السياسية، بل أقرب للمحاججة البلاغية والنقد الصحفي، وميادينه البرلمانات والجرائد وليس الأكاديميات. معناه ببساطة عكس الأرستقراطية (حكم الأفضل) فهو “حكم الأسوأ”، أي حكم الفئات الأكثر رثاثة، “الحثالات” بنظر خصومهم، وهو مختلف عن الأوكلوقراطية Ochlocracy (حكم الرعاع) لأن المصطلح الأخير يشير إلى الجمهور الواسع من العوام، الذي حذّر بعض كبار الخطباء منه منذ العصر الإغريقي، وغالباً ما استُعمل المصطلح للانتقاص من الديمقراطية نفسها، أما “الكاكيستوقراطية” فلا يشير إلى الجمهور أو الجموع، بقدر إشارته إلى طغم حاكمة، وشبكاتها الرثة، المُخرِّبة للمؤسسة، والحيز العام، والمعتدية حتى على الحيز الخاص، والمُدمرة للأخلاق العامة، والنزاهة المدنيّة. لا يهتم الكاكيستوقراطي بالمجد والشرف في الحيز العام، بالمعنى اليوناني/الروماني لهاتين القيمتين، ولا يبدو جليلاً أو أنيقاً أو ذا هيبة، وتنحدر بحكمه كل قيم المدينة ومعاييرها وجمالياتها. وقد تراشق أنصار الديمقراطية وأعداؤها الاتهام بالكاكيستوقراطية، ليشيروا إلى انحدار النخبة الحاكمة، أو سيطرة فئات جديدة على الحكم، على خلاف تعبير الأوكلوقراطية، الذي غالباً ما استخدمه الأرستقراطيون ضد أنصار الحكم الشعبي.
أول استخدام موثّق للمصطلح كان في القرن السابع عشر في بريطانيا، بالتحديد في عام 1644، أي في عزّ الحرب الأهلية الإنجليزية بين الملكيين والبرلمانيين، عندما ألقى رجل الدين بول غوسنولد، المؤيد للملك تشارلز الأول، خطبة في أكسفورد، يصف فيها أنصار البرلمانية بالكاكيستوقراطيين، وبأنهم حكم الأسوأ في وجه الحكم الأفضل. انتهت الجولة الأولى من الحرب بانتصار البرلمانيين وإعدام تشارلز الأول، والثانية بنفي ابنه تشارلز الثاني، أي أن “الكاكيستوقراطية”، من منظور الملكيين، انتصرت، فيما هُزمت من منظور البرلمانيين. لن يعني المصطلح شيئاً من زاوية تحديد طبيعة الفئات المتصارعة، ونمط حكمها الفعلي، وطبيعة مصالحها.
إلا أن المصطلح قد يكون أكثر من مجرّد شتيمة، أو تعبيراً عن استعلاء تجاه الخصم السياسي، خاصة في الحالات التي يصبح فيها تعبيراً عن علاقات سلطة، ونمطاً اجتماعياً وأخلاقياً، وخطاباً أيديولوجياً، لا يمكن وصفه إلا بالأسوأ، وذلك وفقاً لأي معيار، سواء كان ديمقراطياً أو أرستقراطياً، محافظاً أو تقدمياً، يمينياً أو يسارياً. هنالك فترات تاريخية تتسم بالفوضى، وانهيار مؤسسات التحضّر، والعنف المنفلت، وانتشار منطق السلب والنهب، بدون أن تقدّم السلطات الحاكمة أي أفق تاريخي لما يحدث، أو تصوغ رواية تتمتع ببعض الاتساق، وذلك أساساً بسبب فشلها، ووضاعة طموحاتها، وانشغالها بعمليات النهب وتقاسم العوائد، بطريقة أقرب للعصابات، التي لا تهتم حتى بأن تكتسب أي مظهر لدولة، أو أن تقيم أي ائتلاف اجتماعي جدي، أو تبني أي شكل للمؤسسات، أو حتى أن تحتكر العنف، لتنتج بعده مجال الشرعية أو القانون، تلك هي الكاكيستوقراطية، ولا اسم آخر لها، وعندها يصبح المصطلح توصيفاً دقيقاً، يحمل أبعاداً مفيدة منهجياً، لفهم بنى وشبكات السلطات القائمة. وقد تكون اللغة الأكثر عامية أنسب في التعبير عن طبيعة الظاهرة، وأصدق وصفاً.
