رستم محمود
في أوائل العام 2007، اُغتيل الكاتب والناشر الأرمني/التركي هرانت دينك في مدينة إسطنبول. بعد أيام قليلة ألقت الشرطة المحلية القبض على المراهق “أوغون ساماست”، وأوحت بأن الجريمة ذات طابع جنائي، وكان ذلك كل ما فعلته “الدولة” من وظيفتها العامة.
فيما بعد، ولأكثر من خمسة عشر عاماً، انكشفت خيوط الجريمة على التوالي، دلت كل واحدة منها على أن الحدث لم يكن مجرد “فعل إجرامي طائش”، بل نتيجة مباشرة لما في الفضاء العام في تركيا من ترويج وتثبيت لكراهية المواطنين الأرمن، تصويرهم كأعداء ومتآمرين، التشكيك الدائم بنواياهم وتطلعاتهم المستقبلية، وموقفهم من الكيان التركي. ذلك المناخ الذي عملت وساهمت مؤسسات الدولة وأجهزة السلطة وخطابات الأحزاب السياسية وقادة الرأي العام على إثارته بشكل مستدام، بغرض تحويله إلى مسألة حاضرة وملتهبة في المتن العام على الدوام، عبر إغراق الرأي العام بترسانة من الأوهام حول الأرمن، وغيرهم، كجماعات أهلية أو تشكيلات سياسية وثقافية. فوق ذلك، عملت كل تلك المؤسسات والجهات السياسية، وعلى مدى سنوات، وبشكل تضامني، على توفير التغطية والرعاية والحماية لكل المنخرطين المباشرين في أفعال العنف المنعكسة عن مشاعر الكراهية.
لم يكن هرانت دينك الضحية الوحيدة لتلك السمات والآليات في البلاد، بل كان كل أرمن تركيا مُعرضين لانتهاكات مستدامة في حقوقهم وحضورهم، أقل شعوراً بالأمان والجدارة والحماية من باقي المواطنين الأتراك. تلك الأحداث التي كشفها الكاتب والمؤرخ اللبناني/الأرمني فيكين شيتريان في كتابه التأريخي والتحليلي لهذه الظاهرة “جروح مفتوحة/الأرمن والأتراك في قرنٍ من الإبادة”. ومثل الأرمن كان مختلف أعضاء الجماعات “غير المركزية” في تركيا الكرد والعرب والعلويون واللاز والسريان واليونانيون.. إلخ. فكل هؤلاء كانوا يتعرضون لهتك ثابت في حسهم بالأمان من قِبل بقية أعضاء الفضاء العام، من المركزيين.
***
لا تبدو سوريا الراهنة بعيدة عن ذلك، وإن كانت في بدايات عهد تأسيس قاعدة قانونية ومؤسساتية وإعلامية وأمنية ومالية، وأولاً إيديولوجية خطابية، لتشييد ما يطابق كل ذلك. فالأقليات القومية والدينية والمذهبية في المجتمع السوري يريد لها النظام الجديد أن تشغل موقع “الآثمين” بالنسبة للقواعد الاجتماعية الموالية والمرتبطة بهذه السلطة، وأن تكون الأخيرة على أهبة الاستعداد النفسي والسياسي، وحتى التنظيمي، للانخراط في مواجهات عارمة ضد هؤلاء، نيابة عن نواة السلطة وإرادتها المضمرة، وإن بشكل غير معلن وواضح قانونياً وجنائياً، لكن شديد الإبهار سياسياً وعملياً.
شهدت سوريا خلال الشهور الماضية مقدمات أولية على ذلك. إذ أظهرت المقاطع المصورة ما جرى في مناطق الساحل ومثلها في محافظة السويداء، وقبلها الاعتداءات على المدنيين الكرد في منطقتي عفرين والشهباء شمال حلب، ومثلها الكثير من الأحداث الجزئية في المناطق الأخرى، الكثير من البراهين عليها. كشفت تقارير التحقيق الأممية الكثير من خيوط الربط ذات الدلالة على شبكات التضامن وخيوط الوصال بين المنفذين والإرادة العامة والنواة الصلبة للسلطة وما يحيط بها من “نُخب” وخطابات ونزعات سياسية. وهي آليات ستتطور مستقبلاً دون شك، لتصبح أكثر فاعلية وتنظيماً وإنتاجية، حينما تتمكن هذه النوعية من السلطة من تثبيت أركانها، خلق مؤسسات ملتفة على نفسها، وذات علاقة وثيقة بالتنظيمات السياسية والنواة الصلبة للسلطة، تشرع مجموعة من القوانين والأجهزة الحمائية للمتورطين، بعد ترسيخ أركان الحُكم وامتلاك رصيد من المال لرعاية الأفعال.
