وحدة الدراسات التركية
بمناسبة مرور عام على إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه وإنهاء مرحلة الكفاح المسلح، وذلك في المؤتمر الثاني عشر الذي نظمه الحزب في جبال كردستان في الفترة ما بين 5 إلى 7 مايو/ أيار 2025، عقد القياديان مصطفى قره سو وسوزدار آفستا مؤتمراً صحفياً في 5 مايو/ أيار 2026، لبحث تطورات المرحلة، والإجابة على أسئلة الصحفيين فيما يخصّ سير مرحلة التفاوض والحوار بين زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من جهة، والدولة التركية ممثَّلة في كل من حزبي الحكومة: العدالة والتنمية والحركة القومية من جهة أخرى. وسرد القياديان الخطوات التي قام بها حزب العمال الكردستاني منذ تاريخ عقد مؤتمره الثاني عشر التاريخي، مثل مراسم إحراق السلاح وسحب مجموعة من المقاتلين من تركيا، وإعلانه المستمر التمسك بعملية السلام والتفاوض، واعتباره قائده عبد الله أوجلان هو الممثل والمحاور الوحيد عن الجانب الكردي، وبالتالي هو القادر على قيادة المرحلة، والتفاوض مع الدولة التركية، ووضع أولويات الجانب الكردي.
كما وانتقد القياديان قره سو وآفستا التباطؤ في عمل الحكومة التركية فيما يتعلق بتنفيذ المقررات التي خرجت بها لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، والتي ورغم أنها لم تلامس جوهو القضية الكردية، ولم تقدم لحلها بنوداً أساسية جذرية حسب القياديين الكرديين، إلا أن الجانب الكردي قبل بها كإطار أولي لفتح الطريق أمام مرحلة “السلام والمجتمع الديمقراطي”، والبدء بتحويل الملف كله إلى السلطات التشريعية والتنفيذية، لإحداث التغييرات القانونية والدستورية المطلوبة، ومن ثم إجراء إصلاحات على أرض الواقع، يتم الاعتراف عبرها بالهوية الكردية والإقرار بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للكرد في ولايات كردستان، وفي عموم أنحاء تركيا. كما أشار القياديان إلى مماطلة الحكومة التركية في إجراء تقييم جديد للوضع القانوني لأوجلان، وأكدا على موقف الجانب الكردي الثابت في ضرورة إطلاق سراح أوجلان من سجن جزيرة إيمرالي، حيث يُحتحز منذ عام 1999، بعد إزالة كل العواقب القانونية أمام ذلك، وإتاحة الفرصة للفعاليات السياسية والاجتماعية والإعلامية للتواصل معه، والسماح بتشكيل فريق مساعد يُنجز ما يصدر عن أوجلان من أفكار ومقترحات للإشراف على مرحلة “السلام والمجتمع الديمقراطي”، بما يساهم في توطيد الحل الدائم وإنهاء كل المشاكل، وفتح صفحة جديدة في علاقات الشعب الكردي بالدولة التركية (1).
وكان دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية، والحليف المقرّب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي لعب دوراً أساسياً في بدء المحادثات بين الكرد والدولة التركية، قد أدلى في 4 مايو/ أيار 2026، بتصريحات أمام كتلة حزبه في البرلمان التركي، حول الوضع القانوني لأوجلان، دعا فيها إلى منحه “دوراً رسمياً للمساعدة في دفع عملية السلام وإنهاء صراع دام عقوداً”. في 8 مايو/ أيار عقّب أردوغان على كلام بهجلي، وقال بأن لا تراجع عن الخطوات التي تمت حتى الآن، مشيراً إلى أن “تحالف الجمهور” الذي يضم حزبه وحزب بهجلي هو “الضمان لإنجاح المرحلة”. وتحدثت مصادر بأن اقتراح بهجلي جاء بعد اتهامات من نواب كرد للحكومة بالتباطؤ في التقدم بعملية السلام بين الدولة التركية والجانب الكردي (2).