شهدت كثير من الثورات الاجتماعية مراحل فوضى وانهيار مؤسسات، نتيجة انفجارات تاريخية، أو طموحات كبرى للنخب الثورية، إلا أن هذا ارتبط دوماً بمنظور تاريخي ما، أو سعي واعٍ لتغيير جذري للعلاقات الاجتماعية، أو على الأقل تمثيلاً لمصالح طبقة أو شعب ما، وهو ما أتاح في كثير من الحالات إعادة بناء مؤسسات مستقرة، وصياغة أشكال جديدة من الشرعية السياسية. فيما الكاكيستوقراطية لا تُعنى بكل هذا، بل تميل إلى إنتاج طغمة تُقسّم المنافع بينها، وفق شبكات ولاء وتبعية، وكأنها تقتسم غنيمة. إلا أن تلك الطغمة، رغم انحدارها من بيئات وطبقات أدنى، لا تهتم بإيصال الحد الأدنى من المنافع لبيئاتها، وتنفصل عنها لتشكل فئة مستقلة، تساهم بتدمير أسس الحياة حتى في القرى والحارات التي جاءت منها. وبالتالي لا يحمل وصف “حكم الأسوأ” هنا طابع الاستعلاء الطبقي أو الثقافي، وإنما يشير إلى شكل شديد البشاعة من الاستغلال والاعتداء على الطبقات الأدنى. تماماً كما أن التعبير الشهير “حثالة البروليتاريا” استعمله المناضلون العماليون والنقابيون، ممن نذروا حياتهم للدفاع عن “البروليتاريا”.
ربما كان التعبير الأوضح عن الكاكيستوقراطية هو سلطة الميليشيات، التي تقمع مجتمعاتها بالسلاح، بدعاوى مختلفة، منها الدين والوطنية والتحرير وغيرها، وتنشئ إمارات حرب تسود فيها أكثر الممارسات إجرامية، مثل الإتجار بالبشر، والعمل القسري، وفرض الإتاوات على المنتجين، والتحكّم بالمعابر، وسرقة الأصول، ونزع الملكيات. وعندما تسيطر هكذا ميليشيات على مساحات كبيرة، أو دول بأكملها، نصبح بحاجة لنظرية جديّة عن الكاكيستوقراطية.
يصعب أن نجد نموذجاً أوضح عن الكاكيستوقراطية من حكم الميليشيات الإسلامية في سوريا حالياً، فهذه الميليشيات، التي تدمّر بلا مبالاة حياة مزارعي القمح، وتتسبب عبر إهمالها ورثاثتها بكوارث طبيعية، في المناطق نفسها التي ينحدر منها كثير من عناصرها، وتترك من يفترض أنهم جمهورها تحت أقسى الظروف المعيشية، التي تصل لحد التجويع، هي فئة مستقلة من “الأسوأ”، الذين لا يهتمون إلا بمنافعهم الخاصة، شديدة الضيق والرثاثة، رغم روابطهم المناطقية والعشائرية والطائفية، وسعيهم لاستغلالها لبناء أيديولوجيا تبريرية لممارساتهم. تبدو تلك الفئات أعجز حتى عن بناء أيديولوجيا متسقة، تتمتع بالحد الأدنى من الإقناع، وتعتمد فقط على التعبئة الانفعالية، غير القادرة على إنتاج هيمنة فعلية، أما روابطها فلا تنتج ائتلافات دائمة، أو تعمل على أداء أي نوع من الوظائف الاجتماعية، بقدر ما هي تجميعات فوضوية متبدّلة وقابلة للانهيار، والدخول في مواجهات دموية في أية لحظة. في نهاية المطاف لا يهتم أمير الحرب إلا ببقائه، وقدرته على تحصيل العوائد، واللعب على كل الحبال في سبيل ذلك. ولذلك فقد تكون ملاحظة بعض أهم ظواهر الكاكيستوقراطية السورية منطلقاً لتطوير المصطلح، وإكسابه سمات مفاهيمية، خاصة أنه قابل للتعميم على مناطق ودول أخرى، مثل ليبيا والعراق واليمن، وبلدان متعددة، مهددة بالسقوط تباعاً تحت سلطة الميليشيات، التي تنجح ببناء علاقات مع قوى إقليمية ودولية، توافق على تسليطها على شعوب مناطق متعددة، مقابل أداء بعض الوظائف والمهام.
