د.طارق حمو
امتدت رئاسة علي خامنئي لإيران من عام 1981 حتى 1989، أي أنها غطّت تقريباً كل فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية. كان خامنئي هو من يقود السياسة ويدير الحرب مع “نظام البعث”، وهو الموكَّل من “الولي الفقيه” بإنزال الهزيمة بصدام حسين. انتهت الحرب بدون منتصر، بعد أن خسر البلدان الملايين من الشباب بين قتيل ومعطوب، وصرفا مئات مليارات الدولارات على الأسلحة، وعلى شبكات وسماسرة “اقتصاد الحرب”. في عام 2006 أعدم نظام بغداد الجديد صدام حسين، بعد ثلاثة أعوام من إلقاء القوات الأميركية القبض عليه في حفرة كان يختبئ فيها. بعد إعدام “بطل القادسية الثانية” بعشرين عاماً، أي في عام 2026 قُتل خصم صدام في المنازلة علي خامنئي في قصف أميركي ـ إسرائيلي على طهران.
ما تزال الأبحاث والدراسات والمؤلفات في الشرق والغرب تبحث في أسباب الحرب العراقية ـ الإيرانية العبثية، وعن الطرف المسؤول عن شنّ أول هجوم فيها وإشعال شرارتها، وكذلك عن ذلك الذي أصرّ على إدامتها، رافضاً كل الدعوات لتطويقها وإنهائها سريعاً. في ذلك الحريق الذي دام 8 سنوات كانت البصمات الأميركية واضحة فيه بشكل جليّ. ثمة صورة مشهورة تعود إلى عام 1983 تُظهر دونالد رامسفيلد، مبعوث الرئيس رونالد ريغان (ووزير الدفاع الأميركي لاحقاً) وهو يصافح صدام حسين. كانت أميركا تدعم النظام العراقي بأكثر من طريقة وأسلوب في حربه ضد نظام الإيراني. بعد ذلك بعامين، أي في 1985، اتضح أن هناك دعماً أميركياً آخر، لكن هذه المرة للطرف المقابل، أي للنظام الإيراني! حسب الوثائق المكشوفة في فضيحة (إيران كونترا)، أمدّت الولايات المتحدة طهران في صفقة سرية بكمية من الأسلحة التي تحتاجها، شريطة ممارستها نفوذها لإطلاق سراح 5 مواطنين أميركيين محتجزين في لبنان. لإبرام الاتفاق اجتمع في باريس جورج بوش الأب (الرئيس الأميركي لاحقاً) مع أبو الحسن بني صدر، رئيس الوزراء الإيراني، بحضور إسرائيلي. قبل ذلك وتحديداً في عام 1981، كانت إسرائيل قد قصفت مفاعل تموز النووي العراقي بالقرب من بغداد، ودمرته بشكل كامل.
الصراع ذو المنشأ الأيديولوجي والشخصي بين طهران الخميني وبغداد صدام، كان يستعر ويدوم عبر ضخّ تسليحي ومالي من أطراف دولية، وضعت للمنطقة مخططات “إدارة أزمة” طويلة الأمد. كان الهدف هو إنهاك الطرفين، وضمان ألا يخرج أي طرف منهما قوياً بنصر ساحق من تلك الحرب. كانت هناك سياسة “احتواء مزدوج” سرية وغير معلنة، عبر دعم التدمير والتدمير المضاد، وحرق الإمكانات البشرية والاقتصادية في أتون حرب مجنونة ومنفلتة من الضوابط، تورث العداء والأحقاد لأجيال وأجيال. في عام 1993 ظهر هذا المصطلح، أي “الاحتواء المزدوج” للعلن، مسجَّلاً باسم مارتن إنديك، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى آنذاك.