ففي سوريا اليوم، وغالباً في المستقبل المنظور، وطوال بقاء هذه النوعية من السلطة، لا يُمكن لمثل هذه الجرائم والأفعال أن تكون فردية قط، ذاتية القرار وعفوية التنفيذ. فحينما أوحت السلطات التركية بشيء من ذلك، خلال الأيام الأولى لوقوع الجريمة، خرج فائق أوغون، وهو عم الجاني ساماست، على وسائل إعلام المعارضة التركية، ليقول “ابن أخي لا يعرف شوارع إسطنبول، فكيف له أن يفعل كل هذه الجريمة بمفرده، وعمره فقط 17 عاماً”.
ينطبق الأمر على كل تفصيل مما جرى في سوريا. فالعشائر والفصائل والأفراد ليست ذوات سياسية، وتنظيماتها قائمة على أواصر التضامن لا دوافع الفعل السياسي أو الممارسة التنفيذية المخططة، لا تستطيع أن تنخرط في أي جهد ميداني خارج مناطق تواجدها الأصغر إلا بتوجيهات ورعاية من جهات أعلى، ذات رؤية وتطلعات وأهداف سياسية من الفعلة. أوحت السلطة طوال الشهور الماضية بالكثير من ذلك، بادعاء الحيادية وعدم المعرفة والتدخل للفصل بين المتصارعين السوريين، لكنها أقاويل فككتها الحقائق الميدانية على الأرض، التي كشفت وجود بنية تنظيمية أرادت وأدارت ما حدث، وحسب سياق ذي مردود سياسي على المنظمين.
***
بعد وقتٍ من اغتيال الكاتب الأرمني “هرانت دينك”، اعتقلت السلطات التركية “ياسين هايل” و”إرهن تونجل” بتهمة المشاركة في الجريمة، الأول كان متهماً بمحاولة تفجير مطعم ماكدونالدز في مدينة طرابزون الواقعة على البحر الأسود، والآخر كان طالباً في جامعة البحر الأسود التقنية، لكن عضواً بارزاً في منظمة شبابية تابعة لحزب “الاتحاد القومي” المتطرف.
اعترف هايل بتحريضه للجاني المراهق، فيما أقر الثاني بتسليمه السلاح. نفى الحزب صلته بعملية التحريض أو التوجيه المباشر لعضوه تونجل، لكنه لم يُعطِ أي تفسير لآلاف رسائل التهديد التي كانت تصل “دينك” بشكل شبه يومي، ومثله لكل أعضاء النُخبة العليا من أرمن تركيا، ولغير صدفة فإن المهددين كانوا من أعضاء الحزب نفسه، أو تنظيمات مطابقة له إيديولوجياً.
كذلك لم يقدم الحزب أية مراجعة لنوعية خطاباته الداخلية، المكدسة بقيم وخطابات الكراهية ضد غير المركزيين، لأنه فعلياً يعتبرها “أفعالاً عادية”، بالأحرى يتباهى بها، ويصنفها كتجهيز روحي وعقائدي وتنظيمي للدفاع عن “أمة الأتراك”. الأكثر إثارة للانتباه، كانت التحقيقات الإعلامية التي أظهرتها الصحافة الاستقصائية في تركيا بعد فترة طويلة، وأثبتت أن تونجل كان مخبراً سرياً لدى شرطة مدينة طرابزون، الواقعة شمال تركيا، وتُصنف في تركيا على أنها “قلعة القوميين”.
