وحدة الدراسات التركية
وجّه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، رسالة بمناسبة الذكرى الأولى للنداء التاريخي الذي أطلقه في 27 فبراير/ شباط 2025، والذي حمل عنوان “السلام والمجتمع الديمقراطي”، توقف فيها على عدة نقاط، مطالباً الدولة التركية بالقيام بخطوات إيجابية ملموسة في اتجاه الحل السياسي والمزيد من الديمقراطية التي تضمن الاعتراف بهوية وحقوق الشعب الكردي، وتحقق للكرد مشاركة ملموسة في إدارة البلاد وصنع السياسة فيها. وتلا السياسي ويسي أكتاش، الذي كان بجانب أوجلان في سجن جزيرة إيمرالي، أثناء قراءته قبل عام لنداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، الرسالة باللغة الكردية في اجتماع حضره قادة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب يوم الجمعة 27 فبراير/ شباط 2026 في قاعة “يلماز غوناي” في العاصمة التركية أنقرة.
رسالة أوجلان التي حملت عدة نقاط، جاءت بمثابة جردة حساب لسنة كاملة من الحوار والتفاوض بين الحركة الكردية والدولة التركية، ومراجعة للإجراءات والإصلاحات التي قامت بها الحكومة من جهة الاعتراف بالهوية والحقوق الكردية. ذكّرت الرسالة بالمبادرة الأولية أحادية الجانب التي أطلقها أوجلان قبل عام في نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي”، والتي أعلن فيها عن إنهاء مرحلة الكفاح المسلح وحل حزب العمال الكردستاني، وأن تجاوب الجانب الكردي بشكل كامل مع الدعوة، أثبت تماسك الجبهة السياسية والعسكرية للحركة الكردية ورهانها على خيار السلام والحل الديمقراطي، وبالتالي الانتقال من مرحلة العنف والمواجهات إلى مرحلة الحوار وممارسة السياسة والاندماج الديمقراطي.
وأشار أوجلان إلى التاريخ المشترك بين الكرد والترك، وقال إن المراحل الأولى من تأسيس الجمهورية راعت هذا التاريخ واعترفت بوجود ودور الكرد، وإن النداء الذي أطلقه في “السلام والمجتمع الديمقراطي” هو عودة إلى تلك اللحظة التأسيسية الصادقة، وإحياء لروح الوحدة والإخوة، وإن كل مبادرات وخطوات الجانب الكردي ماهي إلا لفتح الطريق أمام الحل الديمقراطي، وإزالة العقبات أمام بناء المجتمع الديمقراطي الذي يحقق العدالة والمساواة بين المكونين المؤسّسين: التركي والكردي. كما وطالب أوجلان الدولة التركية باحترام خصوصيات المجوعات العرقية والدينية، وفتح باب السياسة والمشاركة أمامها، وضمان حدوث تحول ديمقراطي حقيقي، وذلك عبر إجراء إصلاحات ملموسة ومعاشة واستيعاب كل التمظهرات الهوياتية في إطار قوانين السلام، وبالتالي منح الجميع فرصة الاندماج والمشاركة السياسية.
ودعا أوجلان إلى ترسيخ المواطنة على أساس علاقة المواطن مع الدولة بوصفها هنا مؤسسات ومنظومة توضّح جملة الواجبات والحقوق، لا على أساس انتماء المواطن إلى الأمة، التي تعني هنا العرق والقومية. وفسّر أوجلان ذلك بالقول إن المواطن الحر يتم تثبيت حقوقه من خلال المواطنة التي تضمن له حرية المعتقد والتعبير عن هويته وآرائه الفكرية، وتكون كل هذه الحقوق الأساسية محمية من الدولة من خلال قوانينها الديمقراطية. وإنه لا يجوز أن تفرض الدولة قومية ما على المواطن، بالقدر الذي لا يمكن لها أن تفرض على مواطنيها ديناً ولغة ما. وإن المواطن الذي يلتزم بالقانون والدستور ووحدة الدولة، له حقوق يجب أن تكون محمية في التعبير الحر عن الهوية والاعتقاد الديني والأفكار والأيديولوجيات، بدون خوف من الملاحقة والمحاسبة. وتابع أوجلان بأن تحقيق المجتمع الديمقراطي في تركيا، وتغيير القوانين لحماية المواطن وضمان حرياته المختلفة، يخلق الأرضية للعيش المشترك لكل الفئات المضطهدة في كل منطقة الشرق الأوسط. وقال بأن النساء هنّ في مقدمة الفئات التي تتعرض للقمع جراء غياب قوانين الحماية، ولذلك فهو يعتبرالنساء القوة الأكثر ميلاً للتحرر وإحداث التحول والاندماج الديمقراطي. وأكّد على أن تحقيق المجتمع الديمقراطي يتطلب من الدولة منح الجميع الحق في التعبير الحر عن الرأي والفكر وإبراز الهوية والخصوصية، وأن على الدولة الاقتراب من الجميع بروح عالية من التفهم والاحترام والاستيعاب (1).