ورحّب البرلماني عن حزب حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، والصحفي المعروف جنكيز جاندار بتصريحات بهجلي، وقال إن تصريحات بهجلي الأخيرة حول وضع أوجلان القانوني وتأكيده على ضرورة أن تخطو الحكومة خطوات نوعية للتقدم بعملية السلام والحل الديمقراطي، قد تكون تصريحات تاريخية وفاصلة، وإنه لولا وجود بهجلي لما انطلقت عملية الحل والتفاوض أصلاً، موضحاً بأنه لا بد من وضع وتحديد آليات قانونية تشرف عليها الدوائر والجهات المختصة في الحكومة، بغية إضفاء الطابع المؤسساتي الرسمي على العملية، ومشيراً إلى أن الوضع القانوني لأوجلان هو نقطة مهمة لا يمكن للجانب الكردي تخطيها، داعياً الحكومة إلى تنفيذ القرارات والتوصيات المتعلقة بقانون “الحق في الأمل” الذي يُتيح الإفراج عن السجناء المحكومين بالسجن المؤبد من الذين قضوا مدة المحكومية القانونية وهي 25 عاماً. كذلك طالب جاندار حكومة تحالف حزب العدالة والتنمية والحركة القومية بإشراك الأطراف المعنية وكل الفعاليات الحقوقية والسياسية في التحضيرات القائمة لإعداد “قانون للمرحلة القادمة”، أو إخراج “مسودة القانون الخاص” للعلن بعد الاتفاق عليها، مبيناً بأن القضية الكردية هي قضية كبيرة ومفصلية وعمرها قرن من الزمن، ومن الطبيعي ظهور عقبات مؤقتة، لكن الأساس هو قوننة المرحلة والسعي إلى تبنيها من جانب الدولة ومؤسساتها، بحيث يتضح الوضع القانوني للمقاتلين والسجناء السياسيين والمنفيين قسراً، وأن تمرير هذه التعديلات والإصلاحات القانونية المطلوبة يجب أن يتم في البرلمان قبل العطلة التشريعية في بداية شهر يونيو/حزيرن 2026 (3).
وأعلن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) في بيان رسمي بأنه دعا المواطنين في كل مناطق وولايات كردستان وتركيا إلى مظاهرات مؤيدة للسلام والحل الديمقراطي، وللتنديد بحالة الجمود، ودعوة الحكومة التركية إلى الإسراع في تنفيذ الإصلاحات القانونية والدستورية للوصول بالعملية إلى خواتيمها وإنجاز الحل الدائم، وذلك في يوم 16 مايو/ أيار 2026 تحت عنوان “خطوة من أجل السلام”. وجاء في بيان الحزب بأن عملية الحل والسلام لم تشهد أي تقدم منذ 18 شهراً، وأن الحكومة لم تتخذ أي خطوات ملموسة من جهة إحداث الإصلاحات القانونية والدستورية. وقال الحزب إن المطالب ستتمحور في 4 نقاط وهي: أولاً: تبيان الوضع القانوني لقائد حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. ثانياً: الإفراج الفوري عن السجناء السياسيين المرضى، والإسراع في تسوية أوضاع بقية السجناء السياسيين. ثالثاً: إصدار قوانين تعزّز من الحريات العامة، وتعديل القوانين الحالية بما يخدم عملية الحل والإخوة. رابعاً: إنهاء نظام وضع اليد على البلديات وتعيين “أوصياء إداريين” (4).
وكانت مرحلة التفاوض والحوار بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني قد بدأت بتوطئة وتمهيد من دولت بهجلي، رئيس حزب الحركة القومية وحليف أردوغان، وذلك حينما عمد بهجلي في مصافحة أعضاء كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بعد مرحلة طويلة من العداء والتخوين والتصريحات النارية، والتي كان يدعو فيها إلى حظر الحزب واعتقال نوابه بتهم مثل “الإرهاب”، و”السعي للانفصال”، و”تهديد وحدة البلاد”. وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وفي خطاب أمام كتلة حزبه، أطلق بهجلي دعوته لأوجلان بالقدوم إلى البرلمان وإلقاء خطاب أمام كتلة حزب السلام وديمقراطية الشعوب، والإعلان عن حلّ حزب العمال الكردستاني والتخلي عن العمل المسلح ضد تركيا، مشيراً إلى إصلاحات قانونية منها العمل بقانون “الحق في الأمل” الذي يضمن الإفراج عن أوجلان. وفي 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 وأثناء زيارة البرلماني عمر أوجلان لسجن جزيرة إيمرالي للقاء عمّه، تجاوب القائد الكردي مع دعوة بهجلي، وتعهّد بعمل كل ما يقع على عاتقه من أجل وضع حدٍّ للصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، والسعي لإيجاد الأرضية المناسبة لحلّ القضية الكردية، مشيراً إلى ضرورة أن تخطو الدولة في مسار الحل عبر إحداث لجنة برلمانية تقوم باقتراح حزمة من الإصلاحات القانونية والدستورية، التي تمهّد للاعتراف بالهوية والثقافة الكردية، وتضمن حقوقاً إدارية، وتحلّ ملفات المقاتلين والسجناء السياسيين والمنفيين قسراً. كذلك حذّر أوجلان الدولة التركية من المضي قدماً في الرهان على العنف، وقال إنه في حال تمسك الدولة التركية بسياسة الإنكار والصهر القومي حيال الكرد والمراهنة على المزيد من الحرب والحسم العسكري، فإنها ستبدأ في الاضمحلال والانزواء داخل الأناضول، أي ستخرج من جغرافية كردستان، لكن بعد أن تتعرض المنطقة كلها “من بغداد إلى دمشق، ومن دمشق إلى الموصل ومن الموصل إلى أربيل” إلى العشرات من الحروب المماثلة لما شهدته غزة، بمعنى حدوث مجازر مروّعة تتصدّع بعدها تركيا وتتقسّم.