النظام الإيراني الذي خرج من حرب السنوات الثماني، حافظ على نوع من الهدوء و”السلام الرسمي البارد” مع الدول في المحيط، لكنه واصل تنفيذ سياسة جديدة في المنطقة، رأى فيها تحقيقاً لعقيدته القديمة في “تصدير الثورة”. تدخلّ في الإقليم وبدأ باختراق الحواضن والمجتمعات عبر تنظيمات الإسلام السياسي (خاصة الشيعية)، والعمل على تنظيم صفوف نخبها في أحزاب سياسية مسلّحة. ولقيادة هذه المهمة، أنشأ الحرس الثوري الإيراني نهاية عام 1988 وحدةَ عمليات خاصة حملت اسم “فيلق القدس”، تدخلت في العديد من الدول والصراعات، وساهمت في بروز الأذرع التي تتحرك بأوامر وفتاوى مباشرة من طهران. وبالموازاة مع سياسة تشكيل الأذرع في المنطقة ورفدها بميليشيات مدربة وموجهة، لتحقيق حضور بارز لنظام الثورة الإسلامية، بدأت القيادة الإيرانية مطلع التسعينيات بتطوير البرنامج النووي الذي كان نظام الشاه قد وضع أسسه. ولم تكن مساعي طهران في تخصيب اليورانيوم وافتتاح منشآت الطاقة النووية، بعيدة عن أعين الرقابة الأميركية والإسرائيلية. ولم تنفع الفتوى التي أصدرها المرشد علي خامنئي عام 2003 بحرمان إنتاج واستخدام أي نوع من أسلحة الدمار الشامل، بإقناع الدولة العبرية بـ “سلمية” هذا البرنامج، وبالتالي التوقف عن رصده وتخريبه.
أما العراق، أو الطرف الثاني المعني بسياسة “الاحتواء المزدوج” فقد غرق في رمال متحركة مهلكة، إثر الأمر المفاجئ الذي أصدره صدام حسين لفرق من الحرس الجمهوري باحتلال دولة الكويت في أغسطس/ آب 1990. وفي البحث عن الأسباب التي شجّعت صدام حسين على احتلال الكويت، يتم الإشارة عادة إلى اللقاء الذي جمعه بأبريل غلاسبي، السفيرة الأميركية في بغداد، نهاية شهر يوليو/ تموز 1990، والتي أبلغت صدام بأن الولايات المتحدة الأميركية “لا تملك رأياً بشأن الخلافات العربية ـ العربية”، وهو ما قيل إن الرئيس العراقي فسّره باعتباره “لامبالاة” أميركية واضحة، وتوجُّهٌ لاتخاذ موقف “الحياد”، في حال دخول قواته الكويت، فسارع لاجتياح الدولة الجارة الصغيرة، ومن ثم الإعلان عن ضمها للعراق واعتبارها المحافظة رقم 19! ويخبرنا التاريخ بأن الولايات المتحدة الأميركية رفضت الاحتلال العراقي، وقادت تحالفاً دولياً لإخراج القوات العراقية من الكويت عام 1991، ثم فرضت حصاراً على العراق طيلة السنوات اللاحقة أضعف النظام وقوّض أسسه، قبل أن تقوم باحتلاله بمشاركة بريطانيا في عام 2003 والإطاحة بنظام صدام.