ليست الصراعات الميليشياوية، وسقوط مناطق معينة تحت حكم الميليشيات بالأمر الجديد، ولكن تحويل تلك الميليشيات إلى سلطات معترف بها دولياً، تحكم بلداناً كاملةً، هو التطور الأكثر إثارة للقلق، والذي بدأت بوادره من أفغانستان وليبيا، ووصل إلى أعلى مراحله في سوريا. لقد صرّح المبعوث الأميركي توم براك أن الأنظمة السلطوية أكثر نجاعة في المنطقة من الديمقراطيات، ومن الواضح أنه لا يعني دولاً ديكتاتورية متينة ومستقرة، إلا عندما يتكلم عن تركيا والسعودية مثلاً، فيما يعني في حالة بقية دول المشرق حكم الميليشيات الوظيفية، القادرة على التسلّط والقمع وأداء المهام المطلوبة منها دولياً، بغض النظر عن قدرتها على بناء دولة فعلية في رقعة الأرض المسيطر عليها، وهذا متفق مع تقييمه لشعوب المنطقة، بوصفها مجموعة من القبائل والقرى المتصارعة. قد يكون هذا مثيراً للسخرية، ولكن براك يعبّر عن مفهوم أقرب لـ”نزع الاستعمار”، أي التسليم بفشل بناء دول على الطراز الغربي، ومن ثم منح المنطقة للميليشيات، الأقرب لجوهرها غير الاستعماري، مع السعي لتعويم تلك الميليشيات دولياً. وبغض النظر عن تناقض المفهوم، وعدم رؤيته لاستعمارية منظورات “نزع الاستعمار” الدارجة حالياً، بين اليمين واليسار الغربيين، فإن الكاكيستوقراطية على ما يبدو تتحول تدريجياً إلى النموذج المقبول لحكم مناطق شاسعة، يسكنها عشرات الملايين من البشر.
يمكننا أن نطرح سؤالين أساسيين هنا، ضمن محاولة ضبط المفهوم أكثر: ما الفئات والآليات الأساسية للكاكيستوقراطية؟ وما نمط السياسة تحت حكمها؟
الأمير والشيخ والناشط
يصعب تحديد أي مؤسسة معتمدة مرجعياً في الداخل السوري اليوم، بما في ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية، التي يُفترض أن أي نظام قمعي يهتم بمركزتها إلى أقصى حد. ما يسمى “وزارة داخلية” و “وزارة دفاع” في سوريا، لا تعدوان كونهما تجمع ميليشيات، تعترف بأولوية ميليشيا “هيئة تحرير الشام”، فيما كل الإعلانات عن حل “الهيئة” أو “اندماج الفصائل”، لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، بل على العكس، تؤدي هذه المحاصصة واللامركزية الفصائلية وظائف مهمة للسلطة، فهي تتيح لها نمطاً مرناً من التحرّك؛ واستخدام قوى رديفة متعددة، والتنصل من مسؤوليتها في الوقت نفسه، ضمن عمليات إرهاب شاملة للمجتمعات؛ كما تضمن خططاً بديلة للسلطة، في حال تراجعها، أو تلقيها ضربات موجعة في المركز، إذا انقلب عليها بعض داعميها الخارجيين. وبالتالي فعدم إتمام “الاندماج” ليس خطأً أو تقصيراً من السلطة القائمة، يمكن تعديله لاحقاً، بل هو مكوّن بنيوي لها، والمقصود بـ”الاندماج” الحالي غالباً إعلان الولاء للسلطة الحاكمة في دمشق، وليس حل الفصيل. وهذا يضعنا أمام النموذج الأول والأساسي في الكاكيستوقراطية السورية، أي “الأمير”، ونعنى به رئيس الميليشيا الإسلامية، التي تتحرّك بمرونة، وتنتج إقطاعية الحرب الخاصة بها، التي قد تصل إلى حد الإمارة الإسلامية شبه المستقلة (كما في حالة بعض مناطق ريف دمشق) ضمن علاقة ولاء وتبعية مع المركز.