وفي 27 فبراير/ شباط 2025، أعلن أوجلان عن مبادرة “السلام والحل الديمقراطي” لحلّ القضية الكردية في تركيا، والانتقال من “الكفاح المسلح” إلى مرحلة “النضال السياسي” ضمن جوٍ من “السلام”، وفي إطار برامج وإصلاحات رسمية لتأمين وتوطيد “الحل الديمقراطي”. لقد شرح في المبادرة الظروف التي تأسس فيها حزب العمال الكردستاني كرد على سياسة إنكار الدولة التركية للحقوق والهوية الكردية، كما وركّز على العلاقات التاريخية التي تمتدّ لألف عام بين الشعبين الكردي والتركي، وقال بأنهما كانا معاً في اتحاد طوعي لمواجهة قوى الهيمنة، وأكد على أن احترام الهويات وحرية التفكير والتنظيم لكافة المكونات ممكن فقط في حالة وجود مجتمع ديمقراطي. كما ودعا أوجلان حزب العمال الكردستاني إلى عقد مؤتمره وإعلان إنهاء مرحلة الكفاح المسلح وحلّ نفسه. أوضح أوجلان في متن المبادرة بأن تحقيق المجتمع الديمقراطي هو الأساس في قبول الهوية الكردية ورفع كافة القيود المفروضة على تمظهرات هذه الهوية، وأن مرحلة توطيد المجتمع الديمقراطي هي وحدها القادرة على إنهاء مائة عام من سياسات الإنكار الرسمية حيال الكرد، ووضع العلاقة التاريخية بين الكرد والترك في سياق ومسار جديد بمعزل عن التفسير الاقصائي للجمهورية، وبمعزل عن مسلّمات القمع والاضطهاد التي سارت عليها الجمهورية الأحادية الراهنة. وذهب أوجلان في أن لغة السلام والديمقراطية ونبذ سياسات الإنكار واحترام الهويات وحرية الفكر والتنظيم هي السبيل الوحيد القادر على إدخال الجمهورية قويةً ومحصنةً إلى القرن الثاني من عمرها (5).
وتجاوباً مع نداء قائده ومع مبادرة “السلام والحل الديمقراطي” التي طرحها، عقد حزب العمال الكردستاني في الفترة ما بين 5 إلى 7 مايو/ أيار 2025، مؤتمره الثاني عشر، مقرّراً حلّ نفسه وإنهاء مرحلة الكفاح المسلح. وشرح الكردستاني في البيان الختامي للمؤتمر “المرحلة السابقة التي دفعت الكرد في تركيا إلى تبني خيار حمل السلاح ومواجهة سياسة الدولة في الإنكار والصهر القومي، والتصدي لرهان السلطة المستمرّ على القمع والتعامل الأمني العسكري”. كذلك، شرح البيان “الظرف الدولي آنذاك”، وتحدث عن “الاشتراكية وحركات التحرر الوطني التي حملت السلاح رداً على طغيان وبطش الأنظمة العسكرية الشمولية”. وفي 11 يوليو/ تموز 2025 أقدمت مجموعة مكوّنة من 30 مقاتلةً ومقاتلاً من الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني على تنظيم مراسم رمزية أحرقوا فيها أسلحتهم الفردية، تنفيذاً لتعليمات من قائدهم أوجلان، وإظهاراً لتمسكهم بعملية السلام والحلّ الديمقراطي. وفي 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وفي مؤتمر صحفي في جبال كردستان، أعلن القيادي في حزب العمال الكردستاني صبري أوك، عن سحب أولى وحدات الحزب العسكرية من داخل تركيا، في مبادرة حسن نية جديدة. وفي الجانب الرسمي، أعلن البرلمان عن تأسيس لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” في 5 أغسطس/ آب 2025، وتضم 51 برلمانياً من الكتل الممثّلة في البرلمان التركي. ورفضت كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، وهي ثالث أكبر كتلة في البرلمان التركي، مساعي بعض الأحزاب والشخصيات التركية لتسمية اللجنة باسم آخر، وهو لجنة “تركيا بلا إرهاب”، وأصرّت على أن تتمثّل الروح الحقيقية للعملية التي دعا إليها دولت بهجلي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، والتي تجاوب أوجلان معها، ووضع معالم “خارطة الطريق” لها، ورتّبها وهندسها في مبادرة حملت اسم “السلام والمجتمع الديمقراطي” أطلقها في 27 فبراير/ شباط 2025. وبناءً عليه، فقد تناغم اسم اللجنة البرلمانية، (لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية)، بشكل تام مع اسم المبادرة التي أطلقها أوجلان (6).