وكانت لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” التي تأسست في 5 أغسطس/آب 2025، وضمت 51 برلمانياً من الكتل الممثلة في البرلمان التركي، وعقدت ما مجموعه 137 اجتماعاً ولقاء مع شخصيات وفعاليات ومؤسسات للخوض في الإصلاحات المطلوبة والتغييرات القانونية والدستورية التي من المخطط أن تعترف بهوية وحقوق الكرد في البلاد، والتقت أوجلان في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قد أصدرت في 18 فبراير/ شباط 2026 تقريرها الموسّع الذي جاء في 60 صفحة حول القضية الكردية وإمكانية الحل الديمقراطي، أو ما أسمته بـ “الجذور التاريخية للأخوة التركية ـ الكردية”، وذلك بغالبية 47 نائباً، مقابل اعتراض نائبين اثنين وامتناع آخر عن التصويت. وضمّ التقرير، في خطوطه الرئيسية، مجموعة من الإصلاحات التي ستقوم بها الدولة لحل القضية الكردية وفتح المجال أمام “السلام والحل الديمقراطي”. وهذه الخطوات هي:
- نزع السلاح والضمانات القانونية: يدعو التقرير إلى إصدار قانون خاص ومؤقت لمرحلة ما بعد نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، بحيث يضمن عودة المسلحين إلى المجتمع ويوفر حصانة قانونية للأشخاص المشاركين في عملية الحوار.
- الإصلاحات القضائية: تم التأكيد على تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية. كما تم اقتراح مراجعة قانون العقوبات، خاصة في ما يتعلق بالإفراج عن السجناء المرضى وكبار السن، والتمييز بين النقد السياسي وجريمة الإرهاب.
- الإدارات المحلية: يقترح التقرير إجراء تغييرات في نظام البلديات، بحيث إذا تم عزل رئيس بلدية، يكون لمجلس البلدية الحق في انتخاب بديله، بدلاً من تعيين وصيّ (قَيّوم).
- قانون الأخوّة: يصوّر التقرير تاريخ الأتراك والكرد على أنه “مصير مشترك”، ويدعو إلى تجاوز لغة العنف وبناء دستور مدني جديد (2).
وعقّب أوجلان على محتوى التقرير في رسالة خاصة كتبها في 19 فبرير/ شباط 2026، أي بعد يوم واحد من نشر التقرير، ونشرتها وكالة “فرات” للأنباء في 2 مارس/ آذار 2026، مشيراً إلى أن تشكيل البرلمان للجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” للخوض في القضية الكردية، هي خطوة وسابقة تاريخية، وموضحاً بأن نقل القضية الكردية من “منصّة الإعدام” إلى “ردهة البرلمان” يعتبر في حد ذاته إنجازاً تاريخياً لا يجب التقليل منه رغم ورود العديد من الملاحظات على التقرير. وقال أوجلان إن التقرير الصادر من اللجنة البرلمانية والذي تناول القضية الكردية وتحدث لأول مرة وعلانيّة عن “اخوّة الترك والكرد”، هو بداية جيدة لمرحلة طويلة وشاقة من النضال الديمقراطي، وإنه يمنح الجميع يقيناً بأن الحوار لا السلاح، هو الأسلوب الأنجح لإحداث التقارب وتمرير الحل والتسوية، وإن التقرير أغلق الباب أمام المزايدات التي دأبت بعض القوى على القيام بها لإجهاض أي حل سياسي للقضية الكردية(3).