بعد شهور قليلة، كشف المدعي العام في القضية “أحمد شوكجنار” أن الجاني “أوغون ساماست” اعترف بقتل “هرانت دينك”، لكن لأسباب شخصية، دون أية خلفية تنظيمية، مضيفاً أن الجاني لا يشعر بأي ندم عما فعله. وفي تفسيره لما اعتبره عملاً شخصياً، قال ساماست إنه فعل ذلك لأن هرانت دينك “أهان الأتراك”!. لكن كيف لذلك المراهق الذي كان قد ترك المدرسة منذ سنوات، وصار مدمناً على المخدرات خلال مرحلة من عمره، كيف له أن يطلع ويتابع ما يكتبه كاتب وباحث نخبوي مثل “هرانت دينك”!، وما الآليات التي يُمكنه حسبها تحديد ما يُعتبر “إهانة للأتراك”!، رغم حرص الكاتب الأرمني التام على عدم النزوع لأي خطاب صدامي مع الوعي القومي التركي، بل الدعوة الدائمة لتشييد علاقة سليمة وبناءة بين الأتراك والأرمن في الحاضر والمستقبل.
في أواسط العام 2007 كشفت أجهزة الأمن التركية وجود شبكة سرية داخل أجهزة الدولة، قومية متطرفة من حيث الإيديولوجيا، وعسكرية/أمنية من حيث التنظيم. الشبكة التي سُميت “أرغينيكون”، كُشفت مستنداتها على التتالي طوال باقي شهور العام، وأثبتت كيف أن جهة سرية تتحكم بالكثير من ملفات وقضايا البلاد، بالذات تلك التي يعتقد القائمون على الشبكة بأن الدولة بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الشرعية غير قادرة على فعلها. لكن الأهم أن تلك الشبكة لم تكن سرية للغاية، بل كانت معروفة بالنسبة للكثير من قادة الأجهزة الأمنية والقضائية والسياسية، ثمة تعاون ومساكتة متبادلة فيما بينهم، بدلالة أن أغلب قادتها كانوا ضباطاً عسكريين وأمنيين وسياسيين سابقين، ذوي تأثير ودور في الملفات السياسية والعسكرية لتركيا.
التحقيقات أظهرت علاقة بين تنظيم أرغينيكون وعملية اغتيال الكاتب والباحث الأرمني هرانت دينك. فمضامين مستندات الشبكة أظهرت كيف أن كل أفراد عائلة هرانت دينك كانوا مستهدفين من قِبل التنظيم، حتى أن ضابطاً كبيراً من التنظيم حاول رشوة جندي بمبلغ 300 ألف ليرة تركية (200 ألف دولار) لفعل ذلك، لكن الجندي رفض وقدم بلاغاً ضد الضابط. لكن، ودوماً لغير صدفة، تم الإبلاغ عن تدمير “ملف تونجل” في شهر أكتوبر من العام 2007 من قِبل الأجهزة الأمنية، لما زُعم أنه “سرّ من أسرار الدولة”، ورفضت الجهات الأمنية تسليم ملفه للقضاء، وتونجل كان يُعتقد أنه الصلة بين الشبكة ومنفذ الجريمة.
كل شيء آخر في مسار التحقيقات أظهر ذلك البُعد التضامني والإرشادي والحمائي من قِبل الدولة تجاه الجناة. فمسؤول كبير في الاستخبارات أمر بمحو 48 صفحة من شهادات التحقيق فجأة، ودون تقديم أية مبررات. وحينما طلب محامو العائلة سجلات مكالمات الهواتف في منطقة الجريمة، نفت شركات الاتصالات أن تكون ثمة محطات إرسال في المنطقة، رغم امتلاك مختلف سكان المنطقة لهواتف نقالة!. الضباط الذين التقطوا “صوراً تذكارية” مع الجاني حين وصوله إلى مركز اعتقال، بعضهم رُفعوا إلى مناصب رفيعة فيما بعد. بعد ست سنوات تقدم شاهد سريّ بمعلومات تفيد بأن جهاز الجندارما التركية الخاصة JITEM شارك في الجريمة، لكن لم يُتخذ أي إجراء. بعد العام 2014، ظهرت ادعاءات بتورط حركة فتح الله غولن في الجريمة، لكن حصل هذا الأمر بعد شهور قليلة من الصدام السياسي بين الرئيس أردوغان والحركة في أواخر العام 2013، وفقط بعد قيام مقربين من الحركة بكشف فضحية فساد كبيرة لنجل الرئيس أردوغان (كان رئيس الوزراء وقتئذ) وأعضاء فريقه الوزاري. أُوقف أربعة مُدعين عامين وعُزلوا من مناصبهم، واُتهم مسؤولان من الشرطة من أعضاء الجماعة بالتورط في الجريمة، بسبب معرفتهما بمخطط الجريمة وعدم إفصاحهما عما لديهما من معلومات. في العام 2020 قُتل ضابط استخبارات سابق كان شاهداً على القضية. المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اختصرت القضية، وأصدرت في العام 2010 حكماً يقر بأن السلطات التركية انتهكت حق المواطن هرانت دينك في الحياة، بعدم اتخاذها إجراءات لمنع الجريمة، وعدم محاسبة الشرطة على تقصيرها.