وعقدت اللجنة ما مجموعه 137 اجتماعاً ولقاء مع شخصيات وفعاليات ومؤسسات للخوض في الإصلاحات المطلوبة والتغييرات القانونية والدستورية التي من المخطط أن تعترف بهوية وحقوق الكرد في البلاد، كما وأجرت لقاءً مع أوجلان في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، عارضة عليه خلاصة عملها. وأصدرت اللجنة في 18 فبراير/ شباط 2026 تقريرها الموسّع الذي جاء في 60 صفحة حول القضية الكردية وإمكانية الحل الديمقراطي، أو ما أسمته بـ “الجذور التاريخية للأخوة التركية – الكردية”، وذلك بغالبية 47 نائباً، مقابل اعتراض نائبين اثنين وامتناع آخر عن التصويت. وضمّ التقرير، في خطوطه الرئيسية، مجموعة من الإصلاحات التي ستقوم بها الدولة لحل القضية الكردية وفتح المجال أمام “السلام والحل الديمقراطي”. وهذه الخطوات هي:
أولاً: نزع السلاح والضمانات القانونية: يدعو التقرير إلى إصدار قانون خاص ومؤقت لمرحلة ما بعد نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، بحيث يضمن عودة المسلحين إلى المجتمع ويوفر حصانة قانونية للأشخاص المشاركين في عملية الحوار.
ثانياً: الإصلاحات القضائية: تم التأكيد على تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية. كما تم اقتراح مراجعة قانون العقوبات، خاصة في ما يتعلق بالإفراج عن السجناء المرضى وكبار السن، والتمييز بين النقد السياسي وجريمة الإرهاب.
ثالثاً: الإدارات المحلية: يقترح التقرير إجراء تغييرات في نظام البلديات، بحيث إذا تم عزل رئيس بلدية، يكون لمجلس البلدية الحق في انتخاب بديله، بدلاً من تعيين وصيّ (قَيّوم).
ربعاً: قانون الأخوّة: يصوّر التقرير تاريخ الأتراك والكرد على أنه “مصير مشترك”، ويدعو إلى تجاوز لغة العنف وبناء دستور مدني جديد (7).