من ناحية إدارية، فإن ما تبقّى من المؤسسات السورية، لا يعمل وفق أي قانون أو إجراء أو تقليد محترم، بل يخضع لشبكة من رجال الدين، الذين يؤمّن وجودهم وظيفتين: ضمان سيطرة السلطة، والأسلمة التدريجية، وفق اجتهاداتهم وأحكامهم الخاصة. يعمل هذا النموذج بطريقة مغايرة للقانون التقليدي، الذي يرتب مسؤوليات والتزامات وأطراً لا تتحملها ولا ترغبها البنى الميليشياوية/الدينية الحاكمة، والتي تفضّل الأوامر الشفوية، والتواصل غير المدوّن، والاجتهادات الدينية المتحللة من الالتزامات الدستورية، وأيضاً تقسيم النفوذ بين الميليشيات، الممثلة إدارياً بمشايخها، مع ملاحظة أن هؤلاء المشايخ برزوا في ظروف الحرب الأهلية، وهم لا يتمتعون بمكانة محترمة بين فئة رجال الدين التقليديين، وقد تلقوا تعليمهم الديني غالباً وسط الجماعات الجهادية، وعبر مناهج هامشية وغير مكتملة، تنتشر في أحيان كثيرة عبر الإنترنت، أي أنهم “الأسوأ” حتى بمعايير رجال الدين. هنا نكون أمام النموذج الثاني من الكاكيستوقراطية السورية، أي “الشيخ” أو “الشرعي”، ونعني به رجل الدين المسيطر على مؤسسة أو محكمة، وفقاً للمحاصصة الميليشياوية المذكورة أعلاه.
لا تبدي الميليشيات الحاكمة أي اهتمام بالوظائف الاجتماعية التقليدية، مثل الصحة والتعليم والثقافة الجماهيرية، وتميل إما إلى خصخصتها لمصلحة شركات تعبّر عن نفوذ إقليمي، كما يبدو في حالة النظام الصحي وبعض الخدمات والبنى التحتية الأساسية؛ أو تفويضها إلى ما يسمى “المنظمات غير الحكومية”، التي تستجلب المساعدات والتمويلات من الخارج، عبر قنوات ما يسمى “وزارة الخارجية والمغتربين”، وهذا الضبط من خلال “الوزارة” مهم للميليشيات، كي تنال “حصة الأسد” من تلك المساعدات، وتوظّفها لمصلحتها، والبقية تذهب لـ”الناشطين المدنيين” ومنظماتهم، الذين يديرونها بمعرفتهم، ودون أية إمكانية جديّة للمحاسبة، فالأساس هنا هو العلاقة بشبكات السلطة، وليس القانون أو الرقابة المؤسساتية. من ناحية أخرى يلعب “الأنفلونسرز”، أي المؤثرون على شبكات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك وفيس بوك وإنستغرام، دوراً مهماً في ما يمكن تسميته “إعلام” الميليشيات، فهم يقومون بإنتاج “التريند” المناسب لها في فترة معينة، والذي يلعب وظائف مثل التحريض، والتبرير، والتغطية على الجرائم (كما في حالة خطف النساء العلويات)، وإظهار “تسامح” الميليشيات أحياناً، وقوتها أحياناً أخرى. ويمكن اعتبار شبكات “المنظمات” غير القابلة للمحاسبة، والمتواطئة مع الميليشيات، والوظائف الإعلامية لـ”الإنفلونسرز”، تمثيلاً لـ”الأسوأ” على مستوى اجتماعي ومالي وثقافي، والنموذج الثالث للكاكيستوقراطية السورية، أي نموذج “الناشط”، ونعني به عضو “المنظمة غير الحكومية” التي لا يمكن محاسبتها، وغير المدارة بأي شكل ديمقراطي، وتلعب وظائف اجتماعية ليست من شأنها، بل يفترض أن تكون خدمات عامة خاضعة للرقابة الشعبية؛ وكذلك “المؤثّر”، المحرّض وصانع “التريند”.