وعليه، هل ثمة من مؤامرة حاكتها وتحيكها “الدوائر الغربية” وتستهدف منطقة الشرق الأوسط؟ لكن: هل من العدالة و”الموضوعية العلمية” تسمية الانشغال والاشتغال الغربي (الأميركي تحديداً) بمنطقة حيوية تضمّ أهمّ وأكبر مصادر واحتياطيات الطاقة، وأهمّ المضائق والممرات البحرية، وفيها إسرائيل، وتنبت وتصدر حركات دينية متطرفة بلغ شرّها أقاصي الأرض، بـ “المؤامرة”؟ وهل كل هذا الاختراق الاستخباراتي الحاصل داخل أحشاء دولة كانت تصوّر نفسها مقرِّراً وفاعلاً أوحد يدير عواصم وأقاليم، وتصفية الصف الأول والثاني والثالث من قادتها العسكريين والسياسيين وعلمائها النوويين، وتفجير أجهزة الاتصالات اللاسلكية الشخصية لآلاف المقاتلين والكوادر لدى حزب عسكري مدرَّب، يمكن تصنيفه على أنه ضرب من ضروب “المؤامرة”، أم هو فعل حقيقي قام به طرف لإدارة الحرب، للنيل من أعدائه وخصومه وتسجيل اقتدار عسكري يشلّ الخصم شلاً؟
والحال أن “المؤامرة” هي الترجمة الشرقية الأثيرة لما تقوم به أميركا ودول الغرب من “إدارة للأزمات” لتسيير وتشكيل المنطقة بما تقتضيه مصالحها. الاهتمام الأميركي والغربي بالشرق الأوسط، والتدخل المستمرّ، سياسياً وعسكرياً، في أقاليمه ودوله، ودعم هذه الجهة ضد تلك، تحقيقاً للمصالح والنفوذ، هو في تفسير الآخر “مهام تفرضها المصلحة الوطنية”، وفي عرف الأنظمة والكثير من النخب “مؤامرة” ترمي إلى “تشويه العقيدة والهوية” والنيل من “الصمود والمقاومة”! إنه نوع من التلفيق والاستهتار، تهرباً من تحليل رصين ومعالجة عميقة لواقع تفرضه أجندات دول وكيانات عظمى، غيرت وتغير مصائر بلدان وشعوب في الشرق. ويزيد من حالة الإيمان بوجود هذه “المؤامرة” لدى العوام، التناول الكاريكاتوري لموضوع “نظرية المؤامرة”، وتصوير كل من يريد المتابعة والبحث والتحقيق وربط التطورات والأحداث، والشكّ في التحركات والنوايا، بأنه مهووس بـ “نظرية المؤامرة”، ويريد تبرئة ساحة الأنظمة الشمولية الفاشلة وتبرير هزائمها المستمرة.
يقول الباحث محمد سيد رصاص في مقال له بعنوان “نظرية الاستهداف الغربي أم نظرية المؤامرة؟” نُشر في أكتوبر/ تشرين الأول 2010 في صحيفة “الأخبار” اللبنانية: “إن حجم الانشغال الفكري والثقافي والمعلوماتي في مراكز الأبحاث والجامعات الغربية بالعرب والمسلمين والدين والفكر الإسلاميين في مرحلة «ما بعد موسكو» يذكِّر الكثيرين بذلك الذي كان في تلك المراكز البحثية والأكاديمية تجاه الموضوع السوفياتي – الشرق الأوروبي، وحيال القضايا الأيديولوجية الخاصة بالماركسية. وفي الوقت نفسه، تحصل نزعة من «رهاب الإسلام» في الغرب تعيد الذاكرة إلى زمن مكارثي وهستيريا العداء للشيوعية، وقبل ذلك إلى ما جرى في بريطانيا ضد أفكار الثورة الفرنسية أيام الحروب النابليونية حتى هزيمة الإمبراطور الفرنسي عام 1815”.
ومن هنا، عندما تنشر مراكز الأبحاث الغربية الرصينة لأوراق ودراسات عن منطقتنا، والتي يتحوّل بعضها إلى استراتيجيات وبرامج عمل، لدى القوى والفواعل الدولية والإقليمية النافذة، من شأنها أن تغيّر المنطقة وتُعيد تشكيلها لسنوات طويلة (وكمثال راهن: عقيدة زامير العسكرية وتقرير لجنة ناغل بخصوص تركيا)، علينا أن نهرع لأدوات التحليل العلمي والمحاججة والمقارنة، بدل الركون إلى تفسيرات “نظرية المؤامرة”. علينا أن ندرس التوازنات الجديدة ونخوض في كل الاحتمالات، وأن نبحث موازين القوة بين هذا الطرف وذاك، ونتمعّن في المسارات المخطط لها لطرق التجارة وأنابيب الطاقة، لكي ننجح في تقديم صورة تقترب من حقيقة ما هو آتٍ، وبالتالي استشراف التطورات والمتغيّرات القادمة، لكي لا نتفاجأ لاحقاً بهول الأحداث والاختراق وفرض الأمر بالقوة، فنلجأ، كتغطية على حالة القصور والفشل في القراءة والاستشراف، إلى تعليق كل ذلك على شمّاعة “نظرية المؤامرة” والتأويلات المخدِّرة التي تقدمها!