أما كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب فقالت إنه ورغم عدم تلبية التقرير لكل المطالب الكردية من جهة إحداث التغييرات الدستورية الصريحة، إلا أن ما ورد فيه يمكن أن يفتح الطريق أمام المزيد من الديمقراطية، وأن يشكل خطوات مهمة يمكن البناء عليها. ورأى الحزب بأن هناك إجراءات مستعجلة على الحكومة اتخاذها مثل ضمان حرية أوجلان، وإعلان قوانين تضمن إدماج المقاتلين في الحياة السياسية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الكرد (وفي مقدمتهم كلٌّ من صلاح الدين دمرتاش وفيغان يوكسكداغ، الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب الديمقراطي، والمحتجزين منذ عام 2016)، واعتبار قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هي المرجع في التعامل مع هؤلاء، والتوقف عن وضع اليد على البلديات في ولايات كردستان، والكف عن تعيين “أوصياء” مكان الرؤساء المنتخبين من الشعب، والعمل على سنّ دستور مدني جديد يضمن حقوق الكرد ويوطّد “المصير المشترك بين الكرد والترك”، ويتجاوز”لغة العنف”.
الناظر في التقرير سيلاحظ بصمات أوجلان، فالمصطلحات والعبارات التي كرّرها أوجلان في رسائله، وخاصة في نداء “السلام والمجتمع الديمقراطي” حاضرة في التقرير. ويمكن اعتبار التقرير خطوة نوعية وتاريخية قام بها برلمان الدولة التركية لأول مرة للتعامل مع القضية الكردية بالاسم. في هذا التقرير الذي أعده البرلمانيون الذين التقوا بأوجلان وبفعاليات سياسية واجتماعية وحقوقية في البلاد من الكرد والترك وبقية المكونات، ثمة إشارة مباشرة إلى الكرد، الذين وضعوا مع الترك في سياق يشير إلى مكوّنين رئيسيّين أساسيّين شكّلا وأسّسا الجمهورية معاً، وأن العلاقة بينهما يجب أن تصحّح ويتم وضعها في إطار جديد، بعد إزالة كل المقاربات السابقة من إنكار وتجاهل وتعامل بالقوة والعنف. ومنذ البداية رفضت كتلة حزب المساواة وديمقراطية الشعوب مساعي بعض الأحزاب والشخصيات التركية الرامية لتسمية اللجنة باسم آخر وهو لجنة “تركيا بلا إرهاب”، وأصرّت على أن تتمثّل اللجنة الروح الحقيقية للعملية التي دعا إليها دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية، والتي جاءت في ظل ظروف وتطورات إقليمية بات من الواضح إنها تضيّق الخناق على تركيا (دعوة بهجلي في البرلمان التركي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024). تلك الدعوة التي تجاوب أوجلان معها، ووضع معالم “خارطة الطريق” لها بعد أن رتّبها وهندسها في مبادرة حملت اسم “السلام والمجتمع الديمقراطي” أطلقها في 27 فبراير/ شباط 2025. وبناءً عليه، فقد تناغم اسم اللجنة البرلمانية لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، بشكل تام مع أسم المبادرة/المرحلة التي أطلقها أوجلان (4).