يشكّل “الأمير” و”الشيخ” و”الناشط” اليوم طبقة مستقلة، تعي امتيازها، وتعمل على الاستفادة من الوضع القائم، الذي يجعلها تزدهر كلما ازدادت الأمور سوءاً بالنسبة لعموم البشر في سوريا. ومجدداً، وجودهم وسلطتهم ليس “خطاً”، أو “مرحلة انتقالية”، أو مجرد فساد، بل البنية الأساسية للسلطة. يمكن القول إن هذه السلطة تقترب لأن تكون كليبتوقراطية كاملة Kleptocracy (حكم اللصوص)، وهي في تناقض أساسي مع النشاطات الحياتية للعاملين في سوريا، على اختلاف مناحي عملهم، إلا أنها قادرة على الحشد بين فترة وأخرى، عبر آليات مثل “الفزعة” و”النفير العام”، التي تقوم بشد العصب الطائفي والعشائري، وإنتاج “تريندات” مظلومية جديدة (مثل كشف جرائم قديمة لنظام الأسد في لحظات تأزّم السلطة، أو الكوارث التي تتسبب بها، والمجازر التي ترتكبها)، وهي آليات لها حدود، ولا تتمتع بالاستدامة غالباً، وأقل من صفة “نظام”، إذ إن تصاعد الإفقار والتدمير الاجتماعي والرثاثة المؤسساتية قد يُصعّب مستقبلاً إطلاق أية “فزعة” لمصلحة السلطة.
الوظيفيّة والسياسة والوجودية
نمط السياسة في الكاكيستوقراطية لا يمكن أن يكون مؤطراً سياسياً أو مؤسساتياً أو قانونياً، إذ لا مكان لهذه الأطر أصلاً ضمن الرثاثة العامة. أما التفكير بتقديم مطالب لسلطة الأسوأ، أو المشاركة فيها، فهو لا يدل، في أحسن الأحوال، إلا على السذاجة وعدم القدرة على توصيف الواقع. السياسة في هكذا شرط وظيفية خارجياً، ووجودية داخلياً، وتتقاطع الوظيفية مع الوجودية في حالات كثيرة، لتشكل مزيجاً صعباً، وضعيف الموثوقية، وقابلاً للانفجار، مؤديّاً لصراعات دموية، أو حتى لحروب إبادة.
من ناحية الوظيفية الخارجية، لا تهتم الميليشيات الحاكمة بمبدأ “الشرعية الداخلية”، بأي شكل من أشكالها، ولا تعتبره مفهوماً من مفاهيمها، بل أقرب لهراء غير “براغماتي”، وترى أن أساس استمرارها في السلطة هو الرضا والتمكين الخارجي، الإقليمي والدولي، ويمكن ضمانه عبر آليات متعددة، أبرزها إبداء الاستعداد للعمل بصفة ميليشيات وظيفية لطرف خارجي قوي، أي وضع القدرات الحربية الميليشياوية في خدمة مشروع خارجي ما، وفي الحالة السورية فإن ضرب المحور الإيراني، وقطع خطوط إمداده، في الطريق الحيوي بين العراق ولبنان، كان الوظيفة الأبرز للميليشيات الحاكمة؛ وكذلك المناورة بين القوى الإقليمية، وعرض الخدمات الدائم، مقابل ثمن هو الشرعنة الدولية، وقد رأينا ذلك في تعاطي سلطة الميليشيات مع دول مثل ألمانيا وإسرائيل والسعودية والإمارات؛ أيضاً هنالك بيع الأصول السيادية لإعطاء ميزة إستراتيجية لهذه الدولة أو تلك؛ إضافة لذلك هنالك الابتزاز بورقة الفوضى، والعودة إلى التطرّف المعلن، وإغراق المنطقة، والضفة الأخرى من المتوسط بالإرهابيين واللاجئين.