وتشهد عملية السلام بين الحركة الكردية والدولة التركية حالة من الجمود و”الإحباط” مع مرور أسابيع على عدم تمكّن محامين أو أفراد من عائلة أوجلان من الحصول على إذن لزيارة جزيرة إيمرالي. هذا فضلاً عن رفض السلطات التركية للعديد من الطلبات الأخرى لزيارة أوجلان، ومنها الطلب الذي تقدّمت به جمعية “أمهات من أجل السلام” في 8 مايو/ أيار 2026. وهذا يُعيد إلى الأذهان المشهد الذي بدأ مع بداية عام 2024 واستمرّ إلى حين الإعلان عن مرحلة السلام والحل الديمقراطي الأخيرة، حيث إن السلطات التركية رفضت طيلة تلك الفترة العشرات من طلبات زيارة أوجلان في إيمرالي، بينها طلبات مقدَّمة من شخصيات ومنظمات وفعاليات حقوقية واجتماعية، وكان أولها في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2024 وتقدّمت به جميعة “محامون من أجل الحرية” التي تضم 1300 عضو. (8)
وكانت حالة من التفاؤل ظهرت وبشكل خاص بعد مبادرة أوجلان في 27 فبراير/ شباط 2025، والتي كانت تحوّلاً مفصلياً في مسار القضية الكردية في تركيا من جهة إنهاء الكفاح المسلح ودعوة حزب العمال الكردستاني لحلّ نفسه، ومن ثم تفاعل الحزب مع الدعوة في مؤتمره الثاني عشر ما بين 5 و7 مايو/ أيار 2025، وبعد ذلك الرسالة المتلفزة التي ظهر فيها أوجلان في أول تمظهر علني صوتاً وصورة منذ عملية اختطافه عام 1999، ليقدّم تقييمات تمثل خلاصة المراجعات التي يقوم بها منذ سنوات طويلة، سواء لمسيرة حزب العمال الكردستاني، أو لواقع الشعب الكردي في تركيا وخارجها، أو للمتغيّرات التي توالت داخل تركيا وفي عموم المنطقة. وظهر حراك كبير في الساحة السياسية التركية، تحول إلى “مرحلة سلام” رسمية، بعد أن أيدته الكتل البرلمانية الرئيسية، والتي تشكّلت بموافقة منها لجنة برلمانية خاصة أُطلقت عليها تسمية لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” في 5 أغسطس/ آب 2025، والتي أجرت مئات اللقاءات مع الفعاليات السياسية والاجتماعية والثقافية والحقوقية ونقابات العمال والأطباء والمحامين، وطيف واسع من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، والتقت أوجلان ومسؤولين في الدولة التركية، ومن ثم أصدرت تقريرها في الربع الأول من العام الجاري 2026، الذي حمل اسم “الجذور التاريخية للأخوة التركية – الكردية”، وضمّ توصيات للحكومة لإجراء إصلاحات دستورية وقانونية، قادرة على فتح صفحة جديدة في العلاقة بين الكرد والدولة التركية.
الآن مضت ثلاثة أشهر على إصدار لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” لتقريرها، وبالتالي وضع الكرة في ملعب الحكومة التركية، التي من المفترض أن تعمل على ترجمة البنود التي وردت في تقرير اللجنة إلى إصلاحات وتعديلات دستورية وقانونية، يصار إلى التصويت عليها في البرلمان، لكي تصبح ناجزة ويُفتح الطريق أمام “المجتمع الديمقراطي” الذي يمكن للكرد أن يمارسوا فيه السياسة بهويتهم ويديروا مناطقهم بصلاحيات إدارية واسعة، بعد أن تعدّل الدولة قوانينها وترفع القيود على الهوية والثقافة الكردية في البلاد. لم يجرِ أي تحرك ميداني ملموس منذ أكثر من 3 أشهر. ثمة حالة من الجمود تشهدها “مرحلة السلام” رغم تصريحات بهجلي الأخيرة وتأكيدات أردوغان بأن “المرحلة مستمرّة، ولن يكون هناك تراجع للخلف”.
هناك من يربط حالة الجمود هذه بالتطورات الأخيرة في المنطقة والحرب الأميركية – الإسرائيلية على النظام الإيراني. ثمة من يقول بأن الحكومة التركية مشغولة بالحرب وبمتابعة تداعياتها وتطوراتها، ولذلك انصرفت مؤقتاً عن معالجة الملف الكردي ومتابعة عملية السلام والحوار مع الكرد، وهناك آراء أخرى تتحدث عن تأخّر و”تباطؤ مقصود”، وخاصة من جانب أردوغان، وذلك لحسابات وتوازنات داخلية، تتعلق بالانتخابات وطبيعة التحالفات القادمة لخوضها، إذ يطالب أردوغان حزب المساواة وديمقراطية الشعوب بالانضمام غير المباشر إلى “تحالف الجمهور”، وبالتالي التصويت له في أي انتخابات قادمة، وذلك قبل إجراء أي إصلاحات قانونية لرفع القيود عن الكرد أو تنفيذ قانون “الحق في الأمل” الذي بمقتضاه سيُفرج عن أوجلان من السجن. ويستند مؤيدو هذا الرأي إلى عدم حدوث أي لقاء مع أوجلان منذ أكثر من شهر ونصف، ويربطون هذا الإجراء بضغوط الحكومة والحزب الحاكم على الجانب الكردي.