يرى أوجلان في تقرير اللجنة النهائي التي أصدرته لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، فرصة حقيقية للسلام والحل الديمقراطي وإسكات الأصوات الداعية للحرب والحسم العسكري، وبالتالي فتح صفحة جديدة من خلال البرلمان ومؤسسات الدولة، شريطة أن يضاعف الكرد نضالهم السياسي الديمقراطي بالتعاون مع كل القوى والفعاليات الوطنية في البلاد. وكان أوجلان قد أشار في وقت سابق إلى الإمكانات التي يمتكلها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب من جهة تحشيد قطاعات واسعة من المواطنين خلفه، والتحول لجبهة ديمقراطية وطنية، عمالية، مدافعة عن حقوق المرأة والمكونات والتنوع الثقافي، وبالتالي الحصول بكل يسر على نسبة قد تصل إلى 20% من مجمل الأصوات في عموم تركيا. وكأول خطوة عملية بعد نشر تقرير لجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية”، التقى في 3 مارس/ آذار 2026 كل من البرلمانيّين بروين بولدان ومدحت سنجار(وفد إيمرالي) مع كل من وزير العدل آكين غورلك ووزير الداخلية مصطفى جفتجي، وذلك للحديث حول الإجراءات المزمع اتخاذها على ضوء التقرير الأخير، ونقل وجهة نظر أوجلان الذي التقاه الوفد في 16 فبراير/ شباط 2026 إلى وزيري العدل والداخلية. ومن المزمع أن تنفّذ الوزارتان المعنيتان حزمةً من القرارات التي تأتي ضمن الإصلاحات المتفق عليها بين أوجلان وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب من جهة ولجنة “التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية” البرلمانية من جهة أخرى، ومن ضمنها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإعادة رؤوساء البلديات المنتخبين في كردستان إلى وظائفهم. كذلك هناك إصلاحات أخرى تتعلق بـ “حق الأمل” الذي يضمن حرية أوجلان في اللقاء بالسياسيين والصحفيين والشخصيات الاجتماعية، وضمان تواصله مع العالم الخارجي، والاتصال بمختلف الهياكل والفعاليات والمؤسسات الكردية داخل وخارج تركيا (5).
حزب العمال الكردستاني كان مؤمناً بمرحلة “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي أطلقها أوجلان، وفهم روح هذه المرحلة والمتغيرات في المنطقة والعالم، والتي تفرض على الكرد مقاربات جديدة. وعى الحزب بأن السياسة بعد متغير “السلام والمجتمع الديمقراطي” ستمنح الكرد مكتسبات أضعافَ ما يفعله العمل المسلح. ومن هنا فقد عقد الحزب في الفترة ما بين 5 إلى 7 مايو/ أيار 2025، مؤتمره الثاني عشر، مقرّراً حلّ نفسه وإنهاء مرحلة الكفاح المسلح. وشرح الكردستاني في البيان الختامي للمؤتمر كيف أن “المرحلة السابقة دفعت الكرد في تركيا إلى تبني خيار حمل السلاح لمواجهة سياسة الدولة في الإنكار والصهر القومي، والتصدي لرهان السلطة المستمرّ على القمع والتعامل الأمني العسكري”. كذلك لفت البيان إلى”الظرف الدولي آنذاك”، وتحدث عن “الاشتراكية وحركات التحرر الوطني التي حملت السلاح رداً على طغيان وبطش الأنظمة العسكرية الشمولية”. وفي 11 يوليو/ تموز 2025 أقدمت مجموعة مكوّنة من 30 مقاتلةً ومقاتلاً من الجناح العسكري للحزب على تنظيم مراسيم رمزية، أحرقوا فيها الأسلحة الفردية، تنفيذاً لتعليمات من أوجلان، وإظهاراً لتمسكهم بعملية السلام والحلّ الديمقراطي. وفي 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وفي مؤتمر صحفي في جبال كردستان، أعلن القيادي صبري أوك عن سحب أولى وحدات الحزب العسكرية من داخل تركيا، في مبادرة حسن نية جديدة، بينما التقى (وفد إيمرالي) الذي يضم نواباً في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب بعد ذلك بأيام، وتحديداً في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (وكان ذلك هو اللقاء الثالث مع أردوغان بعد لقاءين، الأول كان في 10 أبريل/ نيسان، والثاني كان في 7 يوليو/ تموز 2025)، ومؤخراً حدث لقاء رابع في 11 فبراير/ شباط 2026 للحديث حول تطورات عملية السلام والحلّ الديمقراطي.