***
هل ثمة في كل ذلك ما يخالف المجريات السورية خلال الشهور الماضية!
ظاهرياً، قامت الدولة التركية بكامل وظيفتها العامة، اعتقال وتحقيق ومحاكمة، لكنها فعلياً كانت الأرض الخصبة التي نبتت فيها كل فصول أفعال التهميش والكراهية والعنف التي مورست على غير المركزيين في البلاد. كانت حادثة الكاتب هرانت دينك مجرد مؤشر وكشف لما بقي يُشيد طوال عقود كثيرة، سواء بشكل موضوعي، متأتٍ من بنية مؤسسات الدولة ومواثيقها ووظائفها، أو حسب وقائع ذاتية، قام بها أعضاء في النُخب الحاكمة والنافذة في بنية الحكم، في الإعلام والجيش والتربية والإيديولوجيا الرسمية.
فوق ذلك، كانت تلك الديناميكيات ذات بُعد وظيفي، كانت حاضرة في وعي القائمين على الدولة، المخولين أنفسهم وظيفة “حماية الكيان”. فهؤلاء، ومثل نماذج عالمية لا تُعد، كانوا يعتبرون أن الإيحاء وترويج وجود “عدو داخلي متربص” سيساعد في زيادة مستويات الرصّ بين الطبقات الاجتماعية والمناطقية والإيديولوجية في البلاد، وتالياً خلق عصب وطني مركزي.
في سوريا اليوم، وغالباً حتى في مستقبلها المنظور، سيكون ثمة الكثير من ذلك، حسبما يُظهر القائمون الجدد على الحُكم، وما يحيط بهم من “نُخب” ومؤيدين، ومثلهم تفعل نوعية الإيديولوجيا والخطاب والوعي السياسي والاجتماعي التي يتمركزون حولها ويصدرونها للعامة.
أكبر وأهم الخطوات نحو ذلك سيكون عبر تأسيس “مؤسسات الطواعية”، بالذات في قطاعات التربية والقضاء والإعلام والأمن. شيء مما فعله النازيون في أوائل عهدهم، الذين دمجوا وضبطوا مختلف الجمعيات المهنية ومؤسسات العدالة ونظام الشرطة وإيديولوجية الجيش والخطاب الإعلامي فيما سموها “الروابط الوطنية الاشتراكية”، لتكون طيعة وغير مخالفة لمتطلبات ووظائف وتطلعات النظام النازي، وكل الدائرين في فلكه. تطويع المؤسسات كان عتبة استسهال الكراهية والعنف ضد الجماعة الأهلية اليهودية الألمانية، لأنه أزال كل عائق أمامها، وبذا سهل تنفيذ عملية إبادتهم، حتى أنها صارت شيئاً من الواجب والفخر الوطني، ولم تجرف عامة الناس على أساس العصبية فحسب، بل جرفت فلاسفة ومثقفين ألمان من وزن “مارتن هايدغر” و”إرنست يونغر” و”آلفرد روزنبرغ” و”هاينريش لينه” و”كارل شميت”، ولم يكن غريباً أن تكون مقولة الأخير “إن السياسة هي قبل كل شيء القدرة على استكشاف العدو” بمثابة الشعار الأعلى للمجتمع والدولة النازية.
سوريا اليوم، وغالباً طوال المستقبل المنظور، لن تكون بعيدة عن ذاك المنطق. فتطويع المؤسسات وتشيدها حسب المتطلب الوظيفي لن يجري بسبب العقيدة السياسية الطائفية للحاكمين فحسب، وإن كان ذلك عاملاً جوهرياً، لكن أيضاً لحاجة هكذا نوعية من الأنظمة إلى مؤسسات من ذلك النوع، تُسهل وتغفر ما تقوم به من أفعال تخدم بنية النظام الذي تشيده، سواء بشكل مباشر أو عبر الدائرين في فلكه.