وثمة مصادر تتحدث عن طلب الجانب التركي من حزب العمال الكردستاني نزع السلاح وتسليمه، قبل إقدام الحكومة على إصدار أي قوانين تتعلق بالكرد أو الإفراج عن أوجلان والآلاف من السجناء السياسيين، وفي المقدمة منهم كل من صلاح الدين دمرتاش وفيغان يوكسكداغ، الرئيسين المشاركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي، المعتقلين منذ عام 2016، والمحكومين بالسجن 42 عاماً و30 عاماً على التوالي. وتشير هذه المصادر إلى رفض الحكومة التركية الإفراج عنهما، وبالتالي المسؤولية المباشرة عن التأخير المسيَّس المتقصِّد لعقد جلسة محكمة الاستئناف عامين كاملين، للنظر في الطعون المقدَّمة منهما ومن سياسيين آخرين في الدعوى التي تسمّى في تركيا “قضية كوباني”، إلى حين استحصال “تنازلات” من الكرد. وبالنظر إلى التغييرات الكبيرة في المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 والهجومين الإسرائيلي – الأميركي على إيران صيف 2025 وربيع 2026، والتوازنات السياسية الداخلية في تركيا، وتراجع شعبية الحزب الحاكم وشريكه، والصراع على السلطة مع حزب الشعب الجمهوري، وتراجع الاقتصاد التركي، وظهور أزمات معيشية، فإن الدولة التركية هي الأحوج إلى الوصول لنوع من التهدئة في الداخل لتقوية “التلاحم الوطني” في مواجهة أي تهديد خارجي، وتبريد “الجبهة الكردية”، وكذلك الحصول على دعم من ثالث أكبر حزب في البلاد في أي انتخابات قادمة، في حال الوصول إلى تفاهم شامل مع الكرد والرضوخ لمطالب أوجلان والحركة الكردية. وعليه، فإن عامل الزمن هو في مصلحة الجانب الكردي لا في مصلحة الحكومة التركية التي تجد نفسها، داخلياً وخارجياً، في وضع سيء، وتحت ضغوطات والتزامات كبيرة، منها ما هو ناتج عن تركة سنوات طويلة من الإهمال والاستهتار والاستئثار بالسلطة، ومنها ما هو ناتج عن تطورات إقليمية متسارعة، أظهرت مدى عجز وضعف تركيا وتأثيرها في محيطها والإقليم برمته.
إشارات:
- Rêveberiya Tevgera Apoyî: Divê statuya Rêber Apo diyar bibe û gavên hiqûqî bêne avêtin. Malpera Ajansa Firatê. Dema belavkirinê: 5 Gulana 2026 an. Lînk: https://kurmanci.anf-news.com/kurdistan/tevgera-apoyi-dive-statuya-reber-apo-diyar-bibe-u-gaven-hiquqi-bene-avetin-212325
2ـ حليف لأردوغان يدعو لمنح زعيم كردي مسجون دوراً رسمياً. موقع وكالة “رويترز” للأنباء. تاريخ النشر: 5 يناير/ أيار 2026. الرابط: https://www.reuters.com/ar/world/DB4CC3A6J5IZBFN3WDD5UWMWVM-2026-05-05/
3-„Mifteya pêvajoyê statû û serrastkirina qanûnî ne“. Malpera Ajansa Firatê. Dema belavkirinê 9 Gulanê 2026 an. Lînk: https://kurmanci.anf-news.com/rojava-sUriye/mifteya-pevajoye-statu-u-sererastkirina-qanuni-ne-212471
4- DEM Partî ji bo pêvajoya çareseriyê dadikeve qadan. Malpera televizyona Rûdaw. Dema belavkirinê: 9 Gulana 2026 an. Lînk: https://www.rudaw.net/kurmanci/kurdistan/090520267
5- Naveroka “Banga Aştî û Civaka Demokratîk”. Malpera DEM partî ya fermî. Lînk:https://www.demparti.org.tr/Images/UserFiles/Documents/Editor/2025/banga-asti-civaka-demokratik.pdf
6ـ طارق حمو: أوجلان.. المجتمع الديمقراطي ونهاية “تركيا الأحادية”!. المركز الكردي للدراسات. تاريخ النشر: 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. الرابط: https://nlka.net/archives/14479
7ـ عام على نداء “السلام”..القضية الكردية من منصة الإعدام إلى ردهة البرلمان. وحدة الدراسات التركية في المركز الكردي للدراسات. تاريخ النشر: 18 مارس/آذار 2026. الرابط: https://nlka.net/archives/14787
8- Yilmaz Yilmaz: Wezareta Dadê serlêdanan bê bersîv dihêle. Malpera Rojnameya „Azadiya Welat“. Dema belavkirinê 8 Gulana 2026 an. Lînk: https://azadyawelat.com/wezareta-dade-serledanan-be-bersiv-dihele