ينشد أوجلان من عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” التي انطلقت قبل عام من الآن، إنهاء المقاربة التركية الرسمية المزمنة للقضية الكردية بوصفها “قضية أمنية”، واعتبار أنقرة الحراك المطالب بالحقوق والاعتراف بالهوية واللغة “عصياناً ضد الدولة”. يريد أوجلان تأسيس مرحلة جديدة تقوم على سردية قدمها قبل أكثر من ثلاثين عاماً، وهي سردية “أخوّة الكرد والترك التاريخية الممتدة لألف عام”، ووجوب إعادة تشكيل/تأسيس الجمهورية على أساس وجود مكونين رئيسيين هما الكرد والترك، وبالتالي التخلص من عقلية “دولة الشعب الواحد والعلم الواحد واللغة الواحدة” والانتقال إلى دولة “الأمة الديمقراطية” التي تعترف بكل الهويات في إطار وطني، ولا تمنح السيادة والتمثيل لقومية سائدة تتحرك بعنصرية واضحة، وتتعامل بالحديد والنار مع مطالب المكونات الأخرى، وتنفّذ سياسات “حربية/ كولونيالية” في الصهر القومي والإمحاء والإحلال. يريد أوجلان دولة جديدة هي دولة “السلام والمجتمع الديمقراطي” القائمة على التنوع والتعددية والاعتراف بكل الخصوصيات والهويات والتمظهرات المجتمعية. يريد حياة سياسية صحية فيها انتخابات وأحزاب وبرامج، ويتم اختيار ممثليها بناءً على ما يقدّمونه للجماهير من ازدهار اقتصادي وحقوق وعيش كريم. يريد بناء تحالفات وطيدة بين القوى والأحزاب السياسية، لتشكيل جبهة ديمقراطية (تضم كذلك سياسيين مستقلين وحقوقيين ومثقفين ونقابات مهنية واتحادات نسائية ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية والدينية لكل المكونات)، قادرة على ترجمة مطالب وطموحات الجماهير، وبالتالي التخلص من رواسب الفكر القومي الرث، ومن الأوليغارشية الفاسدة المستفيدة من حالة الشحن القومي العنصري، ومن مجمل “اقتصاد الحرب” الذي بات يدرّ أموالاً طائلة على “مراكز قوى” لا تزال نافذة في أجهزة الدولة العميقة من جيش واستخبارات وإعلام وقضاء. مجتمع واقتصاد الحرب الذي تموضع وتجذّر لمحاربة الحركة الكردية منذ عام 1986، وغذّى حملات الحسم العسكري التي كلفت الدولة أكثر من 2 ترليون دولار، باعتراف رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش.
التحول الديمقراطي، وفق أوجلان، يعني أن ترفع الدولة القيود عن العمل التنظيمي والحراك السياسي الكردي في ولايات كردستان وفي عموم تركيا. أن تتوقف الدولة وأجهزتها عن ملاحقة السياسيين الكرد، وعن ترويع وترهيب المجتمعات الكردية بهدف منعها من انتخاب “الحزب الكردي/ممثل الهوية الكردية”، واللجوء لكيل تهمة “موالاة الإرهاب” لها. يريد أوجلان تنفيذ الإرادة الكردية الديمقراطية في ولايات كردستان، ضمن التحالف المجتمعي والسياسي الموضعي مع المكونات العربية والتركمانية والسريانية، بحيث ينجح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب في احتلال القلوب وتمثيل الجميع، مع خلق جبهة ديمقراطية وطنية في عموم تركيا، تتشارك فيها قوى وأحزاب عديدة، تصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في تخطيط مستقبل الدولة وضمان مصلحة وسلامة جميع مواطنيها. بكلمة أخرى: أوجلان لا يريد خلاص ودمقرطة الكرد وكردستان فقط، لكنه يريد خلاص ودمقرطة كل تركيا. إنه باختصار لا يريد كردستان فقط، بل يريد كل تركيا!. إن رفع صفة “الإرهاب” عن الحراك السياسي الكردي في تركيا والتوقف عن ملاحقة السياسيين والنشطاء الكرد، والكفّ عن ترويع المواطنين الكرد وتهديدهم، و”التنمّر” عليهم باسم “القانون” و”الدولة” و”الوطن”، سيمنح الكرد وزنهم