تجعل هذه الوظيفية الميليشيات الحاكمة أقرب لوكلاء قوى إقليمية متوسطة القوة، يمكن اعتبارها نوعاً من الاستعمار الفرعي، مع محاولة الضمان الدائم لرضا القوى الأكبر، خاصة الولايات المتحدة، وذلك يمرّ طبعاً عبر إرضاء القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا والسعودية وقطر. إلا أن لهذه الوظيفية حدودها، إذ إن اللعب على التناقضات في سبيل الشرعنة الخارجية، قد يوقع السلطة الميليشياوية في مواقف محرجة مع بعض مشغّليها، ويثير سخطهم تجاهها، وهنا قد يأتي دور الإستراتيجية الأخيرة، وهي العودة إلى الموقف الجهادي الكلاسيكي، والبحث عن داعم خارجي من الدول “المارقة”.
أما من ناحية الوجودية الداخلية، فإن الجماعات السورية المختلفة، سواء كانت طوائف أو إثنيات أو مناطق، تدرك جيداً أنها لا تملك أي ضمانة قانونية أو إنسانية لاستمرار وجودها تحت حكم الميليشيات الإسلامية، ولذلك فهي تتخذ مواقفها بناء على شعورها بالتهديد، وإمكانية تعرّضها لحروب التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية، خاصة في شرط الرضا الخارجي، الذي لا يبدو مُهَدداً في الفترة الحالية، والذي قد يمرّر أية مجزرة ترتكبها السلطة، دون عواقب فعلية.
ولذلك تتراوح مطالب الجماعات، ومدى معارضتها أو رفضها للسلطة، بحسب ما تعانيه من ضغط وجودي: من يدرك أنه غير مهدَّد بالإبادة يتخذ موقفاً مهادناً، أو يقنع نفسه بإمكانية تحسّن الأوضاع، بل ربما يخدع ذاته بشكل متعمّد، ويدّعي أنه يصدّق وعود الميليشيات بالازدهار الاقتصادي، المقبل مع عمليات بيع الأصول السيادية؛ أما المجموعات المهدَّدة وجودياً بشكل فعلي، فتتخذ مواقف مناهضة تماماً للسلطة، أو يتخذ بعض ناشطيها موقفاً خاضعاً واعياً، يتسم بالنفاق الخطابي، على أمل أن يُنجّي جماعاتهم من مجزرة جديدة.
تتقاطع الوظيفية الخارجية مع الوجودية الداخلية لدى سلطة الميليشيات، حين ترى أنها قادرة على السحق والاستئصال، ما دامت تؤدي وظائفها الخارجية؛ وكذلك لدى عدد من مناهضيها، الذين يتمحور سعيهم السياسي حول إيجاد طرف خارجي، يقبل بهم وكلاءَ يؤدون وظائف له. وبما أن هذا يبدو صعباً لأغلبية الأطراف المناهضة للسلطة في الظرف الحالي، يفضّل كثيرون موقف الخضوع، إلى أن تتغيّر الظروف، وعلى أمل أن لا يُجَرّوا إلى معركة أخيرة خاسرة، قد تؤدي إلى ضرب وجودهم الاجتماعي بشكل لا يمكن ترميمه.
تلك هي السياسة في الكاكيستوقراطية، ووضع سوريا تحت “حكم الأسوأ”، وربما يمكن إنتاج شروط لسياسة تحفظ الوجود، وتؤمّن استمرار المجموعات المُهددة والمُفقرة، وتضامنها، بعيداً عن انتظار المُخلّص الخارجي، إلا أن هذا يستلزم عملاً سياسياً واجتماعياً، ويحتاج نخباً ووعياً، قد لا يتوافران في شرط لا يدعم إلا بروز الأسوأ. في كل الأحوال، لا يمكن الخضوع للكاكيستوقراطية حتى لو أراد الناس ذلك، فهي ستجبرهم على المقاومة، لأنها لا تقدّم لهم أي مؤسسات أو وظائف اجتماعية تحقق لهم الحد الأدنى من الاستمرار الحياتي، وربما تكون هذه “المقاومة” على هيئة مزيدٍ من الفوضى، ونزع التحضر، والوقائع الدموية. إلا أن فهم بنى السلطة، وتقديم التوصيف الصحيح لها، قد يكون خطوة أولى نحو تغيير هذا الوضع “الأسوأ”.