فالنظام السياسي السوري الجديد غير قادر مثلاً على نيل الشرعية الديمقراطية المباشرة، لأنها تتطلب مجموعة من القواعد والقيم في بنية الدولة والنظام العام، أشياء مثل مساواة الرجال بالنساء وحرية الصحافة والحريات المدنية، وهي منافية لباطن عقائده، أياً كانت درجة نفيه لها. كذلك لأن الديمقراطية ستحول الحاكمين إلى “حكام نسبيين”، إلى جانبهم مجموعة من التيارات والأحزاب وحتى المناطق التي تنازعهم الحُكم والسيادة والثروة، بشكل رسمي وعلني. كذلك لن يتمكن هذا النظام من إحراز “شرعية اقتصادية” كما تتلهف “النخبة” المحيطة به في سبيل ترويجه؛ لأن سوريا دولة غير ريعية اقتصادياً، والتنمية الانفجارية في مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى عقد وطني جامع ومرضي عنه من الجميع، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه قط. حتى القدر القليل من الشرعية المتأتي من “منجز” إسقاطهم للنظام الأسدي، صار يتبدد بالتقادم، بفعل الفارق الكبير بين إسقاط نظام استبدادي وإمكانية تشييد نظام معاكس له.
يختلف ذلك عن أية بنية طائفية تقليدية قد يقوم عليها أي نظام سياسي، كما كان النظام السوري السابق مثلاً. فهذا الأخير لم يكن قادراً على تشييد آليات الكراهية والعنف ضد الجماعات الأهلية الأخرى، ربما بسبب البعد الأقلوي للجماعة التي كان يعتمد عليها، وربما لإدراكه باستحالة “امتلاك الدولة”، المختلف تماماً عن “الهيمنة على السلطة”. فالدولة السورية بقيت فعلياً “دولة سُنية” في المحصلة.
بناء عليه، سيتخذ هذا النظام مساراً مبنياً على تشييد نواة صلبة داخلية للحُكم، جماعة أهلية مؤمّنة الولاء والتبعية، يستند في قوة حُكمه على ما لها من عصبية أهلية أولية. يتطلب ذلك أن يمنحها هالة التفوق الرمزي على الآخرين، بمنح أفرادها الحق الحصري والوحيد للنفاذ إلى البنية الحقيقية للسلطة والحكم، دون سواهم، ما يمنحهم حس التفوق السلطوي على الآخرين. كذلك سيهندس كافة الخطابات والمؤسسات لتكون طيعة لممارسة أعضاء هذه “الجماعة المركزية” ما يحلو لهم بحق أبناء “الجماعات الأخرى”.
ليس في كل ذلك ما هو تجريد وخيال، بل يوميات عاشها السوريون طوال الشهور الماضية. فالسلطة الحاكمة لسوريا اليوم لم تتصرف مع آلاف الجناة الذين اقترفوا الجرائم بحق المدنيين العلويين والدروز خلال الشهور الماضية بما هو مُختلف عما تصرفت به السلطات التركية بحق قاتل الكاتب والباحث الأرمني هرانت دينك، وبحق آلاف الجناة الآخرين.
فهذه السلطة مثلاً لم تدفع أي ثمن سياسي لما جرى في ظلال حكمها، بل اعتبرت الأمر مجرد أفعال فردية!. كذلك لم تتفاعل أجهزتها الأمنية والقضائية على أساس ولائها وتعاطفها مع الضحايا، بل كان العكس تماماً هو الأصح، حتى أن بعض تلك الأجهزة كان منخرطاً في ممارسة المجازر نفسها. فوق الأمرين، لم ينضح الفضاء الوطني السوري المقرب من السُلطة الحاكمة ونواته الصلبة، وحتى على مستوى النُخب منهم، لم ينضح بأي شيء يوحي بوجود “كارثة وطنية”، بل أُخذ الأمر على أساس “يحدث في أرقى العائلات”.
في المحصلة، لو افترضنا مثلاً أن النظام القضائي السوري الراهن اعتقل جانياً متورطاً في ارتكاب جرمٍ بحق أناس علويين أو دروز سوريين، وقدمه للمحاكمة، هل لنا أن نتخيل علاقة الوئام والود التي قد تجمعه مع القاضي والحارس والشرطي في هذا النظام!!.