الحقيقي وحجمهم الطبيعي في المعادلة السياسية في البلاد، وسيجعل منهم العامل الحاسم في التغيير والدفع باتجاه دولة المواطنة والديمقراطية والقانون. وجدير بالذكر هنا الإشارة إلى مرحلة التفاوض بين الدولة التركية والحركة الكردية ما بين 2013 و2015، والتي تراجعت خلالها حملات القمع والملاحقة والتضييق بحقّ الكرد وحراكهم السياسي، وهو ما نجم عنه خلق حالة من الارتياح وجو من الهدوء والأمان، مما ساهم في دفع الناس إلى التعبير عن إرادتهم السياسية دون خوف، والوقوف خلف حزب الشعوب الديمقراطي (ممثل الكرد، المنخرط في حوار مع الدولة) في الانتخابات التي جرت في يونيو/ حزيران 2015، والذي حصل على 50 مقعداً في 14 ولاية كردية، مقابل حصول حزب العدالة والتنمية الحاكم على 9 مقاعد فقط. كما وتناقلت وسائل الإعلام آنذاك “صدمة” السلطات الرسمية المحلية من ما فعله أهالي بلدة في ولاية سيرت (كان رجالها منخرطين في مجموعات “حراس القرى” التي شكلتها الدولة لمحاربة قوات حزب العمال الكردستاني مقابل رواتب وامتيازات مجزية)، والذين منحوا كل أصواتهم إلى مرشح حزب الشعوب الديمقراطي، الذي فاز في البلدة فوزاً ساحقاً على “حزب الدولة”!
يواجه مشروع أوجلان في “السلام والمجتمع الديمقراطي” رفضاً من أوليغارشيات الحرب من تلك التي تتاجر بالقومية التركية وبالشعارات الإمبراطورية المتخيلة (العثمانية الجديدة، الميثاق الملي، الوطن الأزرق، دولة الترك الممتدة من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم… إلخ)، ومن دعاة الدولة الأحادية الشمولية القائمة على العنصر التركي فقط. هؤلاء يعدّون مشروع السلام خطراً. يعرفهم أوجلان جيداً وهم يعرفونه كذلك. وحالياً، وإن كان هؤلاء يتقهقرون في داخل تركيا أمام سردية السلام التي تتوافق مع الواقع وتُثبت صحتَها المتغيراتُ والتهديداتُ التي تطال تركيا، إلا أنهم يحاولون تخريب المرحلة من باب معاداة الكرد في سوريا والعراق وإيران. تريد أوليغارشيات الحرب و”مراكز القوى” المستفيدة من قوانين الطوارئ، توريط البلاد في حروب خارج الحدود (العراق وسوريا، ولاحقاً إيران)، بغية الإجهاز على مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي” في الداخل، وبالتالي إخراج القضية الكردية من المجال السياسي “ردهة البرلمان”، والعودة بها إلى ميادين الحرب وساحات المواجهات المسلحة “منصة الإعدام”، وهو ما يعمل أوجلان وبقية العقلاء في تركيا على منعه بكل قوة.
مصادر:
1- Abdulah Ocalan: Ji bo çareseriyê pêdivî bi qanûnên aştî û azadiyê heye: Ajansa Welat, 27 Sibata 2026. Lînk:https://ajansawelat.com/abdullah-ocalan-ji-bo-careseriye-pedivi-bi-qanunen-asti-u-azadiye-heye/
2ـ خريطة طريق البرلمان التركي للسلام: نزع سلاح حزب العمال الكردستاني و”النموذج التركي” للحل. موقع شبكة روداو. الرابط: https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/turkey/24022026
3-Rêber Apo: Rapor ne encam e, deriyek hat vekirin. Ajansa Firatê, 02.03.2026. Lînk: https://kurmanci.anf-news.com/rojane/s-209601
4ـ طارق حمو: أوجلان..المجتمع الديمقراطي ونهاية “تركيا الأحادية”. المركز الكردي للدراسات. 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. الرابط: https://nlka.net/archives/14479
5ـ تركيا..وفد إيمرالي يلتقي وزير العدل التركي في إطار عملية السلام. موقع “روج نيوز” الإخباري في 04/03/2026. الرابط:
https://rojnews.news/ar/?p=262403